الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

الحلقة الرابعة

وهم الانتصار الكبير لبوش الابن

لابد من التأكيد أنه خلال الايام التي كان يستعد فيها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، لتجهيز خطابه الخاص بـ (الانتصار الكبير في العراق)، راسما هالة كبيرة من التباهي والتفاخر، بما حققته القوات الأميركية من انتصار سريع وخاطف، فقد كانت المجاميع الأولى من (المقاومة العراقية) تباشر أولى نشاطاتها، على صعد ثلاثة:
1- البدء بمهاجمة القوات الأميركية حيثما توفرت الفرصة والامكانية، وقد تم الاعتراف بالهجمات التي استهدفت القوات الأميركية منذ يوم (10/4/2003) وهو يوم انطلاق المقاومة في العراق، وتواصلت الهجمات ضد قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية، وسقط خلال المدة الحصورة (10من-4 الى 30-4-2003) اثنان وعشرون قتيلا من القوات الأميركية، أي بمعدل أكثر من قتيل في اليوم الواحد(13).
2- في الوقت نفسه،شرعت مجاميع كبيرة من الرجال بحملة جمع الأسلحة، وهناك من تمكن من الحصول على كميات من الأسلحة المختلفة من مخازن الجيش العراقي والحرس الجمهوري، التي تنتشر في مناطق العراق، وقسم توجه لشراء الأسلحة من العراقيين، الذين استولوا على الأسلحة، بعد أن تم فتح مخازن الأسلحة وبالاخص الموجودة في المعسكرات الرئيسية، وكانت اسعار الأسلحة رخيصة الثمن، اذ لم يفكر من حصل عليها (من خارج مجاميع المقاومين) في تخزينها لأي غرض كان، خاصة أن العراق يخلو من عصابات الاتجار بالأسلحة، كما أن كميات السلاح كانت كبيرة جدا، وامتلأت بها الأسواق والبيوت، وشهدت تلك الايام، استنادا إلى مقابلات منشورة لاحقا، مع بعض قيادي فصائل المقاومة العراقية عمليات جمع وشراء للأسلحة على اوسع نطاق، وتواصلت عمليات جمع الأسلحة لعدة اشهر بعد يوم الاحتلال المؤرخ في (10/4/2003)، ومن المعروف أن أسلحة الجيش العراقي كانت تتوزع على مئات المخازن الكبيرة، وأن الحكومة العراقية في ذلك الوقت، قد كدست أسلحة هائلة استعدادا لمعارك طويلة محتملة مع القوات الأميركية والبريطانية، وتحدث الفريق اول ركن سيف الدين الراوي قائد قوات الحرس الجمهوري (السابق) عن كميات هذه الأسلحة، وقال (أن سلاح الجيش العراقي السابق، يكفي فصائل المقاومة العراقية لمدة خمسين عاما، استنادا إلى كميات السلاح والأعتدة الموجودة في مخازن الجيش والحرس الجمهوري) (المصدر- مقابلة خاصة ُبثت على حلقتين في قناة الجزيرة الفضائية بتاريخ 8-9/4/2007 أجراها الإعلامي العراقي عبدالعظيم محمد) (14).
