الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوروبا.. الاختلاطات السياسية والأمنية والاقتصادية

أوروبا.. الاختلاطات السياسية والأمنية والاقتصادية

عادل سعد

”إن أوروبا الآن تعاني من إشكالية بثلاثة رؤوس، الرأس الأول سياسي دبلوماسي بامتياز، وإلا لما أطيح بوزير الخارجية الفرنسي فابيوس الذي كان عرابًا كبيرًا للسياسات الأوروبية في الشرق الأوسط، ولما اتجه الرئيس الفرنسي هولاند في جولة إلى أميركا الجنوبية بدأها أولًا إلى بيرو، ولما تشعر به أوروبا من إحراج في التعامل مع الموقف التركي.”

ما الذي بقي من الومضة الرومانسية الواقعية التي قالها الكاتب الجزائري الراحل مالك حداد عن العاصمة الفرنسية (حين تهدر القطارات في باريس تقول شعرا)، لقد قال حداد ذلك عندما كانت هذه المدينة ملتقى الهجرات من مختلف شعوب الأرض خلال عقد الستينيات من القرن الماضي، فماذا تهدر القطارات الآن في باريس المدججة بالعسكريين والخوف والترقب، واحتمالات أن تكون هناك عبوة ناسفة أو مسلح يتسلى بإطلاق الرصاص مباغتًا المارة.
كيف يمضي الفرنسيون أمسياتهم أمام برج إيفل، أو بالشانزليزيه عمومًا أو بالقرب من أحياء الترفيه والأنس الليلي، ربما لا تستطيع أن تجد الآن شاعرًا يتغنى بهذه المدينة التي كانت مواظبة على ثقافة الحوار، بل قد تجد حزمة من الاحتمالات أن تطول حالة الطوارئ، وأن تتفاجأ شأنها شأن عواصم أوروبية أخرى بحالة من الخوف الذي تستطيع أن تلاحظه في ملامح الأوروبيين واللاجئين على حد سواء أيضا، وسط انقطاع مسيس للثقة بين الطرفين.
إن أوروبا الآن، وفي المقدمة من ذلك فرنسا، أمام اختبار واضح في البحث عما يبرئ ساحتها من الأخطاء التي وقعت فيها جراء مواقفها من الأزمات في الشرق الأوسط، وبالأخص إزاء الأزمة السورية، حيث فتح الفرنسيون حدودهم ومطاراتهم لأصوليين فرنسيين من أصول عربية وأفغانية وإفريقية على أمل أن يشاركوا معها من خلال تواجدهم على الأراضي السورية (لتأسيس) سوريا مقطعة جديدة تلبي أحلامهم في استباحة أوصالها، وجعلها دولة فاشلة، على غرار النسخة التي تسببت بها طائرات (ساركوزي) في ليبيا بأغطية إقليمية.
إن أوروبا الآن تعاني من إشكالية بثلاثة رؤوس، الرأس الأول سياسي دبلوماسي بامتياز وإلا لما أطيح بوزير الخارجية الفرنسي فابيوس الذي كان عرابًا كبيرًا للسياسات الأوروبية في الشرق الأوسط، ولما اتجه الرئيس الفرنسي هولاند في جولة إلى أميركا الجنوبية بدأها أولًا إلى بيرو، ولما تشعر به أوروبا من إحراج في التعامل مع الموقف التركي، ومسارعة الحلف الأطلسي إلى التنصل من أية مشاركة محتملة له إذا قرر الرئيس التركي إردوغان الدخول إلى الأراضي السورية تحت ذريعة إقامة منطقة عازلة.
الرأس الثاني من الإشكالية الأوروبية يكمن بانحسار الثقل الاقتصادي الأوروبي عالميًّا على الرغم من أنها بدأت تتلقى شحنات نفط واطئة السعر، إلا أنها من جانب آخر لم تجد لبضاعتها ما ينشط لها الأسواق بسبب الركود الاقتصادي وتراجع الاستهلاك في أغلب الدول التي يتعامل معها الأوروبيون، وكذلك بسبب التوغل التجاري الصيني والمضاربة بأسعار البضائع إلى حد أن السلعة الصينية المماثلة لا يتعدى سعرها 5% من سعر السلعة الأوروبية.
الرأس الثالث للإشكالية الأوروبية الحالية، التباين في المواقف إزاء هامش التضامن بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن الموقف من موجات المهاجرين، ولكي يتبين حجم هذه الإشكالية نشير إلى الموقفين الألماني والنمساوي حيث كانا أكثر (إنسانية) في التعامل مع المهاجرين، لكن بون وفيينا عادتا لتنتظما مع عواصم أوروبية أخرى في غلق أبوابها أمام اللاجئين الذين بلغ عددهم منذ بداية كانون الثاني/ يناير الماضي أكثر من 152 ألف لاجئ حسب إحصاءات أوروبية مشكوكًا بصحتها.
إن اختلاط هذه الإشكاليات ذات الرؤوس الثلاثة تتماهى مع هاجس آخر يحكم الاتحاد الأوروبي، ويتمثل بالخطوة التي اتخذها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لإجراء استفتاء خلال يونيو/حزيران المقبل على البقاء ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه بسفينة الرأي العام البريطاني، مع أن (200) رئيس شركة ورجل أعمال بريطاني حذروا من التبعات السيئة للانفصال إذا حصل، وفي كل ذلك ما زالت العواصم الأوروبية تنظر إلى ما يمكن أن يتطور التنسيق بين واشنطن وموسكو إزاء أكثر من قضية واحدة، ولذلك ترى هامشًا من التلكؤ الأوروبي في تصعيد الموقف ضد الروس خشية أن يتناقض ذلك مع الموقف الأميركي.
على أي حال، يمكن القول إن أوروبا تبحث عن فرصتها في أفق دولي ملبد بالغيوم السياسية والأمنية والاقتصادية!

إلى الأعلى