الثلاثاء 19 ديسمبر 2017 م - ٣٠ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / غاية الإنسان في هذه الحياة

غاية الإنسان في هذه الحياة

لو سألنا أي إنسان عن غايته ومطلبه من هذه الحياة الدنيا لوجدناه أول ما يتمنى حياة كريمة أو بمعنى آخر:(قول أريد أن أحيا حياة كريمة) فهذا مطلب عظيم وغاية نبيلة وهي مطلب كل الناس وغاية جميعهم عنها يبحثون وخلفها يركضون وفي سبيلها يضحون ويبذلون، فما من إنسان في هذه الحياة إلا وتراه يسعى ويكدح, ويضني نفسه ويجهدها كل ذلك بحثاً عن الحياة الطيبة وطمعا في الحصول عليها, والناس جميعاً على ذلك متفقون ولكنهم يختلفون في مضى هذه الحياة, وفي نوع هذه الحياة الطيبة وتبعا لذلك فإنهم يختلفون في الوسائل والسبل التي توصلهم إلى هذه الحياة إن وصلوا إليها. وللناس في كل زمان أفهام حول غايتهم من هذه الحياة الطيبة وهم تبعا لذلك أصناف : فمنهم من يرى الحياة الطيبة في كثرة المال وسعة الرزق وأنه إذا توفرت له هذه الأمور فإنه في حياة طيبة وحياة كريمة فهو يسعى في ذلك ويجهد نفسه ويسلك كل الوسائل التي يرى أنها تمكنه من الحصول على مطلبه، بل بعض الناس يجعل من هذه الغاية مبررًا لكل وسيلة فيتخذ كل ما خطر بباله ويرى أنه يوصله لهذه الغاية ولو كان مما حرم الله تبارك وتعالى.
يسعى إلى المال ولو كان من قبيل الرشوة وحتى ولو ذكرناه بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(لعن الله الراشي والمرتشي والرائش وهو الساعي بينهما) أو كما قال .وقد تجد البعض من الناس يسعى للحصول على المال ولو كان بأكل أموال اليتامى ظلمًا،والعياذ بالله ويسعى للحصول على المال ولو كان في أكل أموال الناس بالباطل، ويسعى للحصول على المال ولو كان بالغش والأيمان الكاذبة والحيل المحرمة، كل ذلك بغية أن يحصل على مقصوده ليحصل على ما يراه من حياة طيبة، يضني نفسه ويجهدها، ويضني من تحت يده ويجهدهم بل ويظلمهم وبعضهم قد يصل إلى الذين حذر الله ورسوله منهم بقوله تعالى:(فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) (التوبة ـ 55) يسعى ويرى أن غيره لا يعرف ممن لم يكن على شاكلته. يرى أنهم لم يعرفوا معنى الحياة الصحيحة بعد ولم يذوقوا لها طعماً، وقليل من الناس من يكسب المال من حله ويحرص على أن يضعه في حله ويجعله معونة على طاعة ربه حتى لا يفتنهم في دينهم، أما الكثير فإنك تراهم لا راحة لهم في أبدانهم ولا طمأنينة لهم في أنفسهم إذا انخفضت الأسعار تمزقت قلوبهم جزعاً, وإن ارتفعت الأسعار تقطعت قلوبهم طمعاً, فهم على نارين لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار يعيشون مفتونين في حياتهم , يصيبهم الضنك في هذا المال وتصيبهم الشدة وبين أيديهم الأموال يسارعون في أعمال الدنيا ولكنك تراهم يقدمون أكل أموال الناس على طاعة الله تبارك وتعالى هؤلاء لهم موقف بين يدي الله عز وجل ,ويكفي أن يكون السؤال بين يدي علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية يعلم السر وأخفى وهذا تفكيرهم ومعنى الحياة الطيبة عندهم، ثم صنف آخر يرون أن غايتهم في هذه الحياة: هي في الحصول على المناصب والجاه فيسعون إلى ذلك ويسلكون كل السبل التي توصلهم إلى هذا المقصود وإلى هذه الغاية يبذلون كل غالٍ ورخيص في أن يحصلوا على مقصودهم. يبذلون ويقصدون إلى هذه المناصب فلا يعانون عليها ويتعلقون بها فيوكلون إليها , يحبون من مالأهم ومن ناصرهم ومن ملقهم ونافق, ويبغضون ويكرهون من نصح لهم وأخلص. هذا حال كثير منهم ويرون مع ذلك أن هذه هي الحياة هي الحياة الطيبة ولو تنازلوا عن شيء من دينهم ولو أشغلهم ذلك عن طاعة ربهم ولو أطاعوا المخلوق في معصية الخالق،.ثم صنف ثالث من الناس يرى أن الحياة الطيبة والحياة الكريمة في حصول النفس على شهواتها وتمتعها بلذائذها وشهواتها , وحصولها على ذلك من أي سبيل، حتى ولو كان في معصية الله تبارك وتعالى فتراهم يرتعون يسرحون ويمرحون كالبهائم. بل هم أضل، يحرصون على التمتع باللذائذ ويعجبون أن يُقال لهم: اتقوا الله, ويعجبون لمن يرى الحياة الطيبة في غير ما هم يسلكون وفي غير ما هم وراءه يسعون, يتبعون اللذائذ وينتقلون إليها ويشدون الرحال من بلد إلى بلد, ليعصوا الله وليترفوا أنفسهم بمعصية الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وتغرهم هذه النعمة صحة في البدن , وأمن في الوطن ورخاء في العيش فبدل أن يكون ذلك شكر يكون ذلك كفر نعوذ بالله من ذلك: الغفلة تستولي على قلوبهم. لكننا نقول لكل من طلب الحياة الكريمة أن يطلبها في طاعة الله تعالى, والرضا بما قسم الله والانشغال بالعمل الذي به تصل إلى مرضاة الله تعالى وعليك باليقين التام أن كل شيء بقدر, فلا مانع من المال الحلال الذي به أدخل الجنة, ولا مانع من صحة سليمة استغلها في الصلاة والصيام وأداء عملي في وظيفتي على أتم وجه كي أكون في مصلحة أخي المسلم، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته).
نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بعيوبنا وأن يسدد خطاناوأن يرزقنا القناعة .. اللهم آمين.

إبراهيم السيد العربي
إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى