الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / البنية المدحية في الشعر العماني (4)

البنية المدحية في الشعر العماني (4)

وفاء الشامسية
ذكرنا في المقال السابق بعضا من التفصيل الموجز فيما يتعلق بالموسيقى الشعرية والوزن والقافية التي اتسمت بها البنية الداخلية للقصيدة المدحية في الشعر العماني، أضف إلى ذلك أن هناك سمات تميزت بها البنى الداخلية للقصيدة على مستوى الإيقاع، والمعاني، والمحسنات اللفظية والمعنوية، وصولا إلى العاطفة.
حيث نجد إن بعض قصائد الشعراء العمانيين في المدح قد حققت نظرية التوافق بين الموضوع الشعري والبحر العروضي فيما يتعلق بالإيقاع، فمثلا نجد الغشري (سعيد بن محمد بن راشد بن بشير الخليلي الخروصي) ممتدحا الإمام أحمد بن سعيد قائلا:
قل للامام بلغت المجد غايته بوركت من سيدٍ في العالم البشري
كفاك فخراً غداة الفرس قادمة تسعى بجيش كمثل الليل معتكر
كادت عمان يد الأعداء تأسرها لولا عـزائمه جاءت على قدر
قل للامام بأن قد سرت منتكباً أمراً جـليلاً وفيه غاية الخطر
اسلك طريقة أهل العدل من سلف كالصاحبين أبي بكر كذا عمر

وهذه القصيدة من بحر البسيط، وهو عند أصحاب هذه النظرية يتناسب مع فن المديح؛ لأنه بحر شعري يحوي كما كبيرا من الموسيقى داخل البيت الواحد مما يؤدي إلى طول النفس الذي يتناسب مع ذكر فضائل الممدوح الكثيرة، ويتناسب مع تعداد صفاته ورصدها. كما أن الشاعر اختار في هذه القصيدة روي الراء؛ وهو حرف به شدة تتناسب مع شجاعة الممدوح وتتلاءم مع مخاطرته التي صورها الشاعر داخل القصيدة ، كما أن هذا الشاعر استخدم حرف المد أو اللين “الألف” بوفرة في حشو كل بيت من الأبيات المذكورة؛ لأن هذا الحرف فيه طول النفس كما أنه يتناسب مع التغني بمدح الممدوح. وهكذا تحققت في قصيدة المدح العمانية نظرية العلاقة بين الموضوع الشعري والبحر العروضي.
أما من حيث المعاني فقد عبرت في العصر النبهاني وعصر اليعاربة عن بطولات بني نبهان واليعاربة ومعاركهم الحربية، ولكنها كانت معاني مستهلكة تعبر عن عاطفة فاترة؛ وذلك بسبب اعتمادهم الكبير على المحسنات البديعة. أما في عصر الدولة البوسعيدية فقد كانت المعاني تدور حول القيم الرفيعة من كرم وشجاعة وهيبة وعدل وتوحيد للصفوف وقيادة حكيمة، وظهرت كذلك المعاني الدينية. من ذلك قصيدة أبي مسلم في مدح الإمام سالم بن راشد الخروصي (1913 – 1920) والتي أرسلها من زنجبار, والمسماة (بالفتح والرضوان في السيف والإيمان):
جاءتْ إمامتُهُ والأرضُ مظلمةٌ والناسُ فوضى وأهلُ الجودِ ذوبانُ
فأشرَق العدلُ في أرجائها ولقى عزّ الـمفاسد إرهـاقٌ وإيهـانُ
جاءته ما كان بِدعْاً من أئمتِها مَـنْ جـدُّهُ ابـن تميـم المجدِ عـزانُ
إلى أن يقول :
يا سالمَ الدينِ والدنيا (ابن راشد) خُذ أمـانةَ اللَّـهِ والأقـدارُ أعوانُ
أنتَ الضليعُ بها حِـمْلاً وتأديةً إذْ كانَ أمرُكَ تدبيرٌ وإتقانُ

بينما نجد أن القصيدة المدحية زخرت بالتشبيهات مما يدل على ما كان يتمتع به الشاعر العماني من خيال واسع ودقة ملاحظة ورهافة حس، وقد حفلت أشعار العمانيين بهذه التشبيهات التي ظهرت فيها الدقة وشرف المعنى، وقد ضاعف من حسنها تحريكها النفس إلى المقصود منها. يقول ابن شيخان في مدح فيصل بن تركي:
كأن يد السلطان فيصل لجة تدفق للغـــــادين سيب عطاها
كأن محياه كسا الشمس حلة من الحسن حتى صار نور ضحاها
كما ظهر الاقتباس بشكل واضح في شعر عصر الدولة البوسعيدية وذلك بسبب تأثرهم بالثقافة الدينية. ومثال ذلك ما قاله أبو حمزة حين اقتبس من القرآن الكريم قوله حكاية عن يوم القيامة:
يزف إلى جنة عرضــــــها كعرض الســماء وعرض البلاد
مشيرا إلى قوله تعالى”وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين”.
وقد تأثر الشعراء العمانيون بمن سبقهم من الشعراء القدامى في تضمينهم معاني أشعارهم، وأحيانا أنصاف أبيات؛ ويعود ذلك إلى كثرة قراءتهم لأشعار السابقين وحفظهم وتدارسهم لها. ومن الشعراء الذين تأثر بهم الشعراء العمانيون طرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، والإمام الشافعي. ومن التضمين قول الشاعر العماني علي بن سالم الرواحي :
هل غادر الشعراء من متردمِ أم أورقت أنثى الغمامِ على فمي
وقد اهتم بعض الشعراء بالجناس والطباق في أشعارهم واعتبروه مقياسا للحكم على جودة الشعر وبلاغة الشاعر، ولقد ظهر هذا المنزع منذ عهد النباهنة واستمر حتى بداية عهد الدولة البوسعيدية، والحق أن اعتداد الشعراء بوجه المحسنات البديعية، وإفراطهم في استخدامها لهو دليل على افتقاد الشعر لروح الأصالة والجدة، وخلوه من أوجه الحسن مما يزيد من ضعفه. من مثل ذلك ما قاله الشاعر راشد بن سعيد العبسي في مدح أبي نبهان:
أسنا الأحبة أنت يا أسما وأشم أنـــف أنفك الشــــما
كما كان للاستعارة أثر كبير في تصوير العواطف والأحاسيس تصويرا دقيقا قادرا على نقلها إلى السامع في وضع مؤثر. وإذا كانت الاستعارة بأن يكون للشيء ما يوافقه في الحس والشعور النفسي فهي كذلك في كثير من الشعر، إلا أن الاستعارة بين الطرفين بدت واهية في نماذج مختلفة، ومثل ذلك ما عبر به “ابن رزيق” عن انفعال الفكر وتأثره بممدوحه فجعله كطحن الشيء وعجنه في مثل قوله عن قصائده في الممدوح:
طحنت رحى فكري جواهره لكم حبا وودكم لــه مني عجن
أما العاطفة فقد اتسمت في شعر عصر النباهنة واليعاربة وحتى بداية عصر الدولة البوسعيدية بأنها خالية من الصدق وذلك بسبب اعتماد الشعراء على المحسنات البديعية التي أفقدت الشعر روح الأصالة ولكن ما لبثت هذه النزعة أن ضعفت حينما تحرر الشعر من القيود اللفظية والمحسنات البديعية.

إلى الأعلى