الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / آمال عوّاد رضوان لـ “أشرعة” : صوري الشعرية موشومة بالصمت وبقشعريرة الهمس، تتسامى تواضعا وتتعالى روحانية
آمال عوّاد رضوان لـ “أشرعة” : صوري الشعرية موشومة بالصمت وبقشعريرة الهمس، تتسامى تواضعا وتتعالى روحانية

آمال عوّاد رضوان لـ “أشرعة” : صوري الشعرية موشومة بالصمت وبقشعريرة الهمس، تتسامى تواضعا وتتعالى روحانية

الشعر الفلسطيني لا يزال مرهونا بالحدث والظرف وبمستوى الاستقرار في الشّارع الفلسطيني
دمشق ـ وحيد تاجا :
تقول الشاعرة آمال عوّاد رضوان عن الصور الشعرية الصوفية في قصائدها: ” صُوري الشّعريّةُ موْشومةٌ بالصمتِ وبقشعريرةِ الهمسِ، تعتنقُ الحُبَّ، تتسامى تواضُعًا وتتعالى روحانيّةً”. وحول الإغراق في الترميز تضيف في حوار شيق مع ” أشرعة” : الترميزُ يُساهمُ بارتقاءِ شِعريّةِ القصيدة أيضًا، ويُعمّقُ دلالاتِ المَعنى والفِكرِ والواقعِ والفنِّ بصُوَرٍ مَجازيّةٍ إبداعيّةٍ” .. وعن إيحاءاتٌ جنسيّةٌ في نصوصها، وهي ابنة وزوجة رجلي دين، تؤكد ” إن تبدّتْ إيحاءاتٌ جنسيّةٌ أو شهوانيّة في نصوصي، فما استخدامي لها إلّا توظيف إبداعي، ليس بهدفِ الإغواءِ والإغراء وتحريكِ الشهوات الجسديّة، إنّما لإيصال فكرةٍ عميقةٍ ومعانٍ بعيدةٍ تخدمانِ النصّ.
وعن المشهدَ الشّعريّ الفلسطينيَّ في الداخل (أراضي الـ 48) ، حيث تقيم، تقول :” المشهدُ الثقافيُّ في اراضي الـ 48 مُستقلٌّ تمامًا عن أيّةِ مؤسّسةٍ سياسيّةٍ، فالمثقف الفلسطينيّ جعلهُ في المرتبةِ الأولى، وجعلَ السّياسةَ في المرتبةِ الثانيةِ”.

والشَّاعرةُ والأديبةُ “آمال عوّاد رضوان” من سكان “عبلِّين” الجليل الغربي- قضاء عكا، تعملُ في مهنةِ التدريس، وتكتبُ الشِّعرَ والأدبَ والدراسات. حصلت على العديدِ من الجوائز الأدبيَّة الدولية. صدر لها في قصائد النثر: “بسمة لوزية تتوهج” ، “سلامي لك مطرًا” ، “رحلة إلى عنوان مفقود” ، “أُدَمـْـوِزُكِ.. وَتتعَشْترِين” . وكتاب: “رؤى/ مقالاتٌ اجتماعية ثقافية من مشاهد الحياة” ـ وكتاب “حتفي يترامى على حدود نزفي”- وبالمشاركة مع الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة صدرت كتب “الإشراقةُ المُجنّحةُ” و”لحظة البيت الأوّل من القصيدة” و”شهادات لـ 131 شاعرا من العالم العربيّ”. و”نوارس مِن البحر البعيد القريب” و”المشهد الشّعريّ الجديد في فلسطين المحتلة 1948″ ، و”محمود درويش صورة الشّاعر بعيون فلسطينية خضراء ” ، وصدرَ عن شعرها: من أعماق القول – قراءة نقدية في شعر آمال عوّاد رضوان – الناقد: عبد المجيد عامر اطميزة. وكتاب باللغة الفارسية: بَعِيدًا عَنِ الْقَارِبِ إعداد وترجمة جَمَال النصاري وكتاب استنطاق النص الشعري (امال عواد رضوان انموذجا) للناقد العراقي علوان السلمان ..

بدايةً، هل يُمكنُ إعطاؤُنا لمحةً عن البداياتِ والمُؤثّراتِ الّتي لعبَتْ دوْرًا في توجُّهِكِ إلى الشّعر، ومَن هُمُ الشّعراءُ الّذينَ كانوا مَصدرَ إلهامِكِ؟

عِشقي لقصائد فليمون والأغاني الرّحبانيّةِ الرّشيقة كان يَستهويني، وصوتُ فيروز الحالمُ يَكادُ يُكبّلُني، ويَجعلُني مذ كنتُ طفلةً، أتَعلّقُ به دونَ إذنٍ منّي ودونَ فَكاك منه، فكنتُ أعشقُ النغمةَ الراقصةَ على أوتارِ الكلمةِ، وفي مَرحلةِ خفقةِ الحُبّ العذراء، بدأتْ فراخُ القلبِ تَتملمَلُ في عُشِّها، وتُزقزقُ فرحَها وجُوعَها، وصارتْ فيروزُ تتعملقُ في وجداني كإلهةٍ أسطوريّةٍ، تُغطّسُني بكلماتِ جبران خليل جبران حينًا، وتُعمّدني بأشجان الأخطلِ الصّغيرِ بشارة الخوري العاشقةِ حينًا، وتوردُني في مركبةٍ سماويّةٍ إلى أعماقِ محيطاتٍ حزينةٍ تارةً، وتُعليني صوْبَ ملكوتِ الفردوسِ بهجةً، فأهبطُ وأُحَلّقُ مُسَيَّرةً ودونَ وعيٍ، ثمّ تمسَحُني بنورِ الكلمةِ وبزيتِ النغمةِ، فتُبصرُ روحي نورًا مُغايرًا، مَغموسًا بنكهةِ الطبيعةِ والحزن والدمعة، لا يُدركُهُ، إلّا مَن يَعشقُ الحياةَ موسيقًى وعزفًا وغناءً!

