السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التحولات الديمغرافية القسرية

التحولات الديمغرافية القسرية

علي بدوان

”لقد دأبت سلطات الاحتلال خلال السنوات التالية من عمر الاحتلال الكامل لمدينة القدس عام 1967، على صناعة التحولات الديمغرافية القسرية على الأرض، عبر إحداث التغيير الديمغرافي للانتقال بالمدينة الموحدة بجزأيها الشرقي والغربي، إلى مدينة يهودية صافية تقريبًا، بحيث يصبح الوجود العربي الإسلامي والمسيحي فيها محدودًا، ودون أي تأثير مهم على صعيد الطابع العام للمدينة، وعلى صعيد بنيتها الديمغرافية”

من قلب مدينة القدس، ومن باحات المسجد الأقصى، انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية صيف العام 2000، ومن قلب القدس جاءت الهبات الشعبية المتتالية والمتواصلة منذ عدة شهور في فلسطين وعموم الأرض المحتلة عام 1967.
جاءت الانتفاضة الكبرى الثانية، وتلك الهبات اليومية التالية لتثبت من جديد، أن الكفاح الوطني الفلسطيني، والدفاع عن المدينة المقدسة يتواصل اليوم من جيلٍ إلى جيلٍ، حيث يَحمل الراية الآن جيل الشباب والشابات والفتية والفتيات، الذين تَفَتَح وعيهم على مأساة شعبهم، وعلى تداعيات ونتائج عملية تسووية مأزومة أراد منها الاحتلال غطاءً لاستمرار عملية تهويد القدس وعموم الأرض المحتلة.
في القدس كانت البداية، وفي القدس ما زال الكفاح يتواصل مع وجود أبناء المدينة وأصحابها الأصليين الذين ما زالوا صامدين في عرائنهم يتحدون بطش الاحتلال ومحاولاته لإفراغ المدينة منهم، وبناء الجدار الديمغرافي التهويدي.
إن الخطوات والسياسات “الإسرائيلية” الصهيونية بصدد مدينة القدس، تجري بدأبٍ كبير من أجل تخفيض أعداد السكان العرب من أبناء المدينة، بقسميها الشرقي والغربي، وبناء ما تُسميه مصادر الاحتلال بــ”الجدار الديمغرافي اليهودي” الذي يَضمَن تطويق مدينة القدس الكبرى بكتل المُستعمرات والمدن اليهودية، وضمان وجود غالبية يهودية ضمن الحدود الإدارية للمدينة. فضلًا عن زرع رموز التهويد بتطويق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، خاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وبالقرب من أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك وعلى جوانبه المختلفة. وليس مصادفة أن يُركّز رئيس الحكومة “الإسرائيلية” الجديد القديم، نتنياهو، بإعلان أنه “ينبغي أن نبني المزيد في القدس لتبقى العاصمة الأبدية لإسرائيل”. وعنت هذه العبارة أن وعوده لأحزاب اليمين ولمجموعات المستوطنين بتعزيز البناء الاستيطاني في القدس سوف يتعاظم. مع تمكين اليهود من التسلل إلى المسجد الأقصى والمطالبة بفرض نظام تقاسمي عليه كذلك القائم في الحرم الإبراهيمي في الخليل.
لقد دأبت سلطات الاحتلال خلال السنوات التالية من عمر الاحتلال الكامل لمدينة القدس عام 1967، على صناعة التحولات الديمغرافية القسرية على الأرض، عبر إحداث التغيير الديمغرافي للانتقال بالمدينة الموحدة بجزأيها الشرقي والغربي، إلى مدينة يهودية صافية تقريبًا، بحيث يصبح الوجود العربي الإسلامي والمسيحي فيها محدودًا، ودون أي تأثير مهم على صعيد الطابع العام للمدينة، وعلى صعيد بنيتها الديمغرافية.
وفور الاحتلال الكامل للمدينة، عَمِلَت السلطات المُحتلة على توسيع حدودها الإدارية إلى نطاق ما بات يعرف بـ”متروبلين” القدس الكبرى، التي أمَسَت مساحتها تساوي ربع مساحة الضفة الغربية تقريبًا، والبالغة نحو 5888 كيلومترًا مربعًا، ولتصبح مدينة القدس من أكبر مدن العالم على الإطلاق من حيث المساحة الإدارية. وفي هذا يَكمُنُ المعنى العميق للسلوك “الإسرائيلي الصهيوني” تجاه المدينة ومُستقبلها، ومُستقبل ما يسمى بعملية التسوية التي دخلت إلى ثلاجة منذ سنوات طويلة، وقد اصطدمت بجدار سميك من التعنت الصهيوني، ومن الدعم والانحياز الأميركي الأعمى.
وفي هذا المسار، فقد أدّت تلك العمليات التهويدية الإجلائية الاستعمارية، لابتلاع المزيد من أراضي المدينة وما حولها من أبنائها المقدسيين الذين لم يَبَق في أيديهم سوى أقل من (10%) تقريبًا من مساحة القدس الشرقية فقط. فقد عَمِلَت سلطات الاحتلال على إحداث أوسع عملية تهويد للمدينة، فبنت فيها (11) حيًّا استيطانيًّا، كل منها يُعتبر مدينة صغيرة. وسيطرت على (40%) من العقارات في البلدة القديمة، وعلى مبانٍ عديدة في الأحياء العربية ووطنت المستوطنين فيها، وبنت جدارًا يقطع صلاتها عن الضفة الغربية وبأحياء وقرى محيطة، وأهملت الأحياء العربية تمامًا.
وطوال السنوات التي تلت الاحتلال الكامل للمدينة، هدمت سلطات الاحتلال ما لا يقل عن 24 ألف وحدة سكنية للعرب، وأقامت أكثر من 60 ألف وحدة سكنية لليهود في القدس الشرقية. وانتهجت سياسة القضم المنهجي والتدريجي الواسع حيث بدأ أولًا بتوسيع حدود المدينة لتطول أوسع أرض ممكنة في الضفة الغربية ثم بتقييد السكن العربي فيها.
وكان الهدف من كل هذه الإجراءات، مسح ومحو عروبة المدينة وإسلاميتها وعمقها المسيحي التاريخي، إضافة لتيئيس سكانها ومواطنيها الفلسطينيين وتطفيشهم، وتقليص نسبتهم إلى 25% من سكان الشقين الشرقي والغربي معًا. لكن سلطات الاحتلال فشلت في مخطط التهويد الذي رسمته، حيث ما زال الفلسطينيون من أبناء المدينة يواصلون بقاءهم واستمرار حياتهم على أرض مدينتهم ووطنهم التاريخي بالرغم من كل المضايقات اليومية.
لقد نَهَشَ غول الاستيطان المدينة على محيطها وفي داخلها، وتحديدًا في الأحياء القديمة التي بَدَت منذ سنوات خلت هدفًا رئيسًا لعمليات القضم والتهويد، حيث تتم عملية وضع اليد على المنازل في تلك الأحياء ومصادرتها بالقوة أو بالمصادرة مع التعويض المحدود، تحت عنوان إنشاء حدائق أو محميات طبيعية أو غير ذلك من العناوين، ومنها منزل مفتي فلسطين وبلاد الشام المرحوم الحاج محمد أمين الحسيني، وما يحمله من دلالات ومعاني رمزية، والذي صودر وتم تحويله إلى فندق صهيوني (فندق شيبرد).
وعند الحديث عن الوجود البشري والسكاني، قادت المخططات “الإسرائيلية” إلى تكثيف السكن اليهودي في القدس بحيث صارت أكثر المدن سكانًا وإلى محاولة تقليص عديد السكان العرب وخصوصًا بعد إنشاء جدار الفصل العنصري. وعلى الرغم من مشاريع الاستيطان والتهويد الضخمة التي لم تقف ولو لحظة واحدة، ومعها الإجراءات القمعية لترحيل المواطنين العرب عن القدس، فإن سلطات الاحتلال لم تَفلَح ولم تَنجَح، كما أرادت، في تقليص نسبة السكان من المواطنين العرب الفلسطينيين، من سكان القدس أصحاب البلد الأصليين. وإذا قيض لوتيرة النمو السكاني الطبيعي (الولادات ــــ الوفيات) أن تبقى فيها على حالها اليوم، فإن نسبة المواطنين العرب ستزيد أكثر لتصبح أكثرية على مدى سنواتٍ منظورة.
في المحصلة، باتت المدينة المُقدسة تَعِيُش لحظات حاسمة وعصيبة، في وقت لم يَعُد فيه الصمت مُمكنًا، ولم يَعُد فيه أيضًا الكلام والجمل الإنشائية كافية لنصرة المدينة وإنقاذها وإنقاذ أهلها من أخطبوط التهويد الزاحف، ولم تَعُد البيانات الاستنكارية وبيانات التنديد والشجب ذات مفعول أو تأثير في مسار ما يجري في المدينة المحتلة، وما يجري في حق الأقصى وعموم الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.

إلى الأعلى