الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / معرض مسقط للكتاب في حلته (21 ) .. “أعز صديق وخير جليس”

معرض مسقط للكتاب في حلته (21 ) .. “أعز صديق وخير جليس”

سعود بن علي الحارثي

” لقد استنتج المتنبي من خلال خبرة طويلة بالحياة مليئة بالتجارب والبحث والتقصي , ومن واقع علاقاته وصداقاته وتنقلاته المستمرة من بلاط إلى آخر، وبعد معرفة بالزمن وأهله وبعد اكتشافه للمؤامرات والدسائس التي نالت منه ومن غيره, اتضح له بأن خير جليس وصديق في هذه الحياة التي يعيشها المرء هو (( الكتاب)) الذي يحفظ الصحبة ويمد صاحبه بالزاد النافع,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

((إنه لأفضل لك أن تزخر مكتبتك بالكتب من أن تكنز محفظتك بالنقود )) جون لايلي
لن يجد الكاتب وهو يتحدث عن الكتاب في مهرجانه ( الواحد والعشرين), وفي لحظة احتفائية رائعة تزدهي فيها مسقط بعرسها الثقافي السنوي, وتتلألأ سماؤها بنجوم الثقافة والأدب والفكر وهم يقدمون في معرض مسقط ( الواحد والعشرين) للكتاب, جواهر العلوم وينابيع الحكمة في أوعية ملئت قطائف شهية زخرت صحائفها بتشكيلات منوعة من المعارف والثقافات والآداب … وغيرها من الكنوز الإنسانية. ( لن يجد الكاتب) وهو يستحضر قيمة الكتاب ودوره الحضاري والمعرفي وقيمته في إثراء العقل الإنساني والنهوض بمداركه, وهو يتحدث عن هذه المناسبة التي تزخر بالفعاليات الثقافية من أن يتمثل ببيت من الشعر قاله المتنبي منذ أكثر من ألف عام تتناقله الألسن جيلا بعد جيل وتتمثله كما هي معظم قصائد وأبيات وأشطار المتنبي التي يحمل كل منها في طياته حكمة خالدة سطّرها التاريخ تنم عن فكر سام وتشي بعبقرية فذة وفلسفة رائدة. لوحات فنية صاغها شاعر مبدع قلما يخرج الزمان مثيلا له, ونادر هو الشعر الذي يماثل شعره جودة وشأنا وعلوا ولغة, وان كنت لا أتفق مع الرجل في طموحاته المادية وشغفه بالمناصب التي قضى جل حياته في البحث والعمل والتخطيط من أجلها فجاءت معظم إبداعاته الفنية الراقية لخدمة هذا الغرض. ولو نهج أبو الطيب في حياته منهج قرينه في الحكمة والفلسفة صاحب المحبسين فتفرغ للأدب والشعر والفلسفة وغيرها من العلوم لما خلته إلا فيلسوف العرب وحكيمها الأوحد, ولن يكون فقط شاعرها, إنني ما زلت اذكر قول أحد المفكرين ((عاش المتنبي ولا هدف له ولو كان له هدف محدد لنبغ في تحصيله، (( أما وأن الرجل قد سار على هذا الطريق فما لنا أن نلومه على فكره ونهجه الذي اختطه في حياته, ويكفينا الإبحار في كنوزه الشعرية والالتفات إلى ما سطره من عقود ثمينة في الأدب والحكمة والفلسفة والمعاني الثرية لنغرف منها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا .
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
لقد استنتج المتنبي من خلال خبرة طويلة بالحياة مليئة بالتجارب والبحث والتقصي , ومن واقع علاقاته وصداقاته وتنقلاته المستمرة من بلاط إلى آخر، وبعد معرفة بالزمن وأهله وبعد اكتشافه للمؤامرات والدسائس التي نالت منه ومن غيره, اتضح له بأن خير جليس وصديق في هذه الحياة التي يعيشها المرء هو (( الكتاب)) الذي يحفظ الصحبة ويمد صاحبه بالزاد النافع, وهو المأمون من الغدر والخيانة وغوائل الأيام , وهو الذي يرفع من شأن صاحبه قدرا ومكانة وعلوا . وقد كان للكتاب مكانة هامة عند العرب وهم الذين نزل أفضل كتاب على وجه الأرض (( القرآن )) بلغتهم وفي أرضهم , والذي تضمن آيات بينات تحث على طلب العلم والأمر بالقراءة وترفع من قدر العلماء وتصفهم بأنهم الأكثر خشية ومعرفة بالخالق , فاندفع العرب وهم الذين نبغوا في قول الشعر نحو القراءة والتأليف والترجمة والإطلاع , فازدهرت المدارس الفكرية التي كرست مبدأ الحوار وتداول الرأي البناء الهادف فأبدعوا علوما واخرجوا كنوزا أفادت البشرية . وكان الكتاب الشعلة التي أنارت الدرب وناقل المجتمع من حال الجهل