تُجبرينَ القارئَ على التّوقُّفِ مَليًّا أمامَ عناوينِ قصائدِكِ: (خُرَّافَةُ فَرَحٍ، حورِيَّةٌ تَقْتاتُ مِنْ ضِرْعِ النُّجومِ، سَماوِيَّةُ غُوايَتي، فِتْنَةُ رُؤًى عَذْراء، نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ، أنّى يُبَلِّلُني غُبارُ التَّثاؤُبِ جَذِلا.. الخ). كيفَ تختارينَ هذه العناوين؟ وهل يُشكّلُ العنوانُ مَدخلًا لِلقصيدةِ عندكِ؟

العنوانُ هو المَدخلُ للنّصّ والبابُ اللّائقُ بهِ مَكانًا وزمانًا وحضورًا، فحين تدخلُ إلى قصرٍ أو كوخٍ أو بنيانٍ عتيقٍ أو حديثٍ، فلا بدّ وأن يكونَ المَدخلُ مُتناسِقًا مع نوعِ البنيانِ وجَماليّاتِهِ وتُحَفِهِ وبَساطتِهِ وظمَتِهِ، فالمَدخلُ وكلُّ ما فيهِ مِن أثاثٍ يوحي بجَمالِ البنيان وبتَناسُقٍ مُتكامِلٍ، وهذا التناسُقُ يَبعثُ على جَماليّةٍ خاصّةٍ مُريحةٍ للعينِ وللقلبِ وللرّوح. العنوانُ هو الحمّالُ لجسدِ النّصِّ الإبداعيّ، وهو ليسَ جزءًا مُنفصِلًا ومنفصِمًا مَقصِيًّا عنه أبدًا، فغرابةُ العنوانِ تَشي حتمًا بغرابةِ النصّ، وتُفضي إلى مَضمونِهِ، لأنّ الجزءَ يُكمّلُ اللوحةَ الفسيفسائيّةَ، ويُوحي إلى حدٍّ كبيرٍ بما يَتضمّنُهُ، فالعنوانُ هو مفتاحُ النّصّ وأولى عتباتِه، وقد يكون طُعْمًا مُغريًا للقارئِ، إذ لهُ وظيفةٌ دلاليّةٌ بإشاراتِهِ المُضمَرةِ غيرِ الصّريحةِ، تُميّزُ النّصَّ والشاعرَ في آنٍ، كما يَستفزُّ القارئَ، ويَدفعُ به الى التّحليلِ والتأويل والكشفِ عن فحوى النصّ ومضمونِهِ.

تبدينَ في القصيدةِ وكأنّكِ تنحتينَ في اللغةِ نحتًا، وغالبًا ما تلجَئينَ لاستخدام بعضِ المُفرداتِ غيرِ المَعروفةِ أو غير المَألوفةِ.. لماذا؟

عادةً ما تحملُ اللغةُ عدّةَ دلالاتٍ ومَعانٍ واضحةٍ في السّياقِ المُباشِرِ التّقريريّ، ولكن، في الشّعر والإبداعِ يَختلفُ الأمرُ تمامًا، فبعيدًا عن اللغةِ الفجّةِ، يستخدمُ الشاعرُ لغةَ الإيجازِ، والتّكثيف اللغويّ، والرّمزِ السّيميائيّ، وذلك، تفاديًا للتّكرار والمباشَرَة والمَلل والوقوع في الروتين. وكي لا يكونَ النّصُّ مَمْجوجًا، يُكثِرُ الشاعرُ مِنَ الألفاظِ المُتواردةِ والمُترادفةِ، وأجملُها ما تزيّى ببلاغةٍ واستعاراتٍ، ومُحسِّناتٍ لغويّةٍ مَجازيّةٍ إبداعيّة، فالمبدعُ الحقيقيُّ انتقائيٌّ لغويًّا وفنيًّا، يَحرصُ بشدّةٍ أنْ يَنتقي دُرَرَ مُفرداتِهِ ليُرصِّعَ بها نصَّهُ، فلا يَكتفي بأنْ تُسعِفَهُ اللّغةُ بطواعيّةٍ وسلاسةٍ ولباقةٍ ومَهارة، بل ويُهندِسُها، ويُصمّمُها، ويَنحتُها بدقّةٍ وبذائقةٍ عاليةٍ، ليَزدان هو بها أوّلا، ولاحقا ليَزدادَ النّصُّ بها طلاوةً في السّياق، وحُسْنًا في اللحاق.
شخصيًّا؛ أحسُّ بمُتعةٍ خاصّةٍ حينَ تتلبّسُني مُفردةٌ مُشتقّةٌ غيرُ مألوفةٍ، تخدمُ النّصَّ بهارمونيا شعريّةٍ وانسجامٍ دونَ نشازٍ أو نفورٍ، فعنوان ديواني (أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِينَ)، هو مِثالٌ حيٌّ على اللّامألوفِ مِنَ اللّغةِ، باشتقاق: أُدَمْوِزُكِ مِن كلمة “دموزي”، وتَتَعَشْتَرِينَ مِنَ كلمةِ “عشتار”. قد تكونُ هذه الاشتقاقاتُ مُستهجَنة، مستغرَبة، غيرُ مُستساغَة، .. الخ، أو العكس، فالأمرُ مَنوطٌ بذائقةِ المُتلقّي.

