الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: مخطط التقسيم يواصل خطواته

رأي الوطن: مخطط التقسيم يواصل خطواته

جاء قرار الولايات المتحدة ببناء قاعدتين عسكريتين جديدتين في محافظة الأنبار، غرب العراق، ليثير عاصفة من القلق العراقي وبعض العربي، فالشواهد المتطابقة أصبحت تؤكد ـ بما لا يدع مجالًا للشك ـ نية واشنطن الأكيدة في تمرير سيناريو التقسيم الذي خرج الكثير من رