الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من يكافح الإرهاب؟

من يكافح الإرهاب؟

د. أحمد مصطفي

”ليس بغريب أيضا ان يتزامن ما يجري في ليبيا مع ما يوصف بأنه “تقدم” على صعيد حل سياسي في سوريا، بعدما كانت الطبول تدق لتدخل بري (تركي بالأساس) في الصراع هناك بحجة مكافحة الإرهاب والهدف أمر آخر تماما ربما كان يعزز الإرهاب، ولو بالتفريغ السلبي. هذا التقدم هو ما اعلن عنه من اتفاق روسي/أميركي على وقف لإطلاق النار.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تزامن الإعلان عن الحكومة الليبية الجديدة، برعاية الأمم المتحدة، مع غارة أميركية على صبراتة شرق ليبيا قتل فيها قيادي إرهابي تونسي وعدد آخر من الإرهابيين في ليبيا مع دبلوماسيين صربيين كانا مخطوفين لدى إرهابيي ليبيا. وبدت الغارة الأميركية كأنها فاتحة حرب غربية على الإرهاب في ليبيا، لكن الواقع أنها لم تخرج عن كونها واحدة من العمليات الأميركية كتلك التي تقوم بها في اليمن أو العراق أو سوريا و”تستهدف فيها قياديا إرهابيا” وليست شرارة حملة غربية ضد الإرهاب في ليبيا كما يتحسب الجميع منذ فترة. وفي كل تلك الحالات تبدو الولايات المتحدة وكأنها تقوم بردود فعل انتقامية على تنظيمات إرهابية استهدفت مصالحها أو تضر بها، وكأنما تضع أقوى دولة في العالم نفسها في ذات المقام مع تلك الجماعات الإرهابية.
أما بالنسبة لليبيا، فالعالم كله يتحدث منذ فترة عن استعدادات للتدخل العسكري لمكافحة الإرهاب فيها ما إن تتشكل “حكومة توافقية” تستدعي هذا التدخل العسكري. وها قد أعلن عن تشكيل الحكومة للمرة الثانية، وجاءت كما تصر الأمم المتحدة ممثلة للقوى الغربية يهيمن عليها الإخوان وممثلو جماعات إرهابية لفظهم الشعب الليبي في الانتخابات الأخيرة. ورغم كل محاولات القوى الإقليمية ودول الجوار المتضررة من الإرهاب في ليبيا لإثناء الغرب عن اصراره على فرض الإخوان على السلطة، إلا أن الأمم المتحدة بدت لديها مهمة محددة وهي تنفيذ ما اتفق عليه في مالطا قبل فترة طويلة. ولنا أنا نتخيل ما هو “الإرهاب” الذي ستستدعي فجر ليبيا والإخوان الغرب لمكافحته!! هل ستقصف الطائرات الفرنسية والبريطانية والألمانية الجماعة المقاتلة التي تسيطر على طرابلس إرهابا بقوة السلاح؟ أم بقية جماعات فجر ليبيا الإرهابية؟ أم سيقتصر القصف على فصيل، يسمونه داعش، ينازعهم مصالحهم الإرهابية في درنة أو سرت؟!
الأغلب الأعم أن الإجابة هي الأخيرة، ولن يكون اي تدخل عسكري غربي جديد في ليبيا سوى وقود لتناحر إرهابيين فيما بعضهم لنصرة فصيل على آخر ـ حتى لو صدعونا بأنهم يدعمون الاعتدال ضد التطرف. وسيدفع الليبيون ثمن نصرة التدخل الغربي لدعم “الإرهاب المعتدل” وسيتركون ليبيا في النهاية في وضع اسوأ وأكثر تهديدا لدول الجوار مما فعلوا حين قصف الناتو ليبيا لإسقاط القذافي. لكن في هذه الثناء، هناك فعلا من يكافح الإرهاب في ليبيا. إنه الجيش الوطني الليبي الذي يريد الإخوان والإرهابيون تفريغه لصالح ميليشياتهم، وقد بدأ حملة تطهير بنغازي من الجماعات الإرهابية ولعله يتبعها بسرت ودرنة وغيرها. هذا الجيش الليبي الذي يرفض الغرب رفع الحظر عن تسليحه ممالأة للإخوان وفجر ليبيا هو الذي يكافح الإرهاب حقا في ليبيا، وهو ما لا يريده الإخوان ولا داعميهم في الغرب كالأميركان والانجليز والفرنسيس والترك وغيرهم.
ليس بغريب ايضا ان يتزامن ما يجري في ليبيا مع ما يوصف بأنه “تقدم” على صعيد حل سياسي في سوريا، بعدما كانت الطبول تدق لتدخل بري (تركي بالأساس) في الصراع هناك بحجة مكافحة الإرهاب والهدف أمر آخر تماما ربما كان يعزز الإرهاب، ولو بالتفريغ السلبي. هذا التقدم هو ما اعلن عنه من اتفاق روسي/أميركي على وقف لإطلاق النار. ومرة اخرى، تبقى علامات استفهام كثيرة حول مكافحة الإرهاب التي يفترض حسب التصريحات الرسمية أنها الهدف النهائي لأي تسوية في سوريا. والمقصود من وقف اطلاق النار، كخطوة أولى لمفاوضات تسوية، هو تفرغ كل القوى المتصارعة في سوريا لمكافحة الإرهاب. أو علامات الاستفهام التي لم تجد اجابة بعد هي “الإرهاب في سوريا” نفسه، فالروس والأميركيون لا يتفقون على من هي الجماعات الإرهابية ومن هي الجماعات المعارضة ويبقى محل الخلاف جماعات لا يمكن وصفها إلا بأنها “إرهاب معتدل”.
على سبيل المثال يستثني وقف اطلاق النار داعش والنصرة، ما يعني أن وقف اطلاق النار هو بين الحكومة (وداعميها كروسيا وايران) والمعارضة المسلحة اي الجيش الحر وحلفائه (وداعميها كتركيا وأميركا غيرها). لكن ما موقف قوات حماية الشعب الكردي التي تعتبرها تركيا ارهابية وتدعمها أميركا وتتهم بأنها موالية للنظام؟ وما هو الموقف من جماعات كجند القوقاز وجماعة خراسان وغيرها من الجماعات التي يعتبرها البعض إرهابا ويغض البعض الطرف عنها باعتبارها معتدلة ويمكن ادراجها ضمن المعارضة المسلحة؟! تلك التساؤلات هي للأسف جزء من عملية التفاوض والتسوية المحتملة، لكن للسف أيضا لا علاقة لها بمكافحة الإرهاب. ولا نريد تكرار ما ذكرناه في هذه الزاوية مرار من أن كل الاطراف مستفيدة من الإرهاب في سوريا ولا يمكن تصور أنها تكافحه إلى حد القضاء عليه كما نسمع في التصريحات الرسمية.
خلاصة القول أن من يكافح الإرهاب فعلا هو من يرى الخطر الرئيسي عليه في الإرهاب وليس له فيه مآرب أخرى، ولا فاضل بين إرهاب وإرهاب ـ فكله شر وكله يجب القضاء عليه. وهذا معيار قد يستبعد كثيرين ممن يدعون مكافحة الإرهاب وهم يستغلونه لإنفاذ خططهم بتمكين جذر الإرهاب السياسي على اعتبار أنه اعتدال مقابل تطرف!

إلى الأعلى