من المعلوم أن الراوي من كبار قادة الجيش العراقي، وهو من بين كبار المسؤولين المطلوبين للقوات الأميركية، ويحتل تسلسلا متقدما بين الخمسة والخمسين مسؤولا في القائمة الأميركية الشهيرة، إذ جاء تسلسله السابع، إلا أنه ظل متواريا عن الانظار، ولم تتمكن القوات الأميركية من الوصول إليه، رغم تنفيذها عشرات العمليات العسكرية بحثا عنه سواءا في مدينته (راوه) غرب العراق أو في بغداد(15)، وحاولت القوات الأميركية استدراجه بذات الطريقه التي تم فيها استدراج الفريق اول ركن سلطان هاشم احمد وزير الدفاع خلال الغزو من خلال الوعود الكاذبة والمخادعة، إلا أنهم (الأميركيون) فشلوا في الوصول إليه واعتقاله، ويُعتقد أن له دورا في التخطيط لعمليات بعض الفصائل المقاومة، لما يمتلكه من خبرة عسكرية واسعة وطويلة، وجاء تصريح الراوي، ليؤكد قدرة المقاومة العراقية على المطاولة، والاستمرار في شن هجماتها ضد قوات الاحتلال الأميركي وتزامن تصريح الراوي مع بدء خطة ديفيد بتريوس قائد القوات الأميركية في العراق عام 2007 التي زاد فيها عديد القوات الأميركية بـ 36 الف عنصر للتصدي لهجمات المقاومة المتزايدة، وبدون أدنى شك، أن كلام الضابط العراقي الكبير والبارز قد أعطى رسالتين هامتين، الأولى موجهة إلى قوات الاحتلال التي حرصت في وقت مبكر على التفتيش عن مخازن سلاح المقاومة، وبهذا الكلام فأن حالة من اليأس والقنوط ستسيطربالتأكيد على قيادات تلك القوات، عندما يأتي الكلام من قائد عسكري واستراتيجي كبيرمثل قائد الحرس الجمهوري العراقي، ويقول أن كميات الأسلحة تكفي المقاومة العراقية خمسين عاما،أما الرسالة الثانية، فقد كانت موجهة إلى المقاومين انفسهم، وجمهور المقاومة من الداعمين والمحبين والمشجعين، إذ يعرف الجميع، أن لا مجال لدعم للمقاومة بالسلاح من أية جهة أو طرف إقليمي أو دولي،وإذا توفر السلاح فالرجال كثيرون، أما التصميم على مواصلة المقاومة فلا حدود له.
3- نظرا لقناعة المقاومين العراقيين، الذين باشروا مشروع مقاومة الغزاة المحتلين بشراسة المعركة واحتمال استمرارها لسنوات وربما لعقود، وبما يمتلكه غالبية هؤلاء من خبرة عسكرية وقتالية وفنية واسعة جراء الخدمة في الجيش العراقي، وبالاخص الصنوف العسكرية ذات الطابع الفني والهندسي،فقد تم تكليف المختصين في هذا المجال، بالبدء في عملية إعادة تخزين الأسلحة التي تم جمعها والحصول عليها، وذلك باستخدام الوسائل العلمية، التي تضمن المحافظة على صلاحية السلاح وعدم تأثره بظروف خزنة السرية، التي تختلف تماما عن طرق الخزن التقليدية، إذ إنتقلت عملية الخزن من البنايات الكبيرة (المخازن) المخصصة لأغراض خزن السلاح بمختلف أنواعه وفق مواصفات علمية دقيقة، إلى الخزن داخل الأرض، وهو مايتطلبه الظرف الجديد، حيث يتوقع حصول عمليات دهم وتفتيش عن الأسلحة، وتتطلب عملية الخزن خبرة في عمليات التغليف والطمر تحت الارض، لضمان عدم تأثر السلاح بعوامل الرطوبة وغيرها من العوامل، التي قد تتسبب بتلف الأسلحة والعتاد (الذخيرة) الخاص بها.
يقدر خبراء في شؤون المقاومة العراقية عدد مخازن السلاح الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، التي تم طمرها تحت الارض، وبعضها تم خزنها في أماكن مختلفة اخرى، بأكثر من خمسين الف مخزن سلاح “صغير جدا ومتوسط وكبير”، تحتوي الملايين من قطع السلاح، التي تتوزع على أسلحة (اربي جي سفن، كلا شنكوف، بي كي سي وقاذفات ومسدسات وصواريخ مختلفة وأعتدة، ومواد شديدة الانفجار وصواريخ)، ويمكن الاستدلال على العدد الهائل من مخازن السلاح المخبأة من خلال زاويتين واضحتين هما:
أ- مواصلة جميع فصائل المقاومة في العراقي استخدام مختلف أنواع الأسلحة، دون إنقطاع، حتى إنسحاب الجنود الأميركيين أواخر كانون أول العام 2011.
