الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الهند والصين والتعامل مع الأوقات الصعبة

الهند والصين والتعامل مع الأوقات الصعبة

في الحقيقة يعمل راجان جديا على دفع البنوك الهندية للإقرار بمشاكلها وتقديم الحلول لها، بينما تشاو ورفاقه يخاطرون بزيادة أكوام القروض المعدومة في الصين. وأملا في دفع النمو شجعت الحكومة على نوبة ضخمة من القروض الجديدة، وسجل مبلغ الاعتمادات الجديدة الذي تم الكشف عنه رقما قياسيا لم يحدث من قبل، وربما يذهب جزء كبير من هذه الأموال إلى المشاريع الحكومية المتعثرة وشركات مثقلة بالديون لمساعدتها على تسديد قروضها الحالية.

في كل عام يأمل المستثمرون في أنحاء العالم تغيرا أسرع في الهند، وفي كل عام يشتكون من أن طموحات الحكومة لا تذهب بعيدا بما فيه الكفاية.
خيبة الأمل الدائمة هذه جزء من انتقاد معروف حول الهند لا سيما عند مقارنتها بالصين.
وإذا كان النظام الصيني يستطيع نظريا تطبيق إصلاحات بتأثير إكلينيكي فإن الديمقراطية الهندية المائجة تربط التغيير بنقاشات واختلافات لا حد لها ما يجعل الحكم الفعال مستحيلا من الناحية العملية، بل إن رئيس الوزراء ناريندرا مودي في وضع حرج أمام المعارضة البرلمانية في محاولاته لتحرير الاقتصاد الهندي، والنتائج تتحدث عن نفسها حيث الناتج القومي الصيني أكبر بخمسة أضعاف من نظيره الهندي.
على أن هذا التمييز بين الصين والهند إذا كان يتم تبسيطه دائما، إلا أنه في ضوء الأحداث الجارية لا يصلح للتطبيق اليوم. فكلا البلدين يواجه رياحا اقتصادية عاتية في الخارج وضعفا هيكليا في الداخل، بيد أن ديمقراطية الهند الشفافة والمرنة تبدو في وضع أفضل للتعامل مع العديد من المشاكل من النظام الصيني الملفوف بإحكام. كما أن قيود عملية السياسة المركزية في الصين أكثر عرضة للتأثر على حساب الاقتصاد العالمي.
على سبيل المثال، المقاربات المختلفة للبلدين تتجه نحو البنوك المتوترة. فالقروض المعدومة التي تمثل تهديدا للاستقرار والنمو تزداد في القطاعين، ومن الناحية الرسمية تبدو البنوك الهندية أضعف كثيرا في الشكل من الصين، حيث تبلغ نسبة القروض المتعثرة 5.1% من إجمالي القروض مقارنة بأقل من 1.7% في الصين.
على أن هذا الفارق إلى حد ما ناتج عن سياسة مبادرة من جانب المشرعين في الهند حيث محافظ البنك المركزي الهندي رجورام راجان دشن مراجعة الميزانيات العمومية للبنوك الحكومية العام الماضي، وأجبرها على تحديد وإعلان القروض المشبوهة بهدف تثبيت الفوضى بحلول مارس 2017.
الصين على الجانب المقابل لا تبدو شغوفة بشكل خاص لتسليط الضوء على ما قد يصبح أزمة مصرفية ماثلة في الأفق حيث تبلغ التقديرات الخاصة للديون المعدومة في البنوك الصينية أعلى كثيرا من البيانات الرسمية. بيد أنه عندما أجرت مجلة صينية حوارا موسعا في فبراير مع محافظ البنك المركزي الصيني تشاو زياوشوان لم يتم التطرق البتة لصحة النظام المصرفي.
في الحقيقة يعمل راجان جديا على دفع البنوك الهندية للإقرار بمشاكلها وتقديم الحلول لها، بينما تشاو ورفاقه يخاطرون بزيادة أكوام القروض المعدومة في الصين. وأملا في دفع النمو شجعت الحكومة على نوبة ضخمة من القروض الجديدة، وسجل مبلغ الاعتمادات الجديدة الذي تم الكشف عنه رقما قياسيا لم يحدث من قبل، وربما يذهب جزء كبير من هذه الأموال إلى المشاريع الحكومية المتعثرة وشركات مثقلة بالديون لمساعدتها على تسديد قروضها الحالية، ومن ثم البقاء واقفة على قدمين. وما لم تستطع استعادة عافيتها ـ وهي نتيجة غير محتملة في ظل البيئة الحالية ـ فسوف تواجه البنوك الصينية مشاكل أكثر حدة في المستقبل.
ينبغي لهذه المناهج المتباينة للقطاع المصرفي أن تفجر خرافتين حول صنع السياسات الهندية والصينية. أولاهما أن المستثمرين يفترضون خطأ أن قادة الهند تعرقلهم السياسة الديمقراطية في حين أن الكوادر الصينية آمنة من هذه الضغوط، وسيتمكنون من صياغة السياسات في مصلحة الاقتصاد. لكن انفجار الديون المستمر في الصين هو إلى حد كبير نتيجة للسياسة الداخلية. ويجب على الرئيس الصيني زي جين بينغ الحفاظ على مستويات نمو عالية والعمل من أجل الحفاظ على المكانة السياسية للحكومة. أما الحكومات المحلية ففي كثير من الأحيان تقاوم جهود إغلاق الشركات المتعثرة، والتي لا تزال تشكل مصادر قيمة لفرص العمل.
ثانيا، يمكن للهند أن تستفيد من الأوجه المتعددة في نظام الحكم فيها. حتى لو أصبحت نيودلهي مشلولة بسبب الخلافات السياسية، فإن أطرافا أخرى في الاقتصاد لديها السلطة للتدخل وإصلاح المشاكل. ويستطيع راجان الإيعاز للبنوك لتنظيف سجلها لأنه يرأس بنكا مركزيا مستقلا حقا. أما في النظام الصيني، فإن تشاو لا يتمتع بمثل هذه الحرية في التحرك.
ولا المركزية المتزايدة للسلطة في الصين تؤدي إلى سياسات أفضل. في الواقع، كلما أعلن زي المزيد من السيطرة على الحكومة، صارت الإصلاحات تتقدم بصورة أبطأ. في هذا السباق الكبير بين الهند والصين، لا تنطبق الحكمة التقليدية في كل الأحوال.

مايكل شومان صحفي مقيم ببكين
خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز ـ خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى