الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الذاكرة المفتوحة

باختصار: الذاكرة المفتوحة

زهير ماجد

لا تنسى التواريخ العربية باعتبار ان الذاكرة مفتوحة للمزيد منها. ليس صعبا اعادة الارقام التي أرخت لحدث جلل أو كبير أو عظيم، فها نحن مثلا في الذكرى الحادية عشرة لبدء الاجتياح للعراق .. خبر سيظل الأسوأ في ما عشناه أو تمكنا من عيشه .. لكنه ايضا سجل حي لقوة الشعوب في قراراتها الوطنية التي تحرر ارضها.
أكثر الشهور العربية لها مناخاتها المتشابهة من الألم إلى حد النزيف. فعندما مشى اقوى الجيوش في العالم إلى العراق، كان يحمل معه صيته السيء وسمعته كمحتل .. ذهب إلى هناك حيث كانت الافخاخ تنتظره، والارض تبتلعه. صحيح انه احتل، فاجأنا بسقوط بغداد بين يديه بهذه السهولة غير المتوقعة، ونحن علمنا لاحقا ان الخطط التي وضعت من اجل ان تصمد وتقاتل وقد تدحر اعتى الجيوش ذهبت هباء ..
لكن، لم يذبل العراق اثناء احتلاله، ازهر بنادق وسواعد سمراء عرفت طريقها إلى تحرير ارضها. قدم العراقيون عرضا من اعظم عروض الحرية، وقفوا جميعا وقفة رجل واحد ضد الاميركي الذي ظن امكانية بقائه في بلاد رفضته، فكان ان قاتلته بكل خلية من خلاياها.
رحل الاميركي لكنه ترك العراق قابلا للتمزق، هل من استعمار ترك مستعمرته الا وكانت غير قابلة للحياة، ذاكرة التاريخ تحمل الكثير من هذا القبيل .. ألم يترك الجيش البريطاني فلسطين لحظة قفز الصهانية عليها وانزال أبشع المجازر بها ..
فعلها الاميركي وهو يرحل مصابا في قامته التي انحنت امام عاصفة المقاتلين العراقين الذين كانوا جاهزين لقتاله. دمر الاميركي المؤسسات، فرط الجيش او الجيوش المتعددة التي بناها صدام حسين بأسماء مختلفة، ثم دمر ارث العراق التاريخي يوم نهب المتحف .. عذب العراقيين إلى حد الموت، طاردهم، قتل فيهم مقتلة عظيمة، مزق الوحدة الوطنية، صادر حيوية الناس، اغتال العقول التي كان صدام حسين قد انشأها بالالاف .. ومع هذا لم يبق، طورد هو الآخر، وقتل منه من قتل، وانتحر منه العديد خوفا او تمردا على الحالة المزرية التي بلغها الجيش الذي ظن انه لايقهر ..
لم يكن ما فعله العراقيون استثناء بل هو القاعدة الطبيعية التي مارستها كل المقاومات في العالم العربي، بدءا من الجزائرية، إلى الفلسطينية، ومن ثم اللبنانية، وبعدها العراقية، ولا ادري ما اذا كانت تفتح جبهة الجولان لتنضم هي الأخرى إلى مثيلاتها العربية.
هل المطلوب اذن ابقاء العالم العربي تحت عوامل الضغط الدائم عليه بغية سحق قدراته وامكانياته وتوهجه الانساني.. لكن هل فهم الاميركي والاسرائيلي وغيرهما من اللاعبين الدوليين بالارث الوطني ومقدساته ان من السهل الاعتداء على العرب، لكن من الصعب سكوت العرب أو تخويفهم. فلقد تحرروا من عقدة الجيوش التي لا تقهر بعدما نازلوها في اكثر من قطر عربي، وبعدما ظهر انها جيوش من كرتون حين تبدأ عملية المواجهات مع اصحاب الارض.
ولهذا السبب يلجأ هؤلاء المغتصبون والمحتلون والمتآمرون إلى لعبة فرط العرب من الداخل عبر فتن متنقلة لن تجد هي الأخرى مسرحا لها لا الآن ولا بعده.

إلى الأعلى