ب- صدور بيانات شبه يومية منذ بداية الاحتلال الأميركي، تتحدث عن العثور على مخازن كبيرة ومتوسطة تضم مختلف أنواع الأسلحة، وهذا ما دأبت على إعلانه القوات الأميركية والبريطانية والقوات الأمنية الحكومية، مايدلل على أن مخازن الأسلحة التي باشرت فصائل المقاومة بخزنها والإحتفاظ بها كثيرة جدا، وأن استمرار العثور على الأسلحة، بعد سنوات عديدة من بداية الاحتلال وحتى بعد خروج القوات الأميركية، وهي صالحة للاستعمال وفي أفضل أحوالها، دليل على دقة عمليات الخزن تحت الأرض، وخبرتهم التي تزداد صقلا وحنكة مع التقادم الزمني، كما أن عمليات صيانة تجري للكثير من تلك الأسلحة بين فترة واخرى، من خلال إعادة عمليات التخزين، وعمليات نقل الأسلحة كلما استوجبت الظروف، خاصة إذا ماتوصلت قيادات المقاومة في مناطق معينة إلى قناعات بظرورة نقل الأسلحة لضرورات أمنية، ولتجنب وقوعها بأيدي القوات الأميركية، وفي مرحلة لاحقة الخشية من أطراف وجهات عراقية، تتعاون وتتعامل بصورة مباشرة وغير مباشرة مع قوات الاحتلال الأميركية.
أن المقاومة العراقية قد إنبثقت بسرعة استثنائية ضد الاحتلال الأميركي – البريطاني، وتواصلت منذ يومها الأول بدون توقف، وهو ما لم يحصل في تجارب المقاومة الاخرى في العالم،فعلى سبيل المثال، تم احتلال الجزائر من قبل القوات الفرنسية في الخامس من يوليو العام 1830م، وتأخر إنطلاق المقاومة بصورتها الفعلية المستمرة والفاعلة حتى الأول من نوفمبر عام 1954م، وقرأ بيانها الأول احمد بن بيلا وشهد ذلك اليوم ثلاثين هجوما للمقاومين الجزائريين في خمس مناطق بالجزائر هي،المنطقة الأولى الاوراس بقيادة مصطفى بن بو العيد، والمنطقة الثانية الشمال القسطنطيني بقيادة دودوش مراد، والمنطقة الثالثة بقيادة كارين بلقاسم،المنطقة الرابعة بقيادة رابح بيطاط،والخامسة الغرب الوهراني بقيادة العربي بن مهيدي (قناة الجزيرة برنامج تاريخنا وأرشيفهم تم بث الحلقة الأولى من بين ثلاث حلقات بتاريخ 3-6-2010)(16).
