الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / طالب دويك يتجول بين ثنايا الذاكرة ليبوح بما في جرابها
طالب دويك يتجول بين ثنايا الذاكرة ليبوح بما في جرابها

طالب دويك يتجول بين ثنايا الذاكرة ليبوح بما في جرابها

لعلّ محاولة استعادة لحظات مهمة وبارزة يختزنها جراب الذاكرة يجعلني كقارئة لأي اثر فني ارتاد متاهة متشعبة المسالك ومتشابكة الخطى، أتوقف حينا وأتنقل أحيانا أخرى وهذا ربما لأننا نعيش زمن اللانظام على مستوى الأحداث والإيقاع، فتراه يغرق في الحنين تارة وطورا يتماهى مع اللادلالة واللاحدود ، لأن الذاكرة انتقائية بطبعها وليست موضوعية فلا تقودنا بالضرورة إلى مرافئ محددة وواضحة المعالم.
لعلّ أكثر ما يكثف الرؤية و يزود الفنان بمنابع خصبة هو ارتباط أثره الفني بفضاءات المدن حيث يعيش في جنباتها ردحا من الزمن يتبنى من خلالها مخزونا بصريا وفكريا ثريا قد لا ينتبه إليه أثناء تراكمه، بقدر ما يدغدغه و يدق إليه ناقوس الحنين عندما يكون بصدد إنتاج عمل فني. وهذا ما أحسسته وأنا بصدد أعمال الفنان الفلسطيني طالب دويك، أعمال شدتني لما فيها من حنين للمكان ،للقضية ، للإنسان الذي أصبح عملة نادرة الوجود هذه الأيام.
طالب دويك فنان فلسطيني نشأ حبه للفن منذ طفولته فكانت معظم كتبه ودفاتره المدرسية حبلى بما تخطها دواخله من رسومات ومن هناك ولدت موهبته التي شجعه عليها شقيقه. وبسبب قساوة الظروف المادية لم يستطع إكمال دراسته لولا المنحة الدراسية التي تحصل عليها فالتحق بمصر لمتابعة تكوينه الفني تخرج منها عام 1977 وعاد إلى أرض الوطن ليدرّس الفنون بها وانضم إلى جمعية الفنانين التشكيليين هناك، تعرض والعديد من زملائه إلى مضايقات من الكيان الصهيوني بغلق المعارض ومصادرة الأعمال التي كانت نوعا من أنواع المقاومة .
القارئ لأعمال هذا الفنان يلاحظ ولعه الشديد بمدينته القدس والتي كانت حاضرة في جلّ أعماله بطريقة مباشرة وأخرى غير مباشرة، حيث عاش طفولته في حاراتها وبين أزقتها وكان قريبا من المسجد الأقصى، وللأسف لما احتلت القدس سنة 1967 طرد من بيته مع عائلته و حمل في داخله حزنا دفينا ولكن في المقابل أيضا ذكريات وتفاصيل المكان لأنه ليس مجرد مكان ذي حيز وأسماء معروفة، بل القدس بالنسبة له هي فضاء آهل بالشخوص والعبارات والأحداث، هي لحظات سعادة وحزن. هذه الذكريات تسربت إلى أعماقه واستوطنت ثنايا ذاكرته “فأسماء الأشياء تتغير و لكن صفاتها تبقى، وهكذا يكون للماضي صلة بالحاضر، لكنها صلة خفية و غير مرئية، إنها تشبه الأسرار التي تتفتح وتقدم لك المفاجأة”(1) فلم يعد يستطيع طالب دويك أن ينفصل عن صورها الملونة وأزقتها الضيّقة المتأججة بأصوات الجيران ودفء المشاعر رغم طمس الكيان الصهيوني لأغلب ملامحها في محاولة لمحو هويتها، إلا أن البوم ذكريات الفنان ظلّ ثريا يشع باستمرار ويقوض داخله شهوة الحياة وشهوة الإبداع، فترجمت هذه المعاناة الداخلية والذكريات الملتهبة أعمالا فنية مختلفة الأشكال والمحامل والمواد، أعمال مقترنة بصور انتسجت خلسة وهو يعيش في كنفها لحظات أساسية من عمره ،اقترنت القدس في ذاكرته بالطفولة في معناها الواسع والعميق لأنها انعكست في إنتاجه الفني معينا لا ينضب في لحظات مشرقة يستعين بها طالب دويك ليبدد ما يعترضه من كآبة ووحشة واقع القدس اليوم، فيرسمها بألوانه البهيجة متحديا كوابيس الواقع، فتحضر الأشجار والأزهار والربيع بمختلف تجلياته ويحضر المعمار بقبابه والتواءاته ومنحنياته ليترجم جمال البناءات وأصالتها ويحضر المسجد الأقصى شامخا بين البنايات شموخ الجبال معانقا السحاب، ترفرف في أعماله حمامات السلام. كما استقى الفنان رموزه بإتقان من مخزون ذاكرته الثري والذاكرة بمثابة”شريط دقيق ورفيع حلزوني وغير نهائي تكمن في داخله بذور وصور وأفكار تخرج كالومض إلى ساحة اليقظة، يساعد الإدراك والروح المشرقة على اتحادها مع العصر والتيارات الجديدة”(2).
