الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: التلويح بتقسيم سوريا قبل أن يكون ابتزازا

رأي الوطن: التلويح بتقسيم سوريا قبل أن يكون ابتزازا

تلويح جون كيري وزير الخارجية الأميركي باتخاذ بلاده مواقف أكثر شراسة بما فيها تقسيم سوريا في حال فشل اتفاق وقف الأعمال العدائية في سوريا، والانتقال السياسي الذي أقرته الأمم المتحدة، لم يكن مثيرًا للدهشة والاستغراب بقدر ما يؤكد المدى الذي وصلت إليه السياسة الأميركية من الوقاحة، وعدم المسؤولية السياسية ولا الأخلاقية التي يتمتع بها كثير من الساسة الأميركيين طوال تاريخ الولايات المتحدة.
وحين نقول إن مثل هذه التصريحات المبنية على العداء وأساليب الابتزاز والتحايل واللف والدوران والضحك على الذقون لا تعبِّر عن مسؤولية سياسية، ذلك أن الولايات المتحدة ليس واردًا في سياساتها الحل السياسي للأزمة السورية، وإنما تحاول أن تمهد الأرضية للإدارة الأميركية القادمة (قد تكون جمهورية) لبعثرة كل التفاهمات التي حاولت إدارة أوباما مسايرة روسيا الاتحادية وبقية حلفاء سوريا في أكثر من مفاصل الأزمة، مرتدية ثوب الراغب لحل الأزمة، بينما ما تحت الثوب كل الشرور والموبقات والدسائس المبيتة ضد سوريا وحتى حلفائها، أو على الأقل تحاول إدارة أوباما إيجاد مداخل يمكن للإدارة القادمة أن تمسك بزمام المبادرة وتقود الجميع في ملف الأزمة السورية.
وحين نقول إن هذه التصريحات المبتزة تعبر عن عدم تحلي السياسة الأميركية بالمسؤولية الأخلاقية، فإن المآسي والكوارث الإنسانية المحدقة بالشعب السوري هي التي تفضح هذه الحقيقة للسياسة الأميركية. فمن المؤكد أن أعداء سوريا الذين يتخندقون في الخندق الصهيو ـ أميركي تلقفوا تلويح كيري بتقسيمها يتبادلون نخب دماء الشعب السوري الذي سفكوه ولا يزالون، ولطالما سعى هؤلاء الأعداء الذين اتخذوا من شعارات “مساعدة الشعب السوري، ودعمه حتى تحقيق تطلعاته وإقامته دولة سورية ديمقراطية مدنية موحدة، تتمتع بالسيادة والاستقلالية” غطاء على مشاريعهم وأهدافهم الخبيثة الاستعمارية، فإنهم يلهجون بالثناء ويقبِّلون أقدام كيري على تصريحاته هذه.
صحيح أن تلويح كيري بتقسيم سوريا أو ما أسماه بالخطة “ب” ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير سواء ضد سوريا أو أي قطر عربي آخر ما دامت مؤامرة “الربيع العربي” أُعِدَّت لإعادة رسم خريطة المنطقة بين القوى الاستعمارية بقيادة الولايات المتحدة وحليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الإسرائيلي، من أجل تأمين بقاء مشروع الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة وضمان تمدده وهيمنته على المنطقة بأكملها، فقد سبق جو بايدن نائب الرئيس الأميركي وأن أعلن عن مشروع تقسيم العراق، في حين تمضي محاولات تقسيم ليبيا. إلا أن هذا التلويح هو بمثابة ضوء أخضر للعصابات الإرهابية وداعميها، ويحمل إشارة واضحة للوكلاء والعملاء والأدوات بأن السلوك الإسرائيلي في عملية التفاوض مع الجانب الفلسطيني هو المعتمد أميركيًّا في ملف الأزمة السورية، وبالتالي بإمكان العصابات الإرهابية وداعميها التأقلم وإعادة التموضع؛ ولذلك ما صرح به الرئيس الأميركي باراك أوباما في المؤتمر الصحفي أمس الأول من أن “وقف الهجمات مرتبط بوفاء “النظام” السوري، وروسيا لالتزاماتهما وفق الاتفاق” هو موقف لا يخرج عن السياق الأميركي العام الساعي دائمًا إلى التسويف والمماطلة والإفشال ورمي الاتهام بالفشل تجاه روسيا وسوريا.
إذًا، تلويح الولايات المتحدة بتقسيم سوريا بقدر ما يؤكد أسلوب الابتزاز وصفة عدم الالتزام والعداء، بقدر ما يؤكد أنه مشروع صهيو ـ أميركي، وأن الأميركي كعادته يتقن النفاق واللف والدوران في مسعى لتدوير الزوايا ليصل إلى ما يمكنه من تحقيق ما يريد.

إلى الأعلى