ويصف المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا يوم إنطلاق المقاومة الجزائرية، بأنه تاريخ مهم جدا، وكان الهدف من عمليات ذلك اليوم، هو إعطاء إنطباع بوجود ثورة منظمة في كل البلاد،وكانت تظهر عمليات مقاومة كل خمسة عشر سنة في الجزائر، إلا أنها تتلاشى ثم تعود مرة اخرى، ويذكر المؤرخون أن المقاومة الجزائرية تأخرت 124 عاما، والمعيار في ذلك هو إنطلاق المقاومة واستمرارها، ومواصلة هجماتها ضد القوات الفرنسية التي إحتلت الجزائر العام 1830، على خلفية مشادة كلامية بين والي الجزائر حينذاك شيخ حسين والقنصل الفرنسي، عندما طالب الحاكم الجزائري الفرنسيين بتسديد الديون المترتبة بذمتهم للجزائر، عن صادرات الحبوب الجزائرية، والتي بلغت حينذاك سبعة ملايين فرنك، وهو مبلغ طائل في ذلك الوقت، وقررت فرنسا غزو الجزائر والسيطرة على أراضيها، لأن القمح الجزائري كان يتم تصديره إلى جنوب فرنسا ومناطق كثيرة من اسبانيا، ومضت عشرات السنين قبل إنطلاق المقاومة الجزائرية، التي تم الإعلان عنها بتاريخ (1/11/1954) حيث صدر البيان الأول لها، وتم تنفيذ الهجمات القتالية ضد القوات الفرنسية،وبذلك تكون المقاومة الجزائرية قد تاخرت 124 سنة، قبل أن تنطلق بالقوة والزخم الكبيرين، الذي تمخض عنه طرد الاحتلال الفرنسي واستقلال الجزائر في الخامس من تموز عام 1962م، وهو نفس يوم احتلال فرنسا للجزائر عام 1830، وكانت المقاومة الجزائرية قد أرغمت شارل ديجول على القبول بالتفاوض مع قادة المقاومة في مفاوضات (ايفان) وجرى الإتفاق في 19/3/1962 على وقف اطلاق النار، وتم تحديد (1/7/1962) لإجراء استفتاء على مصير الجزائر، وصوت الجزائريون مع استقلال الجزائر بنسبة 99 في المئة، لتجني المقاومة الجزائرية ثمار عملها وقتالها ونال بلدهم الاستقلال في نفس ذكرى يوم احتلالها وذلك في الخامس من تموز- يوليو عام 1962.
لا شك ان لكل مقاومة ظرفها الخاص الذي نشأت فيه، وتبقى العبرة ليس بتأخر ظهور المقاومة هنا أو هناك،لكن المهم في كل ذلك أن تنهض الشعوب لمقاومة المحتل، وأن ينهض الشعب متأخرا أفضل من عدمه، والعبرة بقوة الفعل وما يتمخض عنه من نتائج تصب في النهاية بالهدف الأسمى المتمثل بتحرير البلاد من المحتل وإفشال مخططاته وهزيمة مشروعه، ومثلما سعت المقاومة الجزائرية للتحرير وحققته، فأن المقاومة العراقية التي حققت سبقا تاريخيا بسرعة إنطلاقها، قد عملت لتحقيق ذات الهدف، المتمثل بتحرير العراق وإفشال مخطط المحتل الأميركي،وإذا تأخرت إطلاقة التحرير الجزائرية 124 عاما ومن ثم حققت اهدافها،فأن إطلاقة المقاومة العراقية الأولى، التي دوت في سماء بغداد قد جاءت بعد ساعات من الاحتلال، ولم يكن ذلك مجرد صوت يدوي في الفضاء،وإنما طلقة موت حصدت أول رؤوس الغزاة (واسمه تيري هيمنغواي كما أشرنا سابقا) من المحتلين الأمريكان،على طريق الوصول إلى الهدف النهائي والحاسم.
اذا كان بيان المقاومة الجزائرية الأول قد حدد ثلاثة أهداف واضحة هي: الحصول على السلاح أداة المعركة الرئيسي، ومن ثم تدويل القضية الجزائرية وصولا إلى الهدف الثالث المتمثل بإرغام العدو على التفاوض، فأن سرعة إنطلاق المقاومة العراقية، وفي الظروف الصعبة التي بدأت فيها ومن ثم تطورها المعروف،فقد كانت سمتها الاساسية بسرعة الإنطلاق والقدرة على تطوير الأداء والاستمراربزخم كبير وبفعل ميداني، فيه الكثير من الحنكة العسكرية، والقدرة على المناورة، وهو ما أقر به كبار القادة العسكريين الأميركيين.
تجربة المقاومة الفرنسية التي قادها الجنرال شارل ديجول ضد الاحتلال الألماني عام 1940، قد تكون الأقرب إلى التجربة العراقية في بعض جوانبها، لذلك إرتأينا دراستها ضمن سياق البحث في تجربة إنطلاق المقاومة العراقية، فقد كانت فرنسا دولة مستقلة كاملة السيادة وقرر الفوهرر زعيم المانيا ادولف هتلر احتلالها في بداية الحرب العالمية الثانية، وما تختلف به فرنسا عن العراق، أن القوات المسلحة الألمانية ليست أفضل من مثيلاتها الفرنسية،ويقول شارل ديجول بهذا الصدد (أن العدو – المقصود المانيا- لم يكن أكثر منا عتادا او عددا، حيث كنا نمتلك ما يقارب ثلاثة الاف دبابة فرنسية الصنع، وثمانمائة مدفع رشاش محمول على ظهور السيارات (مذكرات ديجول ص19) (17)، كما أن الفرنسيين يمتلكون اسطولا بحريا كبيرا جدا، وقوة جوية قتالية واسعة، وهذا ما إفتقده العراق في حربه أمام القوات الأميركية – البريطانية، كما أن عدو فرنسا في الحرب (المانيا) كانت منشغلة بأكثر من جبهة من جبهات القتال، في حين تفردت أمريكا وبريطانيا بالعراق في غزو لم يتمكن المجتمع الدولي من منعه، بل أن غالبية دول العالم أعلنت تأييدها بطريقة أو بأخرى لهذا الغزو، ورغم ذلك لم تتمكن فرنسا من الصمود امام الغزو الالماني، الذي تمكن من احتلال فرنسا في حرب خاطفة،وما أن أصبح الاحتلال الألماني واقع حال لا جدال فيه،جاء إعلان ديجول بتأسيس (فرنسا الحرة) التي تقود المقاومة ضد الاحتلال الألماني والعمل ضد حكومة (فيشي) التي شكلها المحتلون الألمان، وقال في بيانه الأول (أنا الجنرال ديجول أتحدث إليكم من لندن، وأدعو جميع جنود وضباط الجيش الفرنسي، والذين يأتون مجهزين بأسلحتهم أو بدونها أن يتصلوا بي، ومهما يكن الامر فشعلة المقاومة لن تنطفيء إلى الابد).
ووجه ديجول بإسم (فرنسا الحره) نداءه الشهير يوم 19-6-1940، وبثته اذاعة البي بي سي البريطانية مخاطبا الشعب الفرنسي بقوله (على كل مواطن فرنسي ما زال يمسك بيده السلاح حتى الان، أن يواصل الحرب،وليعلم الجميع أن كل من يتخلى عن شبر واحد من أرض فرنسية، يكون بذلك قد إرتكب جريمة لا تغتفر بحق بلاده) (18).
أن المقاومة الفرنسية التي أعلنت عن نفسها بسرعة قياسية،وتمتلك جميع مقومات الإنطلاق العسكري،لم تتمكن من شن هجوم واحد ضد القوات الألمانية المحتلة طيلة أكثر من عام بعد إعلان تأسيس المقاومة، التي جاءت على شكل بيان رسمي القاه الجنرال ديجول وأن قوات الاحتلال الألماني الموجودة على الأراضي الفرنسية، حالت دون تنفيذ هجمات من قبل المقاومين التابعين لفرنسا الحرة بزعامة ديجول، ويعترف بذلك ديجول بقوله (أما في المنطقة الفرنسية الواقعة تحت الاحتلال الألماني، فأن العمل فيها كان يتعرض إلى مخاطر كثيرة، نظرا لوجود جيش العدو بكثافة فيها)، ولم تُنفذ أية عملية ضد القوات الألمانية ما عدا حادثتين سُجلتا حيث تم قطع أسلاك الهاتف، وتأخرت هجمات المقاومة الفرنسية لمدة خمسة عشر شهرا تقريبا، قبل أن تشن هجماتها ضد الاحتلال الألماني، إذ تم الإعلان في ايلول- سبتمبر عام 1941 عن هجمات أثمرت عن مقتل عدد من الضباط الألمان من بينهم (ضابط برتبة رائد وقائد المعسكر الألماني في تانت ومقتل ضابط في بوردو وجنديين في شارع شانبونيه بباريس) وفي اواخر تشرين اول – اكتوبر من العام 1941، اعترف ديجول بأنهم (اي المقاومون الفرنسيون) لم يكونوا جاهزين لشن هجمات ضد القوات الألمانية، وخاطب الفرنسيين من اذاعة لندن بقوله(على العدو أن يدرك إذا كان الشعب الفرنسي غير قادر اليوم على توجيه الضربة القاضية،لأن الترتيبات اللازمة لذلك لم نفرغ منها بعد،فأن هذا اليوم ليس بالبعيد، وأن الترتيبات اللازمة قد اوشكت بالفعل على الإنتهاء) وكان خطاب ديجول ردا على عمليات الإعدام والاعتقالات الواسعة، التي نفذتها القوات الألمانية ضد الفرنسيين في (بوردو ) و(تانت) حيث قتل الألمان خمسين أسيرا فرنسيا بتاريخ (25-10-1941).ووجه ديجول دعوة للإحتجاج الصامت في الساعة الرابعة عصر يوم الحادي والثلاثين من اكتوبر تعبيرا عن الرفض والإحتجاج على قتل الألمان للفرنسيين، وعلينا أن نتذكر أن ما يقرب من سنة ونصف قد مر على الاحتلال الألماني للأراضي الفرنسية، وأن الترتيبات لبدء المقاومة كما اعلن الجنرال ديجول ما زالت لم تبلغ درجة النضج التام وبما يكفل شن هجمات قوية ومتواصلة من قبل المقاومين الفرنسيين، وكما قلنا فأن فرنسا التي إنهزمت أمام الجيش الألماني تمتلك قوة عسكرية كبيرة وأن لها مستعمرات واسعة تُقدم الدعم لديجول في الجزائر وجنوب شرق اسيا،حيث كانت فرنسا تحتل في ذلك الوقت فيتنام والجزائر إضافة إلى مستعمراتها الاخرى.
ـــــــــــــــــــــ

13- المصدر – المواقع التابعة للصحف الأميركية التي اهتمت بنشر اسماء القتلى من الجيش الأميركي، وفي مقدمتها الواشنطن بوست وصحيفة يو اس تودي.
14- الفريق اول ركن سيف الدين الراوي قائد الحرس الجمهوري قبل الاحتلال الأميركي 2003، في مقابلة متلفزة بقناة الجزيرة الفضائية بثت على حلقتين يومي 8و9 نيسان/ ابريل العام 2004، في الذكرى الأولى للاحتلال الأميركي للعراق اجراها الصحفي العراقي عبد العظيم محمد وظهر الراوي مغطى الوجه.
15- مصدر مقرب جدا من الراوي ابلغ المؤلف أن الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس ارسل رسالة إلى الفريق اول ركن سيف الراوي لاستدراجه واعتقاله،وقال المصدر أن الرسالة كانت بنفس صيغة واسلوب الرسالة التي ارسلها بترايوس للفريق اول ركن سلطان هاشم وزير الدفاع العراقي السابق والتي افضت إلى اعتقاله والحكم عليه بالاعدام،لكن الراوي توارى عن الانظار ولم تتمكن القوات الأميركية من اعتقاله، رغم أنه يحتل المرتبة السابعة ضمن قائمة ال 55 مطلوبا للقوات الأميركية.
16- – قناة الجزيرة برنامج (تاريخنا وأرشيفهم) تم بث الحلقة الأولى من بين ثلاث حلقات بتاريخ 3-6-2010.
17- مذكرات الجنرال ديجول ص19، نداء الشرف، تعريب وتعليق خيري حماد، منشورات مكتبة المثنى بغداد وبيروت،الطبعة الأولى 1964.
18- نداءه ديجول الشهير يوم 19-6-1940، وبثته اذاعة البي بي سي البريطانية،ومنشور ضمن مذكرات ديجول –مصدر سابق.

إلى الأعلى