لغة ترميزية بالغة ومعبرة عانق من خلالها فناننا ذكرياته في ذلك المكان الذي استحضره من خلالها، فحدثتنا لوحاته عن علاقته به ومدى ارتباطها من خلال ما ارتسم في المخيلة من أحداث وتفاصيل يصوغها في كل ثنايا وزوايا لوحاته وينقلها لنا بدقة متناهية كأنه سارد ماهر، وهذا يبدو واضحا من خلال لوحاته التي تحكي لنا كل واحدة قصة مختلفة تتوفر فيها كل العوامل والشروط المتاحة من مكان وزمان وشخوص وأحداث، فنرى الصباح والمساء والشروق والغروب، ونرى العمال والأطفال والعائلة، ونرى الحقول والمدينة والأزقة والمساجد. تحيلنا أعماله مباشرة إلى متاهات الذاكرة وعنفوان الطفولة ويفعان الشباب حيث “تساعد العقل على التحليق و تجعله يحرض أعماق الشعور، وفي كثير من الأحيان تجد النفس فيه استقرار وسكينة “(3). عبّر طالب دويك بخطوطه وألوانه وشخوصه وأمكنته …من خلال لمساته عن حبه وتعلقه بقضيته التي تظهر لنا جليّة متضحة المعالم في أعماله قضية ملونة، قضية حالمة، قضية روحية.
المكان في أعمال طالب دويك تجلى خطياّ من خلال حضور المعمار وكل الأشكال التي اختارها، له معها ألف حكاية أو ربما هي حكايات ألف ليلة وليلة، رواها لنا بشغف العاشق شخوصه وحيواناته وطيوره تؤثث مسرحه المكتظ ، الذي احتلت الألوان فيه أدوارا رئيسية عكست بشكل كبير ركحا تدور فيه أحداث بعينها، تعكس حالة الفنان النفسية، حيث خيّم السكون واستعمل ألوانا نوعا ما داكنة كالتي كانت في لوحة القدس ليلا كأنها تبعث إلى هدنة بين الذات والمكان لحظات من السكون تعمّ المكان، لعلّها لحظات تأمل في أن، يتواصل ذلك الهدوء يتحسس من خلالها مشاعره ومدى انتمائه لذلك المكان الهادئ فيستعيد أيام قدس الطفولة الجميلة تلك المباني بقبابها واستداراتاها وتعرجاتها وروائحها وشخوصها.
اهتم في أغلب أعماله بالأبعاد الجمالية للمعمار، كما لا تخلو من شخوص كانت دائمة الحضور في شكل مجموعات وأفراد، جاءت اغلب أعماله بين الحقول والأسواق والمباني القديمة واهتم بتوزيع الضوء وأثره على أشكاله وألوانه، كما كان لحضور الألوان الحارة والمشعة الدور الرئيسي في صياغة أعماله حيث عكست بهجة الحقول والأزهار ولحظات الجني والأعمال الفلاحية، كلما بعثت بنظرك متحولا بين البومات أعماله إلا وسافرت بعيدا في ذاكرة طالب الطفل، طالب الإنسان الحساس بين عالمي الطبيعة والماوراء، حيث عكست أعماله اتحاد الخيال والذاكرة “إن الفن باعتباره غزل بالوجود، واتحاد بالجوهر، يحاول أبدا أن يصل ذاته بالطبيعة، أما الفنان فهو الذي يذهب بعيدا في صنع طبيعته الخاصة، بل يذهب إلى ابعد من ذلك في بناء مدينته التي سيجعل منها وطنا لأحلامه وطريقا لخلاصه وهو إذ يقف إزاء نموذجه الداخلي موقف الشاهد المتأمل، فإنه سيسمح لنفسه في النهاية بان يتجسد معه ليصبحا كلا واحدا دون أن يفقد احدهما تماميته بالآخر”. (4) صنع طالب دويك من خلال أعماله مدينته الفاضلة وقدسه الحقيقية والمنشودة في أن، فكانت لوحاته مسرحه الذي تلاعب فيه بالألوان والخطوط والشخوص والأحداث فشطحت لوحاته وامتدت إلى فترة طفولته فلاطف ثنايا المكان وعايش أجزائه وتاريخه ورسم ملامح تجربة عميقة أحسست وأنا بصدد قراءتها بالبهجة والأمل اللذين يسكنان هذه الذات التواقة للإبداع المعنى.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

* هوامش :

*(1) محمد ابو زريق -المكان في الفن- مطبعة السفير عمّان -2003-ص102
*(2) مصطفى علي -شكل الذاكرة -دار الثقافة و الاعلام الشارقة -ص93
*(3) مصطفى علي -شكل الذاكرة -دار الثقافة و الاعلام الشارقة ص 102
*(4) محمد ابو زريق -المكان في الفن- مطبعة السفير عمّان-2003- ص 175

إلى الأعلى