الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اسخيلوس في بروميثيوس

اسخيلوس في بروميثيوس

علي عقلة عرسان

لقد كان اسخيلوس يحمل روحًا علويًّا، وحسًّا دينيًّا عميقًا، وشاعرية فياضة، وإيمانًا بالإنسانية لا يحد. وقد لاحظنا في أدبه اهتمامه المباشر بالبطولة وبتخليد انتصارات أبناء وطنه على الأعداء الخارجيين من فرس وطرواديين، وتوضحت بجلاء تأثيرات أدبه في الناس وانعكاسات الأحداث الاجتماعية والسياسية الكبرى في ذلك الأدب، كما رأينا اندفاعاته العنيفة، التي تدعو إلى الثورة ضد الظلم، سواء أظهر من الآلهة أو من البشر، وكيف أنه سجل اعتراضًا لم يسبقه إليه أحد على جور الآلهة

لا أدري لماذا تلح على مخيلتي تلك الصورة، صورة الرجل الذي قُيِّد إلى الصخور الشاهقة في جبال القوقاز، ودُقَّت في صدره الأسافين، وسُلِّط عليه نسر إلهي جارح، ينهش كبده وقلبه طوال النهار، حتى إذا أتى على نهاية قلبه وكبده مع غروب الشمس، عاد إليه في الصباح، وقد تجدد قلبه وكبده، لتتجدد الآلام من جديد، والرجل وحيد مستوحش في أرض مقفرة.. بعيدًا عن كل رحمة، وهو صامد مكابر، يتحدى أكبر القوى، القوة الإلهية، إيمانًا منه بعدالة قضيته، وإيمانًا منه بحريته، وبكرامة الإنسان الذي تبنى قضيته، وبحق ذلك الكائن في أن يعيش حياة أكرم، وأفضل، وفي أن تُكتَب له الحياة ويبقى.. أقصد صورة بروميثيوس، بطل الشاعر الإغريقي القديم اسخيلوس، الخالد.
بروميثيوس الذي سرق النار من جبل الآلهة، جبل الأولمب، كما تروي الأساطير اليونانية، وقدّمها هدية للإنسان، لينتفع بها فتزداد معارفه، وتزداد قدرته على الإدراك، والوعي، والتفكير والتدبير.. ومنحَه إلى جانب النار، الأمل الذي يقضي على مرارة الحياة، ويخفف من وقع خطا الموت المرعبة التي تدق الطُّرق خلف الإنسان أينما اتجه، كما علمه الطب والحكمة، وسائر الفنون، ونصره في الأرض ضد إله السماء “زيوس”، الذي أراد به الشر.
كلما تذكرت اسخيلوس أتذكر بروميثيوس وكأنهما شخص واحد.. وتغيب عن ذاكرتي صورة أورست.. وألِكترا.. وأغاممنون.. ودارا ملك الفرس.. وبلا سجوس.. وفتيات الجوقة الخمسين من بنات داناؤوس” المصريات الأصل، بثيابهن البيضاء المزركشة. كل ذلك يتوارى خلف ضباب الذكريات ليبرز مشهد المصلوب الحي، الأزلي العذاب، الأبدي الخلود، الصابر أبدًا، والذي لا يملك ضعف أيوب، إذ لم تخرج من فمه الشكوى، ولا هو توسل للإله زيوس، ليخفف عنه العذاب.. صورة بروميثيوس، أول نصير للإنسان ضد الظلم الذي حاق به، وأول ثائر في وجه البغي والقهر والقسوة والجبروت، وأول مضح في سبيل العدالة والحرية، وأول من يقول “لا”، في وجه قوة قادرة قاهرة، تريد أن تسرق منه هو حريته، وتريد أن تظلم، وتسيطر، ومع ذلك تحرص على أن تكسب مباركة بروميثيوس، أو صمته.. وأول من يتألم ليرفع عن الإنسانية الضُّر الذي أريد إلحاقه به، من قِبَل زيوس، كبير آلهة الأولمب.
كان بروميثيوس يعرف قوة خصمه.. ولكنه كان في الوقت ذاته يؤمن بعدالة قضيته.. لذا لم تهمّه الحالةُ التي قد يؤول إليها، من جراء تمرّده على زيوس. إنه يقول:
“لقد كنت أعرف مغبّة كل شيء، قبل أن أقدم على أي مما أقدمت عليه، ومع ذلك فقد أقدمت عليه طواعية، وبمحض إرادتي، وإنه من دواعي فخري أن أصرح بذلك وأقرره.. وإنني في سبيل إنقاذ الإنسانية من عسف الإله الأكبر زيوس، لم أبال أن أدفع بنفسي إلى قرار هذا العذاب.”
وكان ذنب بروميثيوس”أنه شديد الحب للإنسان”، ربما من أجل هذا أحبُّ أنا بروميثيوس، وربما لهذا السبب، تلحّ عليّ صورتُه فتطمس سائر الصور.. حتى صورة المؤلف نفسه، إسخيلوس، الذي وُلد في قرية ايليوزي، موطن أسرار الإلهية اليونانية، في الربع الأخير من القرن السادس قبل الميلاد، وشارك في معركتي مرثون Marathon وسلاميس Salamis اللتين نشبتا بين أكبر دولتين في ذلك العهد، بين الفرس واليونانيين، وقعت الأولى عام 490 قبل الميلاد ووقعت الثانية عام 480 قبل الميلاد وكُتب فيهما النصر لليونايين على الفرس، وعادت جيوش ملك الفرس مدحورة، فآمن اسخيلوس بأن الآلهة إنما نصرت اليونان، على قلة عددهم وعُددهم. وبقي طوال حياته يفخر بأنه اشترك في هاتين المعركتين، ويعتبر نفسه جنديًّا أكثر منه شاعرًا عملاقًا، حتى أنه كتب قَبْرِيَّةً وُضِعت على قبره بعد موته يقول فيها، إن صح ما نقله ول ديورانت:
“تحت هذا الحجر يرقد اسخيلوس، الذي تُحدِّثنا عن بسالته أيكةُ مرثون، وملك الفرس ذو الشعر الطويل، الذي يعرفه حق المعرفة.”
خدم اسخيلوس بلاده في السلم والحرب، وكان يعتبر أن الخدمة الحقة التي يمكن للرجل أن يقدمها لبلاده، هي أن يموت في سبيل الذود عن حريتها وسيادتها، لا أن يَكتب لها الشعر. وربما كان مرد ذلك الفخر الشديد، الذي يحمله اسخيلوس في نفسه ولنفسه، إلى أنه اشترك في معركتي مرثون وسلامين. وتقع سلامين اليوم في القسم الشمالي “التركي” من قبرص. وقد شاهدت فيها مسرحًا أثريًّا يونانيًّا قديمًا، وبقايا لمدينة ساحلية تشرف على الخليج.
كتب اسخيلوس تسعين مسرحية، وفي روايات أخرى سبعين مسرحية، ولكن يد البلاء “البلى” لم تحفظ منها سوى سبع مسرحيات، وجُذاذات غير كاملة من مسرحيات أخرى.. والمسرحيات السبع، هن غير كاملات أيضًا، عدا واحدة وصلت كاملة هي الأورستية، نسبة إلى بطلها أورسْت.
واسخيلوس، كما يقول أرسطو في كتابه فن الشعر، “أول من رفع عدد الممثلين، من ممثل واحد إلى اثنين، وقلل من أهمية الكورس، وجعل المكانة الأولى للحوار”.
ويذهب الدكتور لويس عوض في كتابه المسرح العالمي إلى حد المغالاة حين يقول: “ولكن اسخيلوس أول من طوّر الدراما وأعطاها الصورة الفنية التي نعرفها اليوم، وقد كانت من قبله، عبارة عن سلسلة من المنشدين”.
ورغبة منا في ألا نغمط الآخرين حقهم، وأن نعطي لكلٍ ما عمل وقدّم، قلنا إن الدكتور لويس عوض ذهب إلى حد المغالاة حين قال: إن اسخيلوس “أعطى الدراما الصورة الفنية التي نعرفها اليوم”. لقد زاد اسخيلوس عدد الممثلين إلى اثنين، وأدخل الأقنعة، والملابس المزركشة، والقباقيب العالية التي يلبسها الممثلون في المسرح اليوناني القديم، وخفف عدد الجوقة من مئة وعشرين مغنيًا إلى خمسين.. وهذا كل ما فعل. ولكنه أبقى للجوقة دورها في المسرحية، وفي التعليق على الحوادث، بل وعلى المشاركة فيها، ودفع الخط الدرامي للمسرحية أحيانًا. فإذا قلنا إنه أعطى الدراما اليونانية الصورة الفنية التي نعرفها اليوم، فما يكون دور سوفوكليس الذي أدخل الممثل الثالث، وعدَّل في الجوقة ودورها، وأضاف إضافات كثيرة أخرى؟! وما يكون دور يوربيدس الذي خفف من شأن الجوقة كثيرًا، لدرجة أن الجوقة في مسرحه أصبحت تلقي بعض الأغاني القصيرة، التي لا تمت بصلة إلى الحوادث إلا من بعيد، وألغى مشاركتها في أحداث المسرحية إلغاء تامًّا، ولم يحمّلها مسؤولية تطوير الحدث في المسرحية، وإنما أصبح دورها يقتصر على إلقاء الفواصل الغنائية التي من شأنها تسلية الجمهور وإطرابه، وملء الفاصل الزمني الذي تتطلبه ضرورة العمل في مسرح كبير مكشوف، تتلاحق الأحداث فيه.؟! وماذا يكون دور السابقين على أسخيلوس من أمثال: ثاليثاس Thaletas وألكمان Alcman وآريون، وستيوخورس Stejichoros وايبكوسIbycos وسيمونيدس وتسبير، وكيربلوس، وفرينخوس.. من كتاب المسرح اليوناني؟!
إن اسخيلوس أبو المأساة اليونانية، لأنه بدأ تطويرها بشكل جاد، لا لأنه أعطاها الصورة التي نراها عليها اليوم. فإذا كان اسخيلوس عبقريًّا عملاقًا، وتتصف عبقريته الفنية بالفوضى أحيانًا، فإن سوفوكليس هو الصائغ الماهر الذي هذَّب المأساة “التراجيديا”، وصقلها، وصب أفكاره في إطار فني بديع، هندسي إذا جاز إطلاق هذه الصفة.
ولإسخيلوس مآثر كبيرة في المسرح اليوناني منها:
أنه كتب أول مسرحية تاريخية، تستمد حوادثها من تاريخ بلاده المعاصر، وتنقل للناس صورة قريبة من واقعهم، لا أسطورة من الأساطير الهومرية ـ كما كانوا معتادين أن يروا ـ فقد كتب مسرحية “الفُرْس” التي صوّر فيها الحروب الفارسية ـ اليونانية، وغزو الفرْس لليونان، وانتصار اليونان عليهم. كما كان له الفضل في إثارة عدد من قضايا حية خالدة لم يجرؤ سوفوكليس العظيم على معالجتها، ومن هذه القضايا: الثورة على الآلهة في مسرحيته “بروميثيوس”، وإظهار أن الإله اليوناني يبلغ الكمالَ بالتدريج، وأن القدَر يلاحق الآلهة أنفسَهم، وأن الإنسان جدير بأن يُحَبَّ ويُنصَر، وأن يُثار حتى في وجه الآلهة من أجله.
وبروميثيوس المقيَّد، من أكثر مسرحيات اسخيلوس دلالة على روحه الفياضة بالرجولة والحرية وحب الإنسان. وهي حلقة من حلقات ثلاثية فقدت منها الحلقتان الأولى والثالثة ووصلت إلينا الثانية. والمسرحية تتمحور حول الإله بروميثيوس الذي ساعد زيوس على تولي الملك، فلما حكم زيوس السماء طغى وتجبّر، حتى أنه أراد أن يخسف الأرض بالبشر، بالناس الفانين، الذين أحبهم بروميثيوس وقرّبهم من نفسه ـ كما تقول الأساطير ـ ولكن بروميثيوس أحب الإنسان، وكره ظلم زيوس، فأهدى إلى الإنسان هدية من قبس حيّ.. أهداه النار التي كانت وقفًا على الآلهة، وعلّمه المعرفة، والطب، والفنون، ومنحه الأمل ليتغلب به على رعب الموت، وربما على الفناء. فغضب زيوس على بروميثيوس وأمر من كبّله بالأغلال، وسمّره إلى الصخور في جبال القوقاز، وأرسل عليه نسره، ينهش كبده وقلبه طوال النهار، ويتجدد قلبه وكبده في أثناء الليل، ليتجدد العذاب مرة ثانية، ويتكرر هذا كل يوم. وثار بروميثيوس على كبير الآلهة، ونعته بنعوت منكرَة، وبقي على تحديه له.
ومرت ببروميثيوس “يو” ـ الفتاة التي أحبها زيوس، فغضبت منها زوجُه هيرا، وحولتها إلى بقرة، تلاحقها ذبابة تلسعها فيزداد ألمها، وتمعن في تشردها كلما ازدادت الملاحقة ـ مرت يو ببروميثيوس، فوقفت عنده ترثي لحاله. وأنبأها أنه سيولد لها ولد، هو ابن زيوس، وسيخلّصه هذا الولد من قيوده. وبقي بروميثيوس ثائرًا متحديًّا زيوس يردد: “إنني لا أخشى مشيئة زيوس ولا أقيم لها وزنًا.. فليتجبّر كيف شاء، سلطانه”.
وأتى “هرمز” رسول “زيوس” يحمل رسالة لبروميثيوس. ونسمعهما عند تلك الصخور الحادة في عمق الزمن، يعيدان شعر اسخيلوس:
هرمز: أنت يا سارق النار.. إن أبي يأمرك أن تنبئ عن هذا السيد الباطش، الذي سوف يطيح به من عرش ملكوته.
بروميثيوس: أمرٌ عال يفيض بالكبرياء، ويرن بالخيلاء حسبما يليق برسول الآلهة.. إيه أيها الأرباب الصغار.. يا لكبريائكم الجوفاء الصادرة عن سلطان لا سند له.
أتظنون أن عروشكم الرفيعة لن تنالها يد الحدثان؟ ألم أشهد من مراقي هذه إلى جبّارين، قُذف بهما إلى الحضيض؟ بلى وسيتبعهما ثالث وشيكًا.. وسأرى ذلك بعيني هاتين.. أفتحسب أنت هذه الأرباب اليوافع تستطيع أن تفزعني أو تقذف الرعب في قلبي.
هرمز: يا للجنون الذي تجاوز كل حد.
بروميثيوس: إن تكن بغضائي لذلك العدو المجرد من الرحمة، جنونًا، فلا يضرني أن أكون مجنونًا.
وينزل زيوس صواعقه ببروميثيوس، فلا يلين ولا يطلب الرحمة.
وتأتي الحلقة الثالثة لترينا كيف أن “يو” ولدت هرقل، وأن هرقل خلّص بروميثيوس. القوة والشجاعة والتمرّد، الدفاع عن الحق، ونصرة المستضعفين، خلّصه من قيوده وأغلاله، بعد أن قتل النسر الإلهي الذي كان ينهش قلبه. وليس أروع من هذا الجلال الذي تفيض به مسرحية بروميثيوس.
الوقوف بصمود وشموخ على الرغم من الألم، على الرغم من الوحدة والوحشة والهجران، في وجه الطاغية الظالم عدو الحياة، سارق الحرية، مغتصب حق الإنسان في أن يعيش حياة حرة كريمة، حياة رغَد وسعادة، في ظلال المعرفة، والعلم، ومقومات التقدم. ويمتزج بروميثيوس بالإنسان وقضيته، بحياته وسعادته وحريته، وبثورته على الظلم والقهر والطغيان. وتقف قوتان تتصارعان على الرغم من القيود والأغلال التي تطوق بروميثيوس.. ونرى في عمق الزمان قوتين كانتا تتصارعان في ذهن اسخيلوس الشاعر المقاتل الثائر.. بل هما الفكرتان اللتان سيطرتا على المأساة الحقة.. المأساة الجليلة “التراجيديا”، وهما علاقة الألهة بالإنسان وصراعهما إن صح التعبير، أي ” الآلهة والإنسان”، وعلاقة كل منهما بالآخر، وحدود تلك العلاقة. هما فكرتان رئيستان في كثير من تلك النصوص التراجيدية. ونحس في مسرحية بروميثيوس أن بروميثيوس امتزج بالإنسان، بكل مصفّد، ومن خلفه جموع البشر، يتحدى الآلهة الظالمة ـ ومن في حكمها ـ التي ثار ثائرها في السماء، فأخذت رسلُها تنزل على بروميثيوس العنيد، منذرة مهددة، متوعدة.. وهو يأبى الانصياع والطاعة والخضوع للظلم. ثم يفقد زيوس ملك السماء أعصابه فينزل صواعقه، وتلتمع بروقه، وتقصف رعوده.. ولكن دون جدوى، فبروميثيوس مؤمن بعدالة قضيته ومصمم على الصمود، وهو في الوقت ذاته يهدد كبير الآلهة وينذره. وهكذا يصبح بروميثيوس قدر زيوس، أويد القدر التي تحاول أن تصل إليه. وما بروميثيوس إلا غاياته: حب الإنسان، واحترام لحقه في الحرية، والحياة، والعدالة. وهكذا يصبح الإنسان هو قدر الآلهة.. وكلٌ ينتظر مصيره بتحد واضح. فأين الوجوديون وسواهم من اسخيلوس الذي أتى بأفكار أكثر تقدمًا من أفكارهم، في ثورته الفكرية تلك؟ ولكنه عاد بعد أن تمرس بالحياة يرجو، من خلال إيمان قوي، “أن يكون هناك إله واحد يستمع إلى الناس من عرشه الأعلى “بان” أو “زيوس” أو “أبوللو”، مطّلع على الخلق، يعاقب على خرق القانون بالغضب، ويتعقب من خَرقه”. أفيكون اسخيلوس في هذا، أحد تلامذة التوحيد الأخناتوني في اليونان؟!
