الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن تكـريـم الله للإنسان (69)

شـذرات مـن هـدي القـرآن تكـريـم الله للإنسان (69)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله رب العـالمـين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث مـوصولاً حـول درء المفـسـدة مـقـدم عـلى جـلب المصلحـة، فـدرء المفـسـدة في سـنة رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، ولـذلك لما سـئلـت السـيـدة عائشـة أم المـؤمنـين عـن خـلـق رسـول الله، قالـت: كان خـلقـه القـرآن، لأن القـرآن يشـتـمـل عـلى جـميع مـكارم الأخـلاق ، ولأن الله يـقـول في خـلـقـه (صلى الله عـليه وسـلم):(وإنـك لـعـلى خـلـق عـظـيم) (الـقـلـم ـ 4).
وبـذلك دل مجـمـوع الآيـة وحـديـث السـيـدة عائشـة عـلى أن المتصـف بما في القـرآن مـن مـكارم الأخـلاق ، أنه يـكـون عـلى خـلـق عـظـيـم ، وذلك لـعـظـم ما في القـرآن مـن مـكارم الأخـلاق وهي مـواقـف جـليـلة القـدر عـظـيمة المنـفـعـة .
فـمن ذلك قـوله تعـالى:(وإن طـلقـتـمـوهـن مـن قـبـل أن تمـسـوهـن، وقـد فـرضـتـم لهـن فـريضـة فـنصـف ما فـرضـتـم إلا أن يعـفـون أو يعـفـوا الـذي بـيـده عـقـدة الـنـكاح، وأن تعـفـوا أقـرب للـتـقـوى ولا تـنسـوا الفـضـل بـينـكـم إن الله بما تعـمـلـون بصـيرا) (البـقـرة ـ 237)، فانظـر إلى ما في هـذه الآيـة الكـريمة مـن الحـض عـلى مـكارم الأخـلاق مـن الأمـر بالعـفـو والنهي عـن نسـيان الفـضـل بـين الناس. وقـد أمـرنا الله سـبحانه وتعـالى بالإحـسان إلى ذوي القـربى والـيتامى والمساكـين وابن السـبيـل، والسـائلـين والمـكاتبـين والفـقـراء والضـعـفاء، فـقال تعـالى:(وآتى المال عـلى حـبه ذوي القـربى واليـتامى والمساكـين وابن السبيـل والسـائلـين وفي الـرقـاب) (البـقـرة ـ 177)، قال الله تعالى:(واعـبـدوا الله ولا تشـركـوا به شـيئاً وبالـوالـدين إحـساناً وبـذي القـربى واليــتامى والمساكـين والجـار ذي القـربى، والجـار الجـنب والصـاحـب بالجـنـب، وابن السـبيـل ومـا ملـكـت أيمانـكـم، إن الله لا يحـب مـن كان مخـتـالاً فـخــوراً) (النساء ـ 36).
إنهـا التـعـالـيم الإلهـية، الـدالة عـلى العـدالة الاجـتمـاعـية، والـروابـط الإيمانية بـيـن المؤمـنـين، عـلى المحـبة والألفـة والمودة والـرحـمة، وعـلى التـعـاون الأخـوي قال الله تعـالى:(إنـما المـؤمـنـون إخـوة فاصلحـوا بـيـن أخـويـكـم، واتقـوا الله لعـلـكـم تـرحـمون) (الحـجـرات ـ 10).
ومـن هـدي القـرآن للـتي هـي أقـوم وأعـدل الطـرق: جـلـب المـصالح، فالقـرآن يحـث عـلى مـكارم الأخـلاق ومـن ذلك الأمـر بالإحـسان إلى المحـتاجـين والـضـعــفـاء والفـقـراء والمساكين، قـال الله تعـالى:(إن الله يأمـر بالعــدل والإحـسان وإيـتـاء ذي الـقـربى وينهـى عـن الفحـشاء والمنـكـر والبغي يعـظـكـم لعـلـكـم تـذكـرون) (النحـل ـ 90)، إلى غـير ذلك مـن الآيات الـدالـة عـلى ما يـدعـو إلـيه القـرآن الـكـريـم مـن مـكارم الأخـلاق ومحاسـن الصـفـات وأخـذ العـفـو، والأمـر بالعـرف والإعـراض عـن الجاهـلـين.
ومما حـض عـليه القـرآن الكـريـم مـن مـكارم الأخـلاق قـوله تعالى:(لا جـناح عـلـيـكـم إن طـلـقـتم النـساء ما لم تمـسـّوهـن أو تـفـرضـوا لـهـنَّ فـريضة، ومتـّعـوهـن عـلى المـوسـع قــدره وعـلى المقـتـر قـدره، مـتاعـاً بالمعـروف حـقـاً عـلى المحسـنين، فإن طـلقـتمـوهـن مـن قـبـل أن تمسـوهـن وقـد فـرضـتم لهـن فـريضة فـنـصف ما فـرضـتـم إلا أن يعــفـون أو يـعـفـوا الـذي بـيـده عـقــدة النـكاح، وأن تعـفـوا أقـرب للـتـقـوى، ولا تـنـسـوا الـفــضـل بـينـكـم إن الله بمـا تعـمـلـون بصـير) (البـقـرة 236 ـ 237).
فانـظـر إلى ما في هـذه الآيات مـن الحـث عـلى مـكارم الأخـلاق ، ومـن الأمـر بالمعــروف والنهـي عـن المنـكـر، ويـذكـرهـم الله فـيهـا بـرابطـة الفـضل بـين الناس ، قال تعـالى:(يا أيها الـذين آمـنـوا لا تحـلّوا شـعـائـر الله، ولا الشهـر الحـرام ولا الهــدي ولا القـلائـد ولا آمـيّن الـبيـت الحـرام يـبـتغـون فـضـلاً مـن ربـهـم ورضـواناً، وإذا حـلـلـتـم فاصـطـادوا، لا يجـرمـنّـكـم شـنآنُ قـومٍ أن صـدوكـم عـن الـمسـجـد الحـرام أن تعـتـدوا وتعـاونـوا عـلى البـر والتـقـوى ولا تعـاونـوا عـلى الإثـم والعــدوان واتـقـوا الله إن الله شــديـد العــقـاب) (المائـدة ـ 20).
وقـال تعـالى:(يا أيها الـذيـن آمـنـوا كـونـوا قـواميـن لله شـهـداء بالقـسـط ولا يجـرمـنّـكـم شـنآنُ قــومٍ عـلى ألا تعــدلـوا، اعـدلـوا هـو أقـرب للـتـقـوى، واتـقـوا الله إن الله خـبـير بما تعـمـلـون) (المائـدة ـ 8).
انـظـر إلى ما في هـذه الآيـات الكـريمة التي تــدعـو إلى مكارم الأخـلاق ومحاسـن الـصفات، والأمـر المعـروف والنهـي عـن المنـكـر، وبمـعـاملة مـن عـصى الله فـينا أن نطـيـع الله فـيه، وقـد حـث القـرآن الكـريـم، عـلى ذلك في كـثير مـن الآيات البيـنات.
ومـما أرشـد إلـيه القـرآن الكـريـم، وينـدرج ضـمـن ما اشـتـمـل عـليه قـوله تعالى:(إن هـذا القـرآن يهـدي للـي هـي أقـوم ويبـشر الـمـؤمـنـين الـذين يعـمـلـون الصالحات أن لهـم أجـراً كـبيراً) (الإسـراء ـ 9)، حـل المشـكلات العـالمـية، فإذا كانت الأمـراض واحـدة فـلا بـد أن تـكـون طــرق العــلاج واحـدة، وقـد وضـع الإسـلام الحـلـول اللازمـة لحـل كـل المشـكلات العـالمـية.
وذلك يعـتبر مـن هـدي الـقـرآن للتي هـي أقــوم: هـديه لحـل المـشاكـل العـالمـيـة بأ قـوم الطـرق وأعــدلهـا، وحـل المشـكـلات مما يـعـانيـه العـالم الـيـوم في عـصرنا الحالي وفي جـميـع أنحـاء الأرض المـترامـيـة الأطـراف ممـن ينتمي إلى الإسـلام، وإن كان بعـد المـسـلمين عـن تعـاليـم دينـهـم الحـنـيـف، وما فـيه مـن القـيـم.
يـعـود ذلك إلى ضـعـف المسلـمـين في أقـطار الـدنيا، في العـدد والعـدة عـن مقـاومـة الكـفار، وقـد هـدى القـرآن العـظـيـم إلى حـل هـــذه المشـكلة بأ قــوم الطـرق وأعـدلها، فـبين أن عـلاج الضـعـف عـن مـقـاومـة الكـفار، إنما هـو بصـدق التـوجـه إلى الله تعـالى، وقـوة الإيـمان به والـتـوكل عـليه، لأن الله قـوي عـزيـز، قاهـر لـكل شيء، فـمـن كان مـن حـزبه عـلى الحـقـيـقـة لا يـمـكـن أن يغـلـبهـم الكـفار ولـو بـلـغــوا مـن القـوة ما بـلغــوا، قال تعالى:(يا أيها الـذيـن آمـنـوا إن تنـصـروا الله ينـصـركـم ويـثـبـت أقـدامـكـم) (محمد ـ 7)، وقال:(إنا لنـنـصر رسـلـنا والـذين آمـنـوا في الحـياة الـدنيا ويـوم يـقـوم الأشـهاد) (غافـر ـ 51).
فـمـن الأدلـة المبيـنـة لـذلك: أن الـكـفـار لما ضـربـوا عـلى المسلمين ذلـك الحـصار العـسكـري العـظـيـم في غـزوة الأحـزاب المـذكـور في قــول تبارك وتعـالى :(إذ جـاؤوكـم من فـوقـكـم ومن أسـفـل مـنـكـم وإذا زاغـت الأبـصار وبـلغـت القـلـوب الحـناجـر وتـظـنـون بالله الـظـنـونا، هـنالـك ابتـلي المؤمـنـون وزلـزلـوا زلـزالاً شــديـداً) (الأحـزاب 10 ـ 11).
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى