الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حسناء تطعم الكلاب دجاجاً

حسناء تطعم الكلاب دجاجاً

تنازعتني انطباعات متناقضة في مساء يوم ماطر من مساءات مسقط الجميلة حين شاهدت حسناء بهية المظهر من إحدى الجنسيات الآسيوية تطعم عددا من الكلاب أمام باحة مطعم بولاية بوشر.
التفت الكلاب حول الحسناء وهي تقدم لها في أواني ألمونيوم نظيفة ما لذ وطاب من الطعام الذي اشترته في ثلاث طلبات من الدجاج بواقع ريال ونصف لكل طلب، فأبدت الكلاب نهماً في تناولها للحم الدجاج وهي تحرك ذيولها ذات اليمين وذات اليسار وتضرب بها أجسامها السمينة المكتنزة لحما، فيما تبدو الحسناء أنحف في بنيتها بما يتلاءم مع ثقافة الرشاقة والنحافة التي رسخت في ذهن كل حريص على صحته من البشر ذكوراً وإناثا.
المشهد بدا مؤثراً في أكثر من سيناريو رسمته تلك الأكباد الرطبة وهي تلتهم الدجاج المطبوخ على نار هادئة مع الأرز البسمتي الذي روعي فيه كما هو معروف في مطاعم مسقط النظيفة كل المعايير الصحية الهادفة لحماية الزبائن من الأمراض وتجنيبهم التسمم والتلوث وغيره.
تلقفت المعطوف عليها أطباق الدجاج غير آبهة بروائح الأطباق الأخرى التي سادت الجو منبعثة من مدخنة المطعم حاملة معها نكهات (الصالونة) و(البكورة ) ، و(الدوسة) بالبطاطس وغيرها من الوجبات المسائية الخفيفة، التي لها من يتلذذ بها مع الشاي (الكرك) في المساءات الرائعة.
لقد تجلت الإنسانية بكل معانيها في هذا الحنو المتدفق الذي قد يأخذ في ظاهره منحى ممارسة سلوك مرتبط بالدرجة الأولى بثقافات أخرى تعتبره عنصرا من عناصر الحرص على التعايش السلمي بين الإنسان والحيوان وإمعانا في اظهار الرفق به بالقدر الذي يؤكد على المستوى الحضاري الذي لم ينتهج هذا السلوك.
إن أبرز ما يمكن قراءته في هذا السيناريو الباعث لأكثر من تقدير .. والمجال مفتوح .. للاختلاف في تقييمه وتفسيره، هو أن الحسناء دفعتها انسانيتها لاطعام الحيوانات الأليفة، خصوصا وأن اللحظة التي تسيطر فيها المشاعر الإنسانية لاتخضع ولاتبالي بأي قناعات لأي طرف آخر سواء كان من دعاة ترتيب الأولويات في توزيع العطف والحنان بحجة أن (بالكرة الأرضية) من هم أحوج إلى رغيف خبز ناشف، او في حاجة الى بطانية تقيهم زمهرير البرد، او في حاجة إلى مجرد قرار سياسي شجاع يوقف الحروب التي تقتل وتشرد الأطفال وتجبرهم على اللجوء بحراً ليلتهمهم في قاعه في أغلب الأحيان وربما لفظهم إلى شواطئه تعاليا ورفضا لسلوك الآخرين من البشر الذين لا يتوانون في قتل بني جلدتهم. وبعضهم يهيمون في بقايا المطابخ المنهارة بسبب الديناميت والقنابل المتفجرة ليقتاتوا على فتات طعام قديم ربما تربي فيه الدود وليس لحم الدجاج المطبوخ بالنار أو بالبخار.
ليس هناك من يجرؤ على الاعتراض على هكذا سلوك انساني لتلك الحسناء، لأن المشاعر الانسانية لاتوزن ولاتقاس بالكيلوجرامات، غير أن الأهم في المشهد هو أنه أكد على أن الإنسان (حمال ) وبدرجات متفاوتة لمقادير عالية من العطف والشفقة وينبغي أن يتمسك بها.
كما أن الأكثر أهمية أيضا هو أن يراعي كل منا ضرورة أن تظل منافذ تناول الطعام التي يرتادها الانسان بعيدة عن إطعام الحيوانات الأليفة ، وذلك حتى لا يؤدي الاقبال على هكذا سلوك انساني إلى الإضرار بالانسان وصحته . وعليه تظل المعادلة أكثر صعوبة قائمة كل ما برز التفكير في قضايا التوازن البيئي وحق الحياة للجميع في بيئة حانية خلقت للجميع أيضاً.

طارق أشقر
كاتب صحفي سوداني

إلى الأعلى