فعلًا لقد أصاب شليغل حين قال عن بروميثيوس “إن المآسي الأخرى التي أنتجها المؤلفون اليونان مآسٍ عادية، أمّا هذه فهي المأساة الحقة”.
ومن مسرحيات اسخيلوس التي لم تصلنا نذكر: ايفجينا ـ تيليماخوس ـ بالاميدوس ـ المرميدون ـ أغاممنون ـ وزن الروح ـ فيلكتيتوس ـ بينولوبا ـ اسمينيه ـ بنيثوس ـ الباخوسيات ـ الشبان ـ ليكرغوس ـ مرضعات ديونيزوس ـ لايوس ـ أوديبوس ـ وأبو الهول ـ آتاماس ـ هبيبيلوس ـ آرغو.
حاز اسخيلوس على جائزة المسرحية ثلاث عشرة مرة، وانتزع منه مشعل الفن الشاعر سوفوكليس، ففاز هو بالجائزة. اتهم اسخيلوس بأنه كشف أسرار الطقوس الدينية، وحاول الجمهور الإثيني قتله على ذلك، في أثناء عرضه لإحدى مسرحياته.. ولكن أخاه تقدم فكشف عن ساعد اسخيلوس، وأراهم القطعة الكبيرة من لحم أخيه التي ذهبت في معركة سلامين، وذكَّرهم بأنه خاض معركتي مرثون وسلامين، وكان بطلًا. فهدأت ثورتهم، ولم ينفذوا فيه الأمر الذي كان يُنفَّذ في كل من يُتهم بالزندقة، في ذلك الوقت، ألا وهو الموت.
قيل عن اسخيلوس أنه كان ماجنًا عربيدًا، وأنه مات في صقلية ميتة غريبة، تشبه الخرافة، أو هي أسطورة يتم تناقلها.. “فقد قتله نسرٌ، بأن ألقى سلحفاة على رأسه الأصلع، لأنه حسبه حجرًا “، على أن ذلك غير مؤكد. وما يمكن القطع به أنه كان شاعرًا فذًّا، فياض الروح، عبقري الوحي باعتراف منافسه الشاعر سوفوكليس.
لقد كان اسخيلوس يحمل روحًا علويًّا، وحسًّا دينيًّا عميقًا، وشاعرية فياضة، وإيمانًا بالإنسانية لا يحد. وقد لاحظنا في أدبه اهتمامه المباشر بالبطولة وبتخليد انتصارات أبناء وطنه على الأعداء الخارجيين من فرس وطرواديين، وتوضحت بجلاء تأثيرات أدبه في الناس وانعكاسات الأحداث الاجتماعية والسياسية الكبرى في ذلك الأدب، كما رأينا اندفاعاته العنيفة، التي تدعو إلى الثورة ضد الظلم، سواء أظهر من الآلهة أو من البشر، وكيف أنه سجل اعتراضًا لم يسبقه إليه أحد على جور الآلهة، وعلى تصوّرها أو تصويرها بهذا الشكل القاسي المرعب، وأكد على معاني الرحمة والتسامح والحكمة فيها، وعلى ضرورة انعكاس هذه الصفات، وسواها من الصفات الإيجابية، على الناس في حياتهم.

إلى الأعلى