هناكَ إغراقٌ للقصيدةِ بالغموضِ والرّمزيّة، حتّى إنّ بعضَ النقّادِ يَعتبرُكِ “مِن أنجحِ الشّعراءِ الّذين أغرَقوا أنفسَهم في استخدامِهم الرّموز”.. ؟

الترميزُ هو أحدُ الأساليبِ الشّعريّةِ بفنيّتِهِ البلاغيّةِ الشفيفةِ، خاصّةً في الشّعرِ الصّوفيّ القديم والشعر المُعاصر، إذ يتخطّى الواقعَ ويتجاوزُهُ، وينتشلُ أحاسيسَ الشاعرِ المتراكمةَ الغائرةَ في همومِها في الما وراءَ الأكمةِ، ليَرتقي بها فوقَ الواقعِ المادّيِّ، وصوْبَ المَداركِ المِثاليّةِ الحالمة!
الترميزُ يُساهمُ بارتقاءِ شِعريّةِ القصيدة أيضًا، ويُعمّقُ دلالاتِ المَعنى والفِكرِ والواقعِ والفنِّ بصُوَرٍ مَجازيّةٍ إبداعيّةٍ، وبإيماءاتٍ إيحائيّةٍ مُبتكَرة، ويُضفي جَماليّةً شِعريّةً وتأثيرًا مُدهِشًا على المُتلقي. الرّمزُ بنسيجِهِ وبشتّى أبعادِهِ وسياقاتِهِ (أسطوريًّا، تاريخيًّا، ثقافيًّا، تراثيًّا.. إلخ)، هو سِمةٌ جليّةٌ موحِيةٌ في القصيدة، وعنصرٌ جوهريٌّ يَتفاوتُ بعُمقِهِ وتوْظيفِهِ ما بينَ شاعرٍ وآخرَ، وبحسبِ قاموسِهِ اللّغويّ والفنّيّ، فالقصيدةُ الرمزيّة لها مفاتيحُها، تحتاجُ إلى رويّة المتلقي، لأنّها لا تُسلّمُهُ نفسَها مِن القراءةِ الأولى، بل تَصدمُهُ وتستوقفُهُ عدّةَ مرّاتٍ، والنّصوصُ تَظلّ غامضةً ضبابيّةً، وتبقى مُوصَدةَ المَنافذِ أمامَ المُتلقي لا يُمكنُ وُلوجَ عالمِها، إنْ لم تكنْ لهُ ثقافةٌ واسعةٌ، تُمكّنُهُ من حيازةِ هذهِ المَفاتيح، وهنا يأتي دوْرُ النقدِ كوسيطٍ، وكمساعدٍ في التبسيطِ والتحليلِ والتثقيفِ. وانتصارًا لفنّيّةِ قصيدة النثرِ، تَحضرُني مَقولةُ أبي تمّام حينَ سُئلَ: لماذا لا تقول ما يُفهَمُ؟ فأجاب: ولماذا لا تفهمونَ ما يُقال؟ أتمنّى علينا مُبدعين ومُتلقين أن نَخرجَ مِن نمطيّةِ المُباشَرة، والإمساكِ بمفاتيح القصيدةِ بالنثر!

تقولين: أَشتاقُكَ/ أيُّها المَجنون/ إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك/ أَشتاقُك/ وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا كَمايَ/ كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ/ أنادِمُها بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظَر”! ما هو مفهومُ الحُبّ لدى الشاعرة آمال عوّاد رضوان؟

الحُبُّ هو النافذةُ السّماويّةُ الإلهيّةُ الساميةُ الخالدةُ، التي أُطِلُّ مِن خِلالِها على ظلالِ الحياةِ الأرضيّةِ الفانيةِ، وعلى الكوْنِ بأسرارهِ وأفيائِهِ وألوانِهِ ولوحاتِهِ وجَماليّاتهِ السّاحرةِ، وأحتفي صمتًا بالطبيعةِ العذراءِ الفاتنةِ، فأعشقُ الحياةً إيحاءً، وأُهامِسُ الأحياءَ حياءً، في فضاءِ المناجاة والمُساررة، وأُسَبِّحُ الباري. الحبُّ هو مستودعُ الحياةِ الهامسُ. بالحبِّ تُشرقُ الرّوحُ صمتَها همسًا، حفيفًا، حياةً، حياءً، عطاءً، تفانيًا، تسامُحًا، إنسانيّةً، وديمومةً لا دمويّة!

تتساءلين في مقالتك “الأيروتيكيّة مفهومًا- مَبعثًا وتاريخًا” فيما إذا كان: “الاستسلامُ الكلّيُّ للجسدِ الشّبقيِّ، وفتنتِهِ وغوايتِهِ القاتلةِ، يُقدّمُ للكاتبِ وللمجتمعِ الدّفءَ والحنانَ، والاحتماءَ الوجوديَّ، ويَصنعُ الحياةَ بشخصيّاتٍ سويّةٍ، تَعي واجباتها وحقوقَها في إعادةِ التّوازن”. ما رأيك أنتِ؟ مع الإشارة الى وجودِ ايحاءاتٍ جنسيَّةٍ واضحةٍ في العديدِ مِن قصائدِكِ، مثلَ “مرّغوا نهْديَّ بعِطرِهِ الأزرق”؟

في مقالاتي عادةً ما أطرحُ تساؤلاتٍ محوريّة، لأنّ الإجاباتِ قد تخضعُ لائتلافٍ ولاختلافٍ، فحتمًا الإجاباتُ تختلفُ مِن بيئةٍ لبيئةٍ، ومِن ثقافةٍ لثقافة، ومِن مجتمعٍ لمجتمع، ومِن عاداتٍ لعادات، وبالتالي: تتفاوتُ الإجاباتُ، فقد تتقاربُ وقد تتنافرُ، وقد يكونُ فيما بينها هُوّةٌ كبيرةٌ أيضًا، فما يَصلُحُ ويُسمَحُ في بلد ما، قد يكونُ ممنوعًا ومُحرّمًا في بلدٍ آخر. نحن اليومَ في زمنٍ مادّيٍّ وانحلالٍ خلقيّ مُدمّرٍ ودونَ مراقبةٍ، وهناكَ تباهٍ وتسابُقٌ في النصوص الإيروتيكيّة، تُغذّي النفوسَ المريضةَ والأجسادَ بشهوانيّةٍ حيوانيّةٍ عارمةٍ، وتُسوِّقُ الكاتبَ ونصوصَهُ بحرّيّةٍ وانفتاحٍ مُخجليْن للإنسانيّة وللإنسان معًا. وأنا شخصيًّا أنتصرُ لعِفّةِ الرّوحِ وارتقائِها إلى مراتبَ علويّةٍ سماويّةٍ مثاليّةٍ، حتى وإن تبدّتْ إيحاءاتٌ جنسيّةٌ أو شهوانيّة في نصوصي، فما استخدامي لها إلّا توظيفًا إبداعيًّا، ليس بهدفِ الإغواءِ والإغراء وتحريكِ الشهوات الجسديّة، إنّما لإيصال فكرةٍ عميقةٍ ومعانٍ بعيدةٍ تخدمانِ النصّ.
لقد طرحتَ مثالَ قصيدتي “مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الْأَزْرَقِ”! صحيحٌ أنّ العنوانَ فيه إغراءٌ صريحٌ عنيفٌ، لكنّهُ ليسَ رومنسيًّا، بل يَحملُ وجعًا وحشيًّا واغتصابًا، لأنّ كلمةَ مرّغوا ليستْ رومانسيّة، بل فيها إذلالٌ وإهانةٌ، فكيفَ يَستوي التناقضُ ما بين رومانسيّةٍ واغتصابٍ؟ القصيدةُ كتبتُها للعراقِ حينَ سقطَ سقطتَهُ المُدوّية، وطالَ أهلَهُ ما طالَ أهلَ فلسطين مِن قتلٍ وتشريد، فكانت حوريّةُ الأسطورةِ البابليّةِ حاضرةً، حينَ خلعتْ ذيلَها الذهبيَّ على ضفّةِ النّهرِ، ومضَتْ لتستحمَّ في النهر، وحين عادتْ أدركَت مأساتَها في نهْبِ ذيلِها، فلا أمكنَها الغوصُ في النّهر، ولا البقاءُ عاريةً على الضفّة، فتقولُ مستجيرةً:
بِجَنَاحَيْ جُنُونِكَ انْبَثَقْتَ عَائِمًا تُرَفْرِفُ/ اضْطَرَبْتَ هَائِجًا تُهَفْهِفُ/ تَسْتَبِيحُ رُفُوفَ انْشِطَارٍ/ لَكَمْ صَفَّدْتَهُ بِضَيَاعِي الْمُنَمْنَمِ/ كَيْ تَمْتَشِقَ إِغْوَاءَاتِ احْتِضَارِي!/ فَتَائِلُ دَهْشَةٍ/ خَطَفَتْ قُصَاصَاتِ تَوْقِي مَسْحُورَةَ الطَّوْقِ/ سَمَّرْتَنِي/ بَيْنَ وُعُودٍ مُؤَجَّلَةٍ وَجُدرَان تَتَهَاوَى!/ خُطَى رِيحِكَ الضَّرِيرَةُ.. وَشَتْ أَجْنِحَتَكَ/ شَبَّ لَهِيبُهَا فِي اقْتِفَاءِ أَثَرِي/ تَنَيْرَنْتَ!/ تَبَغْدَدْتَ!/ وفِي مَحَافِلِ التَّرَقُّبِ/ احْتَرَفْتَ تَضْمِيدَ حُرُوقِ حُرُوفِي!
ألْسِنَةُ بَوْحِي النَّارِيِّ/ طَلَيْتَهَا بِوَشْوَشَةٍ انْبَجَسَتْ تَسْتَجِيرُ:/ سَرَابُ حُورِيَّةٍ أنَا/ إِلَى مَسَارِبِ الْوَهْمِ أَغْوَانِي/ بِثَوْبِ السَّبَانِي.. سَبَانِي/ بَعْثَرَ وَجْهِيَ فِي ذَاكِرَةِ الْحُجُبِ/ وَابْتَلَعَ ذَيْلِيَ الذَّهَبِيَّ!/ أيَا رُفَقَاءَ الأَسْمَى/ بَوَّابَةُ سَمَائِي مَحْفُوفَةٌ بِهَيَاكِلَ مَجْدٍ/ سَاحَ ضَوْؤُهَا زَرْكَشَةً تَتَجَنَّحُ/ ومَا انْفَكَّتْ بِأَهْدَابِ الذُّهُولِ تَتَمَوَّجُ/ اسْتَنِيرُوا بِي!/ لَدُنِي الْمُقَدَّسُ.. كَمِ ازْدَانَ بِأرْيَاشِ الشَّمْسِ/ وَمُنْتَشِيًا/ تَعَنَّقَ.. نَحْوَ عُشِّ النَّارِ!/ بِسُلَيْمَانَ أَغِيثُونِي/ بِأسْرَابِ جِنِّهِ؛ تَحْفُرُ قَاعَ بَحْرِي أَفْلاَجًا/ تُهْدِينِيهَا.. فِي لَيْلَةِ عِيدِي/ مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ/ لِتَهُزَّ قَلاَئِدَ سَمَائِي غَيْثًا.. يَتَضَوَّعُ حُبًّا/ أيَا رُفَقَاءَ الأَسْمَى/ مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ/ وَزُفُّوا إِلَيَّ.. ذَيْلِيَ الْوَضَّاءَ!
تنيرتَ/ تشبّهتَ بنيرون *تبغددت/ تشبّهتَ بأهل بغداد/ *السّباني نسبة إلى قرية سبن في نواحي بغداد والسّبنية هو أزر أسود للنساء/ *سَباني الثانية تعود إلى السّبي والأسْر

الصّورُ الشّعريّةُ في قصائدِكِ صوفيّةٌ جميلةٌ جدًّا، وهي قمّةُ الإبداعِ في نصّكِ الشعريّ، وكأنّكِ كشاعرةٍ ترَيْنَ روحَ الصّورةِ مُسبَقًا، فتستعيرينَ اللّغةَ لتجسيدِ الصّورةِ في كلماتٍ، فما قوْلُكِ؟

صُوري الشّعريّةُ موْشومةٌ بالصمتِ وبقشعريرةِ الهمسِ، تعتنقُ الحُبَّ، تتسامى تواضُعًا وتتعالى روحانيّةً، تتكدّسُ حيرةً، وتتدافعُ صوبَ آفاقِ الدهشةِ والغرابةِ عبرَ أمكنة وأزمنةٍ مختلفةٍ. صورٌ تنتشي بصدى همسِها، لها هسيسٌ غامضٌ عصيٌّ عنِ البوحِ، ليسَ عجزًا، لكنّهُ سِرُّ هيْبتِها وبَهائِها.
صُوري الشعريّةُ ممسوسةٌ بالعشقِ، مُبلّلةٌ بنكهةٍ مقدّسةٍ، ترقمُ مواجدَها على السّحابِ، ترتعشُ وجدًا، تنتشي صبابةً، وتتستّرُ نبضاتُ الروحِ خلفَ خلجاتٍ مُلتهبةٍ، تتفجّرُ بزيٍّ ترميزيٍّ باذخٍ، لا يتكشّفُ سرُّها ظاهريًّا، بل تتحجّبُ دَلالًا، وتُومئُ غنجًا، فتُلمُّح ولا توضحُ!
صُوري الشّعريّةُ لها مفاتيحٌ ذهبيّةٌ على خارطةِ الحُلمِ والخيالِ، تتجلّى بينَ دَلالاتٍ وإشاراتٍ مَجازيّةٍ، وتتخضّبُ بالشغفِ واللهفةِ، تُفتنُ قارئَها؟ تحيّرُ ناشدَها؟ لا يفهمُها؟ فقط بالبصيرةِ يمكنُ أن يُبصِرَها!

المعروف عن الشاعرة آمال عوّاد رضوان أنّها مِن الشّاعراتِ القلائلِ اللّواتي استطعنَ القبضَ على زمام قصيدةِ النثر. كيف ترَيْنَ واقعَ هذه القصيدة، في وقتٍ ما زالَ هناكَ مَن يُهاجمُ قصيدةَ النثر ويقولُ: إنّها بلا موسيقى؟

قصيدةُ النثرِ لا تزالُ تُواجهُ اعتراضًا كبيرًا ومُحاربةً عنيفةً، لخروجِها عن قوالبِ العروضِ وإيقاعِ البُحور، فشقّتْ طريقها بعشوائيّةٍ تجريبيّةٍ، تتخبّطُ بينَ الرفضِ والقبولِ والنّبذِ، وتحريم إدراجِها كليّا في خانةِ الشّعرِ، الذي يتسيّدُ فيه الشعرُ الكلاسيكيُّ الملتزمُ بالنّظْمِ والعروضِ والقافيةِ والإيقاع والبحور، لكن شعراءَ قصيدةِ النثر المُؤمنين بها حَمَلوها بائتمانٍ وحِرصٍ، وألبَسوها جَماليّاتٍ أخرى تُقنعُ قرّاءَها ونقّادَها، بصورٍ شِعريّةٍ مُدهشةٍ، وتكثيفٍ لغويٍّ، وترميزٍ، ومُحسّناتٍ إبداعيّةٍ صادمةٍ، وإيقاعٍ موسيقيٍّ داخليٍّ هارمونيٍّ، ورسْمٍ حُرٍّ وتصويرٌ بالكلماتِ المقطّعة والموْصولة أفقيًا وعموديًّا ومائلًا، في مساحاتِ النصّ وبحُريّةٍ مُطلقةٍ، فما تنصّلتْ للّغة أو للماضي، بل دأبتْ على توظيفِ الثقافةِ الماضيةِ مِن أساطيرَ وتراثٍ وأدبٍ وتاريخٍ وإلخ في القصيدة، فربطت الحاضرَ بالماضي، واستشرفت المستقبل، وتناولتْ مواضيعَ حياتيّةً عديدةً وجديدةً، بأساليبَ مختلفةٍ ولغةٍ خلّاقةٍ غيرِ ممجوجةٍ، وأومن، أنّها لطالما تتجدّدُ بأساليبها ومَضامينها وابتكاراتِها، فستبقى تتوالدُ شبابًا، ولن تشيخَ أبدًا!

