الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم آدم ـ عليه السلام (3)

من قصص القرآن الكريم آدم ـ عليه السلام (3)

إعداد ـ أم يوسف:
الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد (صلى الله عليه وسلم) وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد فاليوم نعيش مع آيات بينات من سورة البقرة تناولت قصة آدم ـ عليه السلام ـ وذلك من خلال التفسير الجامع لأحكام القران للقرطبى والله الموفق والهادي الى طريق الرشاد.
قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ـ سورة البقرة.
قوله تعالى:(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (أعلم) فيه تأويلان، قيل: إنه فعل مستقبل. وقيل: إنه اسم بمعنى فاعل، كما يقال: الله أكبر، بمعنى كبير، وكما قال:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل
على أينا تعدو المنية أول
فعلى أنه فعل تكون (ما) في موضع نصب بأعلم، ويجوز إدغام الميم في الميم. وإن جعلته اسما بمعنى عالم تكون (ما) في موضع خفض بالإضافة، قال ابن عطية: ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة، وإنما الخلاف في (أفعل) إذا سمي به وكان نكرة ، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه. قال المهدوي: يجوز أن تقدر التنوين في (أعلم) إذا قدرته بمعنى عالم، وتنصب (ما) به، فيكون مثل حواج بيت الله. قال الجوهري: ونسوة حواج بيت الله ، بالإضافة إذا كن قد حججن، وإن لم يكن حججن قلت: حواج بيت الله، فتنصب البيت، لأنك تريد التنوين في حواج.
قوله تعالى:(مَا لا تَعْلَمُونَ) اختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى:(مَا لا تَعْلَمُونَ)، فقال ابن عباس: كان إبليس ـ لعنه الله ـ قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه ، فاعتقد أن ذلك لمزية له، فاستخف الكفر والمعصية في جانب آدم ـ عليه السلام، وقالت الملائكة:(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (البقرة ـ 30)، وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك، فقال الله تعالى لهم:(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة ـ 30)، وقال قتادة: لما قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا) (البقرة ـ 30)، وقد علم الله أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ).
قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن ، فهو عام.
ـ قوله تعالى:(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (علّم): عرّف، وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة. ويحتمل أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل ـ عليه السلام، على ما يأتي. وقرئ:(وعُلِّم) غير مسمى الفاعل. والأول أظهر، على ما يأتي. قال علماء الصوفية: علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسي ما عهد إليه، لأن وكله فيه إلى نفسه فقال:(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (طه ـ 115)، وقال ابن عطاء: لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها. وهذا واضح.
وآدم ـ عليه السلام ـ يكنى أبا البشر. وقيل: أبا محمد، كني بمحمد خاتم الأنبياء ـ صلوات الله عليهم، قاله السهيلي. وقيل: كنيته في الجنة أبو محمد، وفي الأرض أبو البشر. وأصله بهمزتين، لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت: أوادم في الجمع، لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن الأخفش.
واختلف في اشتقاقه، فقيل: هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها، فسمي بما خلق منه، قال ابن عباس. وقيل: إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة. واختلفوا في الأدمة، فزعم الضحاك أنها السمرة، وزعم النضر أنها البياض، وأن آدم ـ عليه السلام ـ كان أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أدماء، إذا كانت بيضاء. وعلى هذا الاشتقاق جمعه أدم وأوادم ، كحمر وأحامر ، ولا ينصرف بوجه. وعلى أنه مشتق من الأدمة جمعه آدمون، ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه.
قلت: الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض. قال سعيد بن جبير: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي، ذكره ابن سعد في الطبقات.
وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. أديم: جمع أدم، قال الشاعر:
الناس أخياف وشتى في الشيم
وكلهم يجمعهم وجه الأدم
فآدم مشتق من الأديم والأدم لا من الأدمة، والله أعلم. ويحتمل أن يكون منهما جميعا. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في “الأنعام” وغيرها إن شاء الله تعالى.
و(آدم) لا ينصرف. قال أبو جعفر النحاس:(آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين، لأنه على أفعل وهو معرفة، ولا يمتنع شي من الصرف عند البصريين إلا لعلتين. فإن نكرته ولم يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه، وصرفه الأخفش سعيد، لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل ، فإذا لم يكن نعتا صرفه. قال أبو إسحاق الزجاج: القول قول سيبويه، ولا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه) .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى