الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إنجاز صيني تاريخي يسمَّى “البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية”!

إنجاز صيني تاريخي يسمَّى “البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية”!

جواد البشيتي

”الصين، وفي سياق مساعيها الرامية لكسب مزيد من النفوذ الاقتصادي، تمكنت من جذب 57 دولة لتأسيس بنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية، وتمويل المشاريع الإنمائية (تقديم الدعم المالي لبناء الطرق والسكك الحديدية والمطارات، ولأجهزة الاتصالات والمساكن ذات التكلفة المنخفضة، ولمشاريع أخرى في البنية التحتية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ).”

في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2014، وفي حفل رسمي أقيم في بكين، أُبْرمت اتفاقية لتأسيس”البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية” Asian Infrastructure Investment Bank (AIIB). وقَّعت الاتفاقية 21 دولة، هي: الصين، الكويت، سلطنة عمان، قطر، الهند، تايلاند، ماليزيا، سنغافورة، الفلبين، باكستان، بنجلاديش، بروناي دار السلام، كمبوديا، كازاخستان، لاوس، ميانمار، منغوليا، نيبال، سريلانكا، أوزبكستان، وفيتنام. وقدَّمت الصين 50 مليار دولار من أصل 100 مليار دولار قيمة رأس المال المصرح به للبنك.
إنشاء هذا البنك جاء ردة فعل صينية على رفض الولايات المتحدة إجراء إصلاحات في مؤسسات “بريتونوودز”، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وبنك التطوير الآسيوي؛ فالصين طالبت، من قبل، بإجراء إصلاحات في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تعكس القوة العالمية للاقتصاد الصيني؛ لكن الكونجرس أصرَّ على عدم منح قدرة تأثير، في هاتين المؤسستين الماليتين الدوليتين الخاضعتين لهيمنة الولايات المتحدة، لدولةٍ يعتبرها (اقتصاديًّا على الأقل) مصدر تهديد للهيمنة الأميركية على العالم. وفي ما يخص بنك التطوير الآسيوي، تتمتع اليابان بحقوق تصويت أكثر من الصين، على الرغم من كون الأخيرة تمثِّل أكبر اقتصاد في آسيا؛ فالصين تملك أكبر احتياط للعملات الأجنبية في العالم، ويمكنها، من ثمَّ، بناء مؤسسات بديلة (من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي).
إقامة “البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية”، برأسمال قدره 100 مليار دولار، يشير بوضوح إلى أنَّ ميزان القوى في آسيا بات يرجح لمصلحة الصين؛ فإنها أوَّل مرَّة تُمْنى فيها الولايات المتحدة بالفشل في سعيها لإحباط إنشاء مؤسسة اقتصادية آسيوية منافسة؛ فبعد الأزمة الاقتصادية الآسيوية سنة 1997، على سبيل المثال، منعت الولايات المتحدة إقامة صندوق نقد آسيوي. وها هي إرادة الصين تنتصر بعد نحو عقدين من الزمان.
الولايات المتحدة، وعلى الرغم من الضغوط الشديدة التي مارستها، لم تنجح بإقناع حلفائها بعدم المشاركة في البنك الآسيوي الجديد؛ ففي مارس/آذار 2015، أعلنت كل من بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا انضمامها إلى “البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية”. وألمانيا هي أكبر اقتصاد في أوروبا، وشريك تجاري رئيسي للصين.
وفي آسيا، أعلن حلفاء كبار للولايات المتحدة مثل كوريا الجنوبية، نيوزيلندا، سنغافورة، وتايلاند، انضمامهم إلى البنك (الصيني) على الرغم من ضغوط واشنطن.
عربيًّا، انضمت 7 دول عربية، بصفة كونها أعضاء مؤسِّسين، إلى هذا البنك؛ وهي: مصر، الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، قطر، الأردن، عمان، والكويت. وأضافت إسرائيل اسمها إلى لائحة “المتمردين”، مُرْسِلَةً طلب عضوية في البنك.
الصين، وفي سياق مساعيها الرامية لكسب مزيد من النفوذ الاقتصادي، تمكنت من جذب 57 دولة لتأسيس بنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية، وتمويل المشاريع الإنمائية (تقديم الدعم المالي لبناء الطرق والسكك الحديدية والمطارات، ولأجهزة الاتصالات والمساكن ذات التكلفة المنخفضة، ولمشاريع أخرى في البنية التحتية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ).
مسارعة القوى الاقتصادية الكبرى للانضمام إلى هذا المشروع أثارت تساؤلات عن مدى فعالية صندوق النقد الدولي، وعن قدرة الصين (ثاني أكبر اقتصاد في العالم) على تغيير المعادلة الاستراتيجية للاقتصاد العالمي.
وتكمن أهمية هذا البنك، الذي سيتَّخِذ من بكين مقرًّا له، في كونه سيتولى تمويل المشاريع الكبرى في المنطقة الآسيوية في إطار التنمية المستدامة، وسيملأ، من ثمَّ، فجوة الاستثمار الهائلة في قطاع البنية التحتية.
إنَّ انضمام قوى اقتصادية غربية كبرى إلى هذا البنك، الذي أُقيم بمبادرة صينية، يعكس مدى الاهتمام الاستثماري لهذه القوى بالمنطقة الآسيوية, ورغبتها في أنْ تحصل على حصة من الاستثمارات هناك لدعم اقتصاداتها.
الحجم الهائل للمساهمة المالية الصينية في هذا المشروع قد يتسبَّب في تنامي الطلب العالمي على اليوان الصيني، ورَفْع قيمته من ثمَّ.
روسيا، التي أصبحت، اعتبارًا من 14 نيسان/إبريل 2015، عضوًا مؤسِّسًا، قالت بلسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية لوكاشيفيتش إنها تتوقَّع أنْ يكون البنك أداة فعالة في توثيق الروابط عبر القارات، وأن يساهم في إنجاز “التكامل الأوراسي”. وسيتيح انضمام روسيا إلى هذه المؤسسة المالية الدولية للشركات الروسية المشارَكة بفعالية في إنشاء مشاريع البنى التحتية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
البنك باتيضم 57 دولة؛ منها4 من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، و14 من دول الاتحاد الاوروبي الـ28، و21 من أعضاء منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وإنها لفائدة كبرى تجنيها الشركات الأميركية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ فالمشاريع التي تنفِّذها البلدان المقترضة منهما غالبًا ما ترسي على الشركات الأميركية، بفضل المكانة المتميزة للولايات المتحدة في هاتين المؤسَّستين الماليتين؛ وعليه، تعكس مقاومة الولايات المتحدة لبنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية، وانضمام أقرب حلفائها إليه، خشية واشنطن من أن ترسي مشاريع البنية التحتية في القارة الآسيوية، والتي تقدر بنحو 8 تريليونات دولار، على الشركات الصينية بدلًا من شركاتها.
الدول التي صرحت بانضمامها إلى بنك الاستثمار إنما فعلت ذلك ليس حبًا بالصين، أو كرهًا للولايات المتحدة؛ بل من أجل تقاسم الغنيمة مع التنين الأصفر، أو الحصول على حصة لشركاتها من كعكة الثمانية تريليونات دولار التي تتطلبها البنية التحتية الآسيوية.

إلى الأعلى