الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / التخطيط والتطوير الحضري .. وارتباطه بالثقافة

التخطيط والتطوير الحضري .. وارتباطه بالثقافة

يمثل التخطيط الحضري والإقليمي جوهر عملية التطوير، وبما في ذلك سياسات الترميم والاستخدام وإعادة الاستخدام والسياحة الثقافية، بما يعنيه المفهوم الواسع للكلمة. ويؤطر التخطيط الحضري والإقليمي ويضع القواعد والأسس للمراحل التي تتبع نزولا حتى العمارة وتنسيق المواقع الخضراء والعمارة الخضراء. وبرغم المساحات الفراغية الكبيرة التي يشملها التخطيط الحضري والإقليمي، إلا أنه يشكل عملية باتجاهين، يجب أن تخلو تماما من النظرة التلسكوبية الهائلة، أو بمفهوم آخر “يجب ألا يكون التخطيط الحضري والإقليمي تصميما عن بعد خمسة آلاف قدم من الأعلى”، بل هو عملية دقيقة تشمل أهم وأدق التفاصيل الميكروسكوبية المجهرية. وبهذا المفهوم، فالمخطط الحضري والإقليمي هو مصمم حضري ومعماري في ذات الوقت، يمتلك الخبرة والكفاءة والدراية بحيث يتكامل المخطط العام الذي يقدمه مع أدق التفاصيل، ويضعه بدراية وبذلك يختصر الكثير من المشكلات التصميمية اللاحقة إذ يقعّد القواعد ويضع الأسس السليمة التي تنسجم مع تصميم حضري وعمراني سليم.
والمصمم الحضري والإقليمي بهذا المفهوم لا ينبغي بحال أن يكون منسلخا من الثقافة التي يخطط لها. وفي حال تمت الاستعانة بمخطط، من خارج الثقافة كما من داخلها، فينبغي توفير دراسات وفيرة في مجالات النقل ودراسات سكانية واجتماعية واقتصادية وجغرافية وبيئية من أجل الوقوف على الواقع الحالي قبل طرح الأسئلة الجوهرية لتحديد المشكلات ووضع التصورات والحلول من أجل مخطط أساسي يعالج الواقع ويقدم نظرة مستقبلية ضمن خطط زمنية محددة.
دعيت قبل بضع سنوات، كاستشاري، في المرحلتين الثانية والثالثة لتطوير عدة مدن صغيرة بالشرق الأوسط، ووضع تصورات تبني على دراسات سابقة قدمها أحد أهم المكاتب الاستشارية في الولايات المتحدة الأميركية. المكتب الاستشاري قدم دراسات وتصوراته ضمن المرحلة الأولى وبناء على دراسات محلية قامت بها وقدمتها مؤسسات مهنية معنية بحالة الطرق والمواصلات ودراسات تاريخية تشمل المنطقة موضع التطوير، بالإضافة لدراسات حول الواقع الاجتماعي والاقتصادي ودراسات تشمل عوامل المناخ والبيئة وسواها. المقترح الذي قدمه المكتب الاستشاري تميز، ولخبرة المكتب العريقة والمشهورة عالميا، بالشمولية وبتقديم دراسات وافية “مدرسية” تستند لأصول الكتب العالمية في مجال التخطيط الحضري والتطوير. لكن اللافت، وبالنظر إلى المقترحات التي قدمها الاستشاري الأميركي أنه كلما تدرجنا بالتفصيل الدقيق للأسفل، نحو التصميم الحضري كان من اللافت أنه لم ينجح في إدراك الفروقات الثقافية بين التخطيط الحضري كنظرية عالمية تقدمها الكتب وبين التخطيط الحضري كعملية مرتبط ثقافيا بالمكان والمجتمع والهوية. فبالنظر لمعايير وضوابط الطرق فقد قدم الاستشاري مقترحا يتناسب مع طرق الغرب السريعة والمدن الضخمة مقابل مدينة صغيرة شرق أوسطية تعدادها السكاني متواضع ويراد أن يتم تطوير مجتمع محلي بها. وفي نفس الإطار قدم الاستشاري نماذج عالمية للطرق الداخلية للمدينة تفوق بدرجات المراد والمتوقع، بالإضافة إلى ضوابط عالمية في أشكال وأحجام الفضاءات العامة والمحلات التجارية التي تحاكي النمط الغربي للطرق السريعة، متجاهلا إرثا حضاريا عريقا يختص بالمكان والمجتمع بما لا يعني بالضرورة الوقوف عليه ولكن احترام أسسه وبالضرورة.
وفي ذات الإطار، دعيت لمكتب استشاري بلندن، لمراجعة تصاميم يراد تقديمها لمدن شرق أوسطية، وكانت ملاحظتي الأولى هي أن التصاميم تتم “عن بعد خمسة آلاف قدم” فوق الأرض وباستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة (عجائب وقدرات الكمبيوتر!) بما ينتج مدنا أقرب ما تكون “للإنتاج الكمّي” وليس النوعي. فالمكتب لم يكن به سوى مدير ورسام وسكرتيرة ولكن عهد إليه بتصميم مدينة شاسعة. فما كان من المدير إلا أن طوّر وحدة سكنية ثم قام الرسام بتكرارها عشرات المرات على الموقع الشاسع ثم رسم بينها شجرة قام بتكرارها عشرات المرات أيضا مستفيدا من قدرات الكمبيوتر في تكرار الوحدة ملايين المرات. المفارقة أن المكتب “الاستشاري” كان قد حصل “فعلا” على العمل لكونه بلندن، لكنه كان يبحث عن معماري لتطوير العمل. وهي عملية مقلوبة كمن يضع العربة أمام الحصان. ولحساسيتي المفرطة لهذه العملية الزائفة، برمتها من تكليف المكتب إلى التصميم، لم أقبل أن أكون شاهدا أو جزءا على مثل هذه العملية الترقيعية للتطوير الحضري، فضلا عن دهشتي الشديدة لتكليف مكتب “استشاري لندني” لا يملك الكادر والمؤهل لتصميم يفوق حجمه بمراحل!
في مناسبة أخرى، وفي إحدى المؤتمرات التي كنت مشاركا فيها وكانت عن المدن بالإمارات العربية المتحدة، راح محاضر غربي يعرض لنا بعض المشاريع التي طورها في مسقط (مطرح) ومدينة عمّان بالأردن، والتي يزعم أنه قدم فيها بعضا من نظريات التخطيط الحضري والإقليمي. لكنه ناقض نفسه في ذات المحاضرة في نهايتها حين طرحت عليه تساؤلات عن مدى نجاح التصاميم الحضرية على الواقع. وكان لافتا أنه عرض تصاميم لا تراعي العلاقة بين الجالسين من مستعملي المكان وبين السيارات والطرق التي كانت تعزل البيئة الحضرية بحيث تصبح كجزر محاطة بالسيارات السريعة بما يستحيل معه استعمال المكان الحضري استعمالا ناجحا.
من هنا، وبأي قدر تتم فيه قراءة نظريات وسياسات التطوير الحضري والإقليمي ينبغي وبالضرورة مراعاة وقراءة العامل الثقافي ومدى تكامله في المقترحات التي يقدمها الخبير أو الاستشاري. فيما يلي نعرض قراءة في كتابين يقدمان بعض الأفكار الأساسية في هذا الموضوع، فضلا عن طرح مجموعة من التساؤلات وتقديم الخبرات المختلفة والحالات الدراسية في هذا المجال.

التخطيط الحضري والإقليمي

يمثل كتاب “التخطيط الحضري والإقليمي” الذي بين أيدينا الطبعة الخامسة من النص الكلاسيكي لطلاب التخطيط الحضري والإقليمي. وهذه الطبعة تقدم لمحة تاريخية عن التطورات والتغيرات في نظرية وممارسة التخطيط، في القرن العشرين بأكمله. هذه الطبعة المنقحة تأتي في أعقاب نجاح الطبعات السابقة، وتقدم وتؤسس لإنشاء التخطيط كجزء من إصلاحات الصحة العامة من أواخر القرن التاسع عشر وتمهد للتعريف بالشخصيات العظيمة التي أثرت على حركة التخطيط المبكرة، والتي أدت إلى إنشاء جهاز تخطيط ما بعد الحرب.
على ماذا يجب أن تشتمل عملية دراسة التخطيط ومناهج التخطيط؟ هذا السؤال كان يجب أن يكون موضوع نقاش مكثف في مدارس التخطيط. ولكن الغريب أنه تم تجاهل السؤال، لفترة طويلة، والسبب هو على ما يبدو، كان ينظر إلى أن التعليم التخطيط على انه مجرد وضع خطط مادية، وليس مناهج وآليات في التخطيط. أول من طرح السؤال على محمل الجد لم يكونوا معلمي التخطيط العمراني، ولكن المعلمين من التخطيط الصناعي أو تخطيط المؤسسات في كليات إدارة الأعمال الأميركية.
خلال الخمسينيات ـ ونتيجة لأعمال المفكرين الأساسية مثل برنار تشيستر، وبيتر دراكر وسيمون هربرت ـ فقد تحولت إدارة التعليم. أولا، فقد تطورت إلى علم اتخاذ القرار، التي اقترضت مفاهيم في الفلسفة والسياسة، وثانيا، من تسخير التفكير لعدد من العلوم الإجتماعية، مثل علم الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس. كان هذا التقليد الجديد في التخطيط المؤسسي التي بدأت بعد حوالي عام 1960، في التأثير على اتجاه ومحتوى التعليم للتخطيط العمراني.
يقع الكتاب في خمسة أجزاء، الفصول 2 و 3 تبحث في بدايات تاريخ التنمية الحضرية في بريطانيا، مع الإشارة بوجه خاص إلى التغيرات التي أحدثتها الثورة الصناعية، والمساهمات البارزة من المفكرين والكتاب في بدايات التخطيط الحضري خلال الفترة 1880 – عام 1945. الفصل 4 يعرض القصة البريطانية خلال الثلاثينيات والاربعينيات واصفا التحديات الجديدة من عدم التوازن الإقليمي التي ظهرت في فترة الكساد الكبير في عام 1929 – 32، وإنشاء آلة التخطيط لما بعد الحرب في أعقاب نشر تقرير بارلو عام 1940. الفصلان 5 و 6 يقدمان تحليلا لتاريخ ما بعد الحرب، ومحاولة لإصدار حكم على أداء النظام والتخطيط، الأولى على مستوى إقليمي واسع النطاق فيما يتعلق بالتخطيط الحضري. الفصل 7 و 8 يشكل كل منهما محاولة لنظرة مقارنة في تجربة التخطيط في بلدان أخرى صناعية. الفصل 7 لأوروبا الغربية والفصل 8 للولايات المتحدة. وأخيرا الفصل 9 يقدم الخطوط العريضة لخطة تسلسل الحضري والإقليمي وصنع القرارات، مع مقدمة لبعض التقنيات الأكثر أهمية المتعلقة بمختلف مراحل هذه العملية؛ وهذا الفصل مكتوب عمدا لتوفير جسر إلى أكثر الكتب المتقدمة في التخطيط التي تتعامل مع هذه العمليات بتفصيل أكبر. ولكن هذا الكتاب، يجب أن ينتهي عند هذا الحد، إلا أنه لا يحاول مقارنة مع تلك الكتب، ولكن لتوفير الإطار اللازم التاريخي كمقدمة لتلك النصوص.

