الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هيكل وغالي .. فرقتهما السياسة وجمعتهما الصحافة

هيكل وغالي .. فرقتهما السياسة وجمعتهما الصحافة

محمد عبد الصادق

” ترجع علاقة هيكل بغالي لأواخر الخمسينيات, حينما جمعهما اجتماع عقده الأستاذ لتطوير العمل بمؤسسة الاهرام, واستحداث إصدارات جديدة كالأهرام الاقتصادي ومجلة السياسة الدولية ومركز الأهرام الاستراتيجي, وحضره غالي بوصفه أستاذ سياسة وقانون استعان به مالك الأهرام للاستفادة من خبراته الأكاديمية, ”

فقدت مصر والأمة العربية قامتين سامقتين في مجال السياسة والصحافة والإعلام؛ بطرس بطرس غالي ومحمد حسنين هيكل, وبينما كان الفارق بين ميلادهما عاماً واحداً كان الفارق أيضاً بين رحيلهما يوماً واحداً ؛ فقد ولد غالي في 14نوفمبر 1922م وتبعه هيكل في 23سبتمبر 1923م, والراحلان ظلا كقضبي القطار لم يلتقيا أبداً فكرياً ولا سياسياً رغم ارتباطهما بالعمل معاً في مؤسسة الأهرام منذ منتصف الخمسينيات حتى أوائل السبعينيات, وشهدت العلاقة بينهما حالات من المد والجزر بسبب اختلاف الثقافة والبيئة والقناعات السياسية.
فبطرس غالي سليل عائلة قبطية عريقة, فجده لأبيه بطرس نيروز غالي كان رئيساً لوزراء مصر في بداية القرن العشرين من (1908ـ 1910) واغتيل على يد الصيدلي الشاب إبراهيم الورداني عضو الحزب الوطني القديم؛ بسبب اتهامه بالخيانة والعمالة للإنجليز؛ حيث ترأس المحكمة التي أعدمت الفلاحين المصريين أبطال حادثة دنشواي, وفي عهده سٌن قانون المطبوعات الذي أغلقت بموجبه كثير من الصحف وصودرت كتب مناهضة للخديوي والإنجليز, كما وقع اتفاقية تجديد امتياز قناة السويس للإنجليز والفرنسيين, واتفاقية تقاسم حكم السودان مع الإنجليز عام 1882م , وعقب اغتياله خرج ابنه واصف باشا ليبرئ ساحة المصريين من دم والده, وأداً للفتنة بين المسلمين والمسيحيين وإعلاء للانتماء الوطني لعائلة غالي التي تولى أبناؤها مناصب سياسية مرموقة في مصر الملكية قبل ثورة يوليو 1952م , وبعد الثورة اتجه معظم أبناء العائلة للعمل الأكاديمي بالجامعة وامتهان المحاماة والقانون الدولي, وكان أبرزهم بطرس بطرس غالي الذي كانت أمه أرمينية وتلقى تعليمه الأولي في المدارس الفرنسية, وبعد حصوله على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1946م سافر إلى فرنسا وحصل على الماجستير والدكتوراه عام 1949, وعمل أستاذا للقانون الدولي, ولكن طموحه دفعه للاتجاه للعمل بالصحافة بجوار عمله الأكاديمي.
كان لغالي علاقات قوية بفرنسا, وكان مولعاً بالثقافة واللغة الفرنسية ولعبت فرنسا دوراً محورياً في وصوله إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة بعد أن جاء الدور على إفريقيا لتولى المنصب الأممي الرفيع, وحشدت فرنسا بكل قوتها وراء غالي مستغلة علاقاتها القوية بالدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية لإقناعها بالتصويت للمرشح المصري , وجاء خبر فوزه في إذاعة البي بي سي كالتالي: فاز بالمنصب إفريقي أبيض البشرة وعربي مسيحي الديانة وشمال إفريقي فرنسي الهوى.
بينما كانت ثقافة هيكل أنجلوسكسونية ودخل مهنة الصحافة من الباب الكبير وبعد أشهر قليلة أصبح نجماً لامعاً في بلاط الصحافة المصرية, فرغم حصوله على تعليم متوسط (دبلوم تجارة) إلاّ أنه كان عصامياً سعى لتثقيف نفسه بنفسه, فالتحق بالدراسات الحرة بالجامعة الأميركية لإتقان اللغة الإنجليزية التي كان يجيدها بجانب حفظه للقرآن الكريم وآلاف من أبيات الشعر القديم والحديث؛ مما أعطاه قدرة على إتقان الكتابة باللغتين العربية والإنجليزية بأسلوب أدبي رفيع (السهل الممتنع), بالإضافة لشغفه بالقراءة ومتابعة الأخبار السياسية عن طريق الإذاعة والصحف العربية والأجنبية التي كانت متوافرة في مكتبات وشوارع القاهرة في ذلك الحين.
بدأ هيكل رحلته مع الصحافة في عام 1942م بالعمل بصحيفة الإيجيبشيان جازيت وهي صحيفة إنجليزية كانت الأكثر توزيعاً وشهرة في بداية القرن العشرين وقام من خلالها بعمل تحقيقات عن وباء الكوليرا الذي اجتاح مصر آنذاك, ثم عمل مراسلاً عسكرياً في الحرب العالمية الثانية بمنطقة العلمين التي شهدت معارك ضارية بين القائد الألماني روميل ونظيره الإنجليزي مونتجمري, حققت له هذه التحقيقات مكانة صحفية متميزة, أهلته ليكون مراسل الجريدة في حرب 1948م بين العرب واليهود وهناك كان لقاؤه الأول بجمال عبد الناصر, الذي استقى منه المادة الصحفية لتحقيقه عن الأسلحة الفاسدة التي تسببت في خسارة الحرب والذي أحدث نشره انقلاباً شعبياً على الحكومة والملك والإنجليز.
لمع اسم هيكل وتهافتت الدور الصحفية لجذبه للعمل معها, ونجح الصحفي الشهير محمد التابعي في إقناعه بالكتابة باللغة العربية وعرفه بصاحبي دار أخبار اليوم علي ومصطفى أمين؛ فكان أصغر رئيس تحرير لمجلة آخر ساعة وجريدة الأخبار اليومية, وفي إحدى سفرياته لجنيف التقى هناك مع بشارة تقلا أحد ملاك “الأهرام” التي كانت تعاني من الإفلاس وتراجع التوزيع وطلب منه تولي مسؤولية المؤسسة العريقة, ليوافق هيكل بعد إلحاح ويصدر هيكل في 1957م أول أعداده مع الأهرام في يوم الخميس أول أغسطس, والذي نفد عقب ساعات من صدوره لاحتوائه على صحافة جديدة قائمة على الخبر والتحقيق المصور والتحليل السياسي الرصين.
ترجع علاقة هيكل بغالي لأواخر الخمسينيات, حينما جمعهما اجتماع عقده الأستاذ لتطوير العمل بمؤسسة الاهرام, واستحداث إصدارات جديدة كالأهرام الاقتصادي ومجلة السياسة الدولية ومركز الأهرام الاستراتيجي, وحضره غالي بوصفه أستاذ سياسة وقانون استعان به مالك الأهرام للاستفادة بخبراته الاكاديمية, ويحكي هيكل ان بشارة تكلا طلب منه تعيين صديقه بطرس محرراً في المجلة وكان ذلك هدية عيد ميلاد غالي الخامس والثلاثين, ويضيف هيكل: أنني شاركت في هدية الصديق لصديقه ولم أعينه محرراً بل رئيساً للتحرير إلى جانب عمله الأكاديمي في الجامعة ويقول هيكل: عندما تم تأميم الصحافة في 1961م وآلت ملكية الأهرام للدولة وأبقى عبد الناصر على رؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير في مناصبهم وأعطى لهم كافة الصلاحيات, أبقيت على بطرس غالي في منصبه لأنه كان جديراً بالمنصب واستطاع تطوير المجلة وزيادة توزيعها, وتولى بعدها رئاسة تحرير مجلة السياسة الدولية.
في بداية السبعينيات قدم غالي استقالته وفضل الالتحاق بالعمل الدبلوماسي, وترك هيكل الاهرام في 1974م عقب أزمته الشهيرة مع السادات, الذي لم يعجبه موقف هيكل ومقالاته بعد انتهاء حرب اكتوبر بعنوان” لا نصر ولا هزيمة” والذي أشار فيها لعبور الجيش المصري لسيناء وتسلل الإسرائيليين إلى السويس عبر الثغرة التي حدثت بين الجيشين الثاني والثالث وعبر منها شارون وفرقته إلى البر الغربي لقناة السويس, والتي انتقد فيها هيكل قبول السادات لاتفاقية فك الاشتباك وعدم تطويره للهجوم في سيناء حتى المضايق واعتراضه على استجابة السادات السريعة لدعوة الاميركان لوقف القتال والجلوس للتفاوض مع الإسرائيليين.
في مذكرات غالي السياسية التي سجلها في ثلاث كتب منفصلة يقول: إنه أصيب بالإحباط عندما علم بإبعاد السادات لهيكل من رئاسة الاهرام, ولما علم هيكل بحالته اتصل به ليطمئنه أن المستقبل امامه مفتوح ولا يرتبط بمؤسسة حتى لوكانت “الأهرام” ودعاه للقائه واستمرت المودة ثلاث سنوات تقريباً, حتى دخل غالي المكتب السياسي للحزب الوطني الذي أنشأه السادات واستقال من الجامعة وأصبح وزيرا للشؤون الخارجية ورافق السادات في رحلته الصادمة إلى القدس, مما أدى لشرخ كبير في علاقته بهيكل وعن ذلك قال غالي: يجب أن أعترف أن الشراسة التي يلاحقني بها هيكل في كتاباته, بدأت منذ ذلك اليوم من شهر نوفمبر 1977م الذي طلب إلي فيه السادات أن أرافقه إلى القدس, وهذه الشراسة لم تزدني إلاّ صلابة لان هذه الرحلة التاريخية ستبقى وحتى وفاتي ذروة مسيرتي السياسية.

إلى الأعلى