والتخبط إلى نور العلم والتحديث ومن حياة البداوة إلى حياة الحضارة , لقد أعلى الكتاب من شأن العرب , فكان المشعل الذي أنار الطريق للحضارات الأخرى بعد أن خمدت الحضارة الإسلامية وانطفأت شعلة العلوم فيها وأضاع المسلمون الطريق القويم الذي وضعوا عليه خطواتهم الأولى وأهملوا الكتاب وتركوا القراءة فنعست عقولهم وماتت ملكة الإبداع لديهم حتى وصلت بهم الأحوال إلى ما وصلت إليه . فهذا الجاحظ يتحدث عن الكتاب فيقول (( وعاء ملئ علما وظرف حشي ظرفا …. من لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى )) , ويصف السيد أحمد الهاشمي في كتابه الظريف (( جواهر الأدب )) الكتاب بقوله (( الكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة ونعم المعرفة في دار الغربة …. قيد العلوم وينبوع الحكمة , إن أطلت النظر إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك , إن ألفته خلد على الأيام ذكرك وإن درسته رفع في الخلق قدرك , مؤنس لا ينام … )) ويقول أحمد شوقي عن الكتاب :
أنا من بدل بالكتب الصحابا لم أجد لي وافيا إلا الكتابــا
صاحب إن عبته أو لم تعب ليس بالواجد للصاحب عابـا
صحبة لم أشك منه ريبـــة ووداد لم يكلفــني عتابــــــــا
يقول أحد المفكرين (( لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني )), إذا كان الماء شريان الحياة ونبضها، فالقراءة حياة للأرواح , وإذا كان الطعام غذاء للأبدان فان المطالعة غذاء للعقول , كيف تصورنا للنتائج لو انشغل كل فرد من أبناء المجتمع في وقت فراغه بالقراءة والمطالعة, ماذا لو اصطحب كل منا كتابا أو نصا أو أي مادة صالحة للقراءة ينهل من معينها يتزود علما وثقافة ومعلومات, نتصفح الكتاب
ونحن منضبطون في الطابور ننتظر الدور , نقرأ في الباص والمنتزه والمنزل .. الخ ألن يكون ذلك علاجا من داء الثرثرة وبث الشائعات والنميمة؟ ألن تخلصنا القراءة من الملل والتململ والضيق في الطابور والتفكير في القفز إلي الأدوار الأولى! ألن يشغلنا الكتاب عن الذهاب إلى الملاهي والمواقع الفاسدة! ألن يحول بيننا وبين قضاء وقت الفراغ في ممارسة العادات السيئة والمضرة ! هل يمكن أن نعدد محاسن الكتاب ونسرد فوائد القراءة ومنافع المطالعة في الإصلاح والتوجيه والتوعية والرفعة من شأن الإنسان والرقي بمستوى تفكيره وتقريبه من حقائق الأمور كلما غاص في أعماق الكتاب وأخذ من مكنونات علمه ؟ اعتقد وأؤمن بأن للكتاب فوائد جمة يطول سردها, فيا حبذا لو يخصص شهر ” للكتاب ” من كل عام تبث فيه التوعية وتعد الفعاليات والندوات التي تحث على أهمية القراءة وتبيان فوائدها وتنشأ المؤسسات والمكتبات العامة والمنتديات الثقافية ويفعل دور الموجود منها, ويفتح باب الحوار والمناقشة والنقد وتطرح المواضيع والقضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية العالمية والإقليمية والمحلية. إن الكتاب هو ذلك المفعول السحري الذي يطلق المواهب من عقالها, ويبرز الإبداعات ويساعد على طرح الأسئلة وفهم المشكل منها وهو يمدنا بالإجابات الشافية على التساؤلات المحورية, فما أحرى بنا ونحن نعيش أجواء معرض مسقط الدولي للكتاب بأن ننتهز هذه الفرصة الثمينة للقيام بزيارة إلى هذا المعرض من أجل التنزه وتفحص الدرر الثمينة التي يحتويها والاطلاع على آخر المستجدات من موضوعات وعناوين تدخل ضمن اهتماماتنا وتطلعاتنا سعيا إلى شراء واقتناء البعض منها وحرصا على تطوير إمكاناتنا وتثقيف أبنائنا ودعم هذا المعرض السنوي الحافل فما ضاع مال ذهب في سبيل كتاب نتزود من معينه الروحي وإبداعاته الثمينة, متمثلين بحكمة خالدة, ((عندما نجمع الكتب فإننا نجمع السعادة)) . يقول توماس كارليل (( في الكتب تكمن روح الزمن الخالي بأسره … كل ما صنعته البشرية وفكرت فيه , وكسبته أو كانته , موجود في صفحات الكتب , كما لو كان محفوظا سحريا والكتب هي ممتلكات البشر المختارة)).

إلى الأعلى