بعدَ أن اكتسبتْ كلُّ الأشكالِ والأساليبِ شرعيّتَها، إلى أين ستتّجهُ القصيدة؟ بمعنى آخر؛ ماذا بعدَ قصيدةِ النثر، لا سيّما وأنّ بعضَ النّقّادِ يَرَوْنَ أنّ الأشكالَ الحديثةَ للقصيدةِ أصبحتْ قديمةً نسبيًّا، وهي بحاجةٍ إلى تجديدٍ؟

أعتقدُ أنّ قصيدةَ النثرِ لم تأخذْ حصّتَها الوافيةَ بعدُ مِنَ الانتشارِ والقبولِ، فهي ليست طفرةً عابرةً قد تنتهي بزمنٍ وأجَلٍ مُحدّديْن، وهي لا تزالُ في مَهْدِها وبداياتِ طريقِها ومَراحلِ تجريبها، وإنْ تفوّقَ بها كثيرونَ، وما زالتْ صالحةَ الشّعريّةِ والتأثيرِ والتّعاطي والإدهاشِ شكلًا ومَضمونًا، وليسَ بمستغربٍ أن تطرأ عليها تجديداتٌ وتطويراتٌ ومُحسِّناتٌ، بفِعل الابتكار والزمن، ولكنّها مستمرّةٌ بقوّةٍ وثباتٍ، وهذا ما سيُحدّدُهُ الآتي والمستقبلُ!

انتقدتِ أكثرَ مِن مرّةٍ مُصطلح “الأدب النسائيّ”. واسمحي لي أن أختلفَ معكِ، فأنا لستُ ضدَّ وجودِ “أدب نسائي”، ولكن هذا لا يعني الإقلالَ مِن قيمةِ المرأة إبداعيًّا، أو تفوُّقَ الرّجل، وبرأيي سيكولوجيًّا: للكتابةِ خصوصيّةٌ تنبُعُ مِن الجنسويّة، وثقافيًّا للمَرأةِ أساليبُ وطُرُقُ تعبيرٍ تُميّزُها، ولُغويًّا: للمرأةِ لغةٌ أنثويّةٌ وخطابٌ، وضميرٌ، وسردٌ أنثويٌ رومانسيّ خاصٌّ مُختلفٌ عن الرّجل!؟

شخصيًّا لا أومنُ بما يُسمّى أدبًا نسويًّا، ولا يصحُّ زجُّ المُبدعِ في خاناتٍ ومُسمّياتٍ وقواقعَ وأقفاصَ تدجينٍ مُحدّدةِ الطّابع، رغمَ ما يَدورُ مِن جدَلٍ يَحتدِمُ ويَتوَعَّرُ منذ الخمسيناتِ، نعم، هُمِّشت المرأةُ خلالَ عصورٍ طويلةٍ، وحين تمرّدتْ وثارتْ على عاداتِ المُجتمعِ الذّكوريِّ ومَفاهيمِ الذُّكوريّةِ في الخمسينات، كان عددُهنّ قليلا، وأمرُهنّ كان مستغرَبًا مستهجَنًا، إذ استرْعَتِ المرأة انتباهَ النُّقّادِ والإعلامِ، فانتشَرَ مُصطلَحُ الأدبِ النّسويِّ كظاهرةٍ، وظهرَتِ المَرأةُ في المَركزِ بصبغة واحدة؛ مُناضِلةً مُناهِضةً مُبدِعةً، أظهَرَتِ الرّجُلَ قاسيًا مُهشّمًا وضعيفًا، مُستغِلًّا مغتصِبًا وعاجزًا جنسيًّا. تلك كانتْ فترةٌ انتقاليّةٌ وانتهَتْ برأيي، لكن اليومَ هناكَ مُبدعاتٌ متحرّراتٌ ومَشهوراتٌ بأعدادٍ كبيرة، يُبدعن بشتّى الميادين والمَجالاتِ، وبعدّة ِأساليب ومواضيعَ مختلفة، وقد أكّدت أبحاثٌ بأنَّ القسمَ الأيْسَرَ من مخَ المرأةِ أكبَرُ حجمًا وأقوى فاعليّةً ممّا لدى الرَّجُلِ، يَشمَلُ مَراكِزَ اللّغةِ، وظائفُهُ الأساسيَّةُ لفظيَّةٌ ومَنطقيّةٌ ومُلتصِقةٌ بالحقائقِ، بينما القِسمُ الأيمنُ الّذي يَتعلّقُ بالمَجالِ البَصريِّ والخَيالِ والأحلامِ، هو أكبَرُ حجْمًا عندَ الذُّكورِ، مَسؤولٌ عنِ الخَيالِ والأساطيرِ والتّفكيرِ الاستعاريِّ والرّمزيِّ، فهل حقًّا الرّجُلُ أكثرَ ميْلًا للأساطيرِ والخيالِ، والمَرأةُ أكثرُ واقعيّةً ومنطقًا ووُضوحًا؟ عِلميًّا، القنطرةُ الّتي تربطُ بين القِسميْنِ، تُحدِثُ التّزاوجَ بين النصفيْنِ، فرَسائلُها أكبرُ حجمًا عندَ الإناثِ، ممّا يُسَهِّلُ عمليّةَ نقْلِ الصُّوَرِ، ويَجعَلُ المَجالَ الإبداعيَّ مَفتوحًا أمامَ النّساءِ بشكلٍ أكبر! لكن المُجتمع يتدخلُ ويَمنعُها ويَقمَعُ حُرّيّتَها، ويجعل من الزّواج مَقبرة المرأةِ المُبدعةِ، لذلك أرى أنَّ المُجتمَعَ يَحتاجُ إلى إعادةِ حِساباتِهِ معَ نفسِهِ، ومعَ المرأةِ في كافّةِ المَجالاتِ، لأنَّ المَرأةَ إنسانٌ وكيانٌ في الدرجة الأولى، لها حضورٌ كبيرٌ في المجتمعِ والكونِ برُمّتِهِ، فقط إنْ أتيحتْ لها الفرصة، بل إن تكمّشتْ بحقّها!

إذا انتقلنا إلى الشّعرِ الفلسطينيّ، هل لنا أنْ نتحدّثَ عن خصوصيّةٍ في الشّعر الفلسطينيّ، ولا سيّما المُعاصرُ منه؟

الشّعرُ الفلسطينيُّ لا زال مرهونًا بالحدَث والظرفِ وبمستوى الاستقرارِ في الشّارع الفلسطينيّ، ولا زال يحكُمُهُ المُتغيّرُ الطارئُ على الواقع الفلسطينيّ، مِن تحوّلاتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ تنعكسُ تلقائيًّا عليهِ، بالرّغم مِن مُحاولاتِ الشّعرِ المُعاصِرِ التّحليقَ في الفضاءِ الإنسانيّ. الشّعرُ الفلسطينيُّ هو خصوصيّةُ الحالةِ المُرتبطةِ بالظّرفِ، والثقافةُ الفلسطينيّةُ هي جزءٌ مِن موْروثٍ نضاليٍّ، ما زالَ يَتحكّمُ بمَعاييرِ الفعلِ الثقافيِّ عامّةً والشّعريِّ خاصّةً، وهذا يتبدّى جليًّا، في الإصرارِ الفلسطينيّ الرّسميِّ في الإبقاءِ على الرّموزِ الثقافيّةِ المُختلفةِ الماضيةِ على رأسِ المَشروع الثقافيّ، وهذا يَحتاجُ إلى قليلٍ مِن تحرُّرٍ وإعادةِ حساباتٍ مَدروسةٍ، لأنّ فيهِ ظلمٌ وإجحافٌ للشعرِ المُعاصرِ وللشّعراء المعاصرين واللّاحقين!

كيفَ تنظرينَ إلى شِعر المقاومة الآن؟ وهل ما زالَ الشّعرُ الفلسطينيُّ شِعرًا مُقاومًا فِعلًا؟

قد يكونُ هناكَ تبايُنٌ في الآراءِ حولَ مفهومِ الشّعرِ المُقاومِ، فمنذ عام النكبة 1948 اختلفتْ آليّاتُ أدبِ المُقاومةِ على مرِّ العقود السبعةِ الماضية. في بدايةِ الحُكم العسكريّ، كانَ الأدبُ المُقاومُ مباشِرًا شعبويًّا، يُمثّلُ بوصلةَ الحالةِ الفلسطينيّةِ، فيتصدّرُ المَنابرَ كمِنصّةٍ إعلاميّةٍ توعويّةٍ تتبنى التوجّهَ الفلسطينيّ، وتُحرّضُّ وتُجيّشُ الحشودَ الفلسطينيّةَ مِن أجل الوحدةِ الوطنيّةِ والصّمودِ. لكن في العقدين الأخيريْن وما بعدَ اتّفاقِ أوسلو، فصارَ الفرقُ هائلًا، ما بينَ مبادئ التّوجُّهِ الفلسطينيِّ العامّ، وما بينَ استراتيجيّةٍ طغتْ على المجموعِ العامّ، وأفرزتْ ثقافتيْن مُختلفتيْن، إحداهُما تتبنّى مشروعَ السّلامِ كثقافةٍ للتّحرّرِ، وأخرى تتبنّى مشروعَ المُقاومة كثقافةٍ للتّحرُّرِ وتقريرِ المَصير. لكن وعلى مرّ العقود ما زال الأدبُ المُقاومُ حاضرًا وبقوّةٍ، حتى وإن غاب عن أدائِهِ المباشر، إلّا أنّه لا يزالُ يُحافظُ على ذاتِ الرّوحيّةِ والمعنويّة بينَ معظم الأدباءِ الفلسطينيّين والشّعبِ الفلسطينيّ في الدّاخلِ والخارج. أسئلةٌ تدورُ حولَ المقاومةِ وآليّاتِها ما بينَ تثبيتٍ وتثبيطٍ: لماذا تبدّلتِ آليّاتُ المقاومة؟ هل الجمهورُ الفلسطينيُّ تَزعزَعَ إيمانُهُ بالأدبِ المُقاوم، وانعدَمت الثقةُ بينَهُ وبينَ الأدباء؟ هل فقدَ الأملَ بسبب التحاقِ جزءٍ مِن الأدباءِ الفلسطينيّين بوظائفَ تشترطُ الإيمانَ بثقافةِ السّلامِ والالتزام بها؟ هل بسببِ معاناةِ الحالةِ الفلسطينيّةِ من الانقسامِ والتّبايُنِ في المواقف التي انعكسَتْ على التوجّهاتِ الفلسطينيّةِ العامّة، مِن قضايا ترتبط بالمقاومةِ وأدب المُقاومةِ، وعلى رأسِها الصّراع العربيّ الإسرائيليّ؟

كيفَ ترَيْنَ المشهدَ الشّعريّ الفلسطينيَّ في الداخل (أراضي الـ 48 و الضفة والقطاع)؟ وأينَ هو مِن حيث المضمونِ والفنّيّةِ مِن الشّعرِ في الشّتات؟

المشهدُ الثقافيُّ في الداخل 48 مُستقلٌّ تمامًا عن أيّةِ مؤسّسةٍ سياسيّةٍ، فالمثقف الفلسطينيّ جعلهُ في المرتبةِ الأولى، وجعلَ السّياسةَ في المرتبةِ الثانيةِ، ويُشدّدُ على انتمائِهِ للغتِهِ ولثقافتِهِ ولقضاياهُ الثقافيّةِ الداخليّةِ. صراعُهُ للحفاظِ على ِ لغتِهِ العربيّة من التذويب والشطب مِن أولويّاتِهِ الوطنيّة، فهي لغتُهُ الأولى كفلسطينيّ، ولغةٌ ثالثةٌ (لإسرائيل)! ويجتهدُ أيضًا في الحفاظ على تراثِهِ الوطنيّ كجزءٍ مِنَ الهُويّةِ الوطنيّة، وهكذا، وفي غيابِ المُمثّلِ الرّسميّ للثقافةِ الوطنيّةِ، صار مُثقّفو الداخل الفلسطينيّ حرّاسًا للغةِ وللتراثِ وللثقافةِ وللحُضور وللوجود، ضمنَ مَشهدٍ ثقافيٍّ يَتبنّوْهُ بإراداتِهم الوطنيّةِ فقط!
أمّا المشهد الثقافيّ في الضفّةِ والقطاع، فهو ينتمي ولو جزئيًّا للمؤسّسةِ الّتي تُشرفُ عليه، وترعى أغلبيّةَ الأنشطةَ الثقافيّةَ والأدبيّة، وهكذا انحصرَتْ معظمُ النّشاطاتِ الثقافيّةِ ضِمنَ منظومةِ السّلطةِ كراعيةِ للنشاطاتِ الثقافيّةِ، أو ضِمنَ إبداعات فرديّةٍ خارجةٍ عن إطار السّلطة، وقد يرى بعضُ مثقفي الضفّة والقطاع، بأنّ هويّتَهم الثقافيّة أصبحتْ مُكتملةً، بعد قيام السّلطةِ الفلسطينية!؟

كيفَ يَنظرُ المثقّفُ الفلسطينيُّ بشكلٍ عامّ في أراضي الـ 48 إلى ما يُطرَحُ حولَ مسألة التطبيعِ معَ الكيان الصّهيوني؟

المُثقّفُ الفلسطينيُّ في أراضي 48 يَرضخُ لواقعٍ سياسيٍّ قائمٍ، وحقيقةٍ قائمةٍ يَعترفُ بها العالمُ العربيّ والعالمُ بأسْرِهِ، لكنّه يَتعايشُ معها ضمنَ رؤيتِهِ الوطنيّةِ ومنظورِهِ الفلسطينيّ، وإصرارِهِ في الحفاظِ على هُويّتِهِ عربيّةً فلسطينيّةً مُستقلّة نظيفةً، دونَ الذوبانِ في محلولِ التّطبيع، لأنّ التطبيعَ قضيّةٌ سياسيّةٌ بحتة، يجبُ ألا يكونَ لها أيُّ انعكاسٍ على الثقافةِ الوطنيّةِ، ولا أن يُهيمنَ القرارُ السّياسيُّ على كافّةِ القطاعاتِ، وخاصّةً القطاع الثقافيّ، لأن القطاعَ الثقافي هو المرآةُ لحضارة فلسطين، لذا؛ يجبُ حمايةُ ثقافتِنا الوطنيّةِ الفلسطينيّةِ وموْروثِنا الثقافيّ، وعدمُ زجِّها في أجنداتٍ سياسيّةٍ تخدمُ عرّابي التطبيع أنفسِهم.

على الصّعيدِ الإبداعيّ، هل تَعتبرينَ وجودَكِ في أراضي الـ 48 ميزةً؟ أم حرَمَكِ مِن ميزةٍ ما؟

ميزةٌ ما بعدَها ولا أغلى ولا أثمنَ منها، عاشقةٌ لوطني ومغبوطةٌ أنا بوجودي عليهِ حياةً وفيهِ موْتًا؛ إذ تكتبُني حيفا بمياهِ بَحرِها وبهواءِ ونرجسِ كرملِها، وعكّا تُكحّلُ عينيَّ بسُورِها العتيقِ وتُغطّسُني بمينائِها العنيد، ويافا تُبهجُني برَوائح برتقالِها وآثارِها، والجليلُ يُراقصُ خطواتي بصخورِهِ الصّنديدةِ وجبالِهِ الشّامخةِ الأبيّة، وتُعلنُني “بطلةً أسطوريّةً” كسائرِ إخوتي الفلسطينيّينَ المُتجذّرينَ المُرابطينَ فوقَ ثراها وتحتَ سمائِها، رغمَ كلّ الظروفِ الصّعبةِ التي نواجهُها، فنكابرُ ولا ندّعي، بل نسرقُ الضّحكَ والأعراسَ من أنيابِ مَواجعِنا، ونتهلّلُ فرًحًا حقيقيّا، أننا صامدون بين أهلِنا المُتبقّين، وأنّنا لم نذُقْ طعمَ التّشرّدِ كسائر إخوتِنا الّذين هُجّروا قسْرًا وعنوةً، وما فتئوا يُواجهونَ الغربةَ والمرارَ والعذاب في أصقاع الأرض، فكم نتمنّاهم يَعودونَ أحياءً إلينا وإلى قراهم المُهجّرةِ الّتي اغتُصبتْ وهُدّمتْ.
ميزةٌ أتمنّاها تتحقّقُ في الفِكر العربيّ، (الفِكر العادل): كم أتمنّاكم إخوتي العرب في الدول العربيّة والشتات، أنْ تعوا حقيقةَ وأهمّيّة دوْر الفلسطينيّينَ المُرابطين في فلسطين وخاصّة 48، وتُدركوا إصرارَهم على الصّمودِ كعربٍ أقحاح، ورفضَهُم للمبايعةِ والأسرلةِ والتهوُّدِ والهجرة، والحفاظ على هُويّتِهم الفلسطينيّةِ العربيّةِ نقيّةً طاهرةً مِن أيّ عيبٍ أو فسادٍ، فكم يَحتاجُ هذا التحدّي إلى تفهُّمِكم وتعاضُدِكم وتعاطفِكم!

إلى الأعلى