الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف: الوهم ووهم القوة

اصداف: الوهم ووهم القوة

وليد الزبيدي

يتفق الكثير من علماء التاريخ أن الامبراطوريات تشبه حياة الإنسان، تترعرع ثم تدخل مرحلة الشباب والزهو لتكتمل عناصر قوتها ثم تبدأ بالتراجع حتى تشيخ وينتهي بها المطاف إلى الوفاة أو الانكماش في أفضل الأحوال.
هذه الحقيقة قالها المفكرون في عصر أفلاطون وأرسطو وناقشها علماء الحضارات الصينية والعربية والثقافة اليابانية والشرقية والغربية والفارسية، لكن المفارقة أن أجيالا تأتي وتسير على طريق تكوين الامبراطوريات وكأنهم استثناء من قانون التاريخ والطبيعة، وهؤلاءإما أنهم يعرفون المالات التي سيصلون إليها لكنهم يكابرون ويسعون للتأسيس لامجاد شخصية فيصرون على تجاهل الحقائق، أو يتوهمون القوة التي لم يحزها السالفون من زعماء الامبراطوريات ، وبذلك نصبح ازاء الوهم ووهم القوة.
وصل البيزنطيون إلى مختلف بقاع وأصقاع الدنيا، حكوا شعوبا ودولا وبثوا أفكارا وثقافات وشيدوا البنايات والآثار، وتوسع الاسكندر المقدوني بامبراطوريته التي كان يتفاخر أنها تصل المشرق بالمغرب، واتسعت امبراطورية بابل وآشور ومثل ذلك وصل الفرس إلى اثينا ومناطق أخرى، وصولا إلى الامبراطورية العثمانية لتبدأ بعد ذلك امبراطورية بريطانيا التي توهموا في وقتها أن الشمس ستبقى تشرق على أصقاعها، وجاء التوسع البرتغالي والفرنسي ووصلت طلائع الاسبان إلى الولايات المتحدة بعد أن ابحر كريستوفر كولومبس مطلع اغسطس عام 1492 من احد موانيء اسبانيا ليكتشف العالم الجديد، وبعد الحرب العالمية الثاني ظهرت امبراطوريتان تقاسمتا الهيمنة على العالم، بعد أن تقوضت امبراطوريات قديمة مثل الدولة العثمانية والنمسا في الحرب العالمية الأولى، لتعيش هاتان القوتان الجديدتان وهم القوة المطلقة وتضع مخططات السيطرة على ثروات وعقول ونفوس العالم ضمن التقسيمات المعروفة التي سادت في النصف الثاني من القرن العشرين.
اعتقد الكثيرون أن القوتين الجديدتين ولما تملكانه من أسلحة فتاكة وهيمنة على الشعوب وقدرات إعلامية أبهرت الناس في حينها أن مرتكزاتهما القوة الحقيقية وليس وهم القوة، حتى انهار جدار برلين عام 1989 ، فاهتزت القناعات بتلك القوة المتخيلة، ومع بداية تسعينيات القرن العشرين وإذا بامبراطورية الاتحاد السوفييتي تتهاوى بطريقة غير متوقعة، الامر الذي دفع بالعديد من المفكرين والباحثين لاجراء مراجعات عميقة وواسعة لمفهوم “القوة وعلاقتها بالامبراطوريات الكبرى” ومدى امكانية استمرارها ومطاولتها وقدرتها على مقاومة حركة التاريخ وقوانينه.
في تسعينيات القرن الماضي ظهرت طروحات لمفكرين واستراتيجيين في الغرب وتحديدا في الولايات المتحدة تحدثوا فيها عن احتمالات انهيار الامبراطورية الأميركية، ولم يستند هؤلاء إلى معطيات سياسية معينة لكنهم حرصوا في جميع طروحاتهم على نقاش قضيتين أساسيتين، هما، المرتكز الذي قامت وتأسست عليه أميركا، وهو الاقتصاد، وقالوا إن هذا العامل يبقى متحركا وقلقا، والثاني هو، منطق التاريخ الذي يقول إن الامبراطوريات تشبه الإنسان إذ يمرّ بمراحل ثلاث.
ترى هل يدقق زعماء الامبراطوريات الخاصة والكبيرة بمنطق التاريخ؟وتجرى مراجعات حقيقية وعلمية معمقة؟

إلى الأعلى