التطوير الحضري: الحضرية المتلائمة ومجتمعات الكربون صفر

هذا الكتاب يحاول تقديم بعض الإجابات لبعض المسائل المتعلقة بمسائل التحولات غير المسبوقة من البيئات الحضرية في جميع أنحاء العالم، والتي تشمل الحاجة الملحة لتخطيط البيئات المبنية المستدامة. والكتاب يعتمد منهجية تعزز بناء المجتمع والتنمية من خلال تصميم حي، في حين لا تتجاهل الأسئلة المحورية المتعلقة بقضايا استخدام الطاقة، والتحولات الديمغرافية، وتدهور البنية التحتية، أو تدهور البيئة.
الكتاب كان أساسا عبارة عن بحث تصميم المشروع التعاوني في مدرسة (MIT) في الهندسة المعمارية والتخطيط، وبيت سيكيوي المحدود في اليابان. ويهدف إلى توفير بعض الاجابات المفتاحية للقضايا المذكورة أعلاه في بلدة هرمة يكبر السكان فيها في اليابان، طما المدينة الجديدة، التي بنيت في أوائل السبعينيات، كما في المثال الرئيسي في الكتاب، بالإضافة إلى بعض المساكن على نطاق واسع الأخرى التطورات، التي بنيت في جميع أنحاء العالم بين الستينيات والثمانينيات في وقت مبكر، هي جميعها امثلة يستحدمها الكتاب بهدف فهم أفضل السبل لإعادة إحيائها.
وحتى الآن، فإن الكثير من الخطاب بخصوص تصميم مجتمعات مستدامة و”المدن الصديقة” يقوم على استخدام الأراضي غير المطورة من قبل. في المقابل، هذا الكتاب يعرض المشروع على أنه التركيز على إعادة تجهيز وتكييف البيئة الحالية، وهي مشكلة أكثر شيوعا، بالنظر إلى حالة البنية التحتية في العالم. وعلى الرغم من أن السياق المحدد للكتاب كانت اليابان، فقد تم تعميم قضايا البنية التحتية البيئية ضمن أهمية ونطاق عالمي. ويمكن للاستراتيجية أو الأسلوب والعملية المعتمدة في هذا الكتاب أن تكون مفيدة لتحفيز التفكير في المزيد من المشروعات البحثية والعملية، والتي ستستخدم كأساس لمشاريع إنمائية محددة لإنتاج أنواع جديدة من المجتمعات والإسكان.
ويبدأ الكتاب من خلال تحديد مجموعة من المبادئ والأسس التي قامت عليها الأهداف البيئية والطاقة بالنسبة للمجتمع. ثم يتطور تجاه تقديم حلول نموذجية لتصميم وبناء وإعادة تجهيز للأحياء السكنية. نص الكتاب مفيد كمرجعية تصميم للمهندسين المعماريين وصانعي القرار الاستراتيجي والباحثين والمصممين في المناطق الحضرية، ومخططي المدن والمهتمين بالدراسات الاجتماعية والإسكان.

وليد أحمد السيد

قراءات في كتب:

1- Urban and Regional Planning، By Peter Hall Mark Tewdwr-Jones، Published in 2010 by Routledge – 304 pages
2- RenewTown: Adaptive urbanism and the low carbon community, Andrew Scott, Eran Ben-Joseph, Routledge 2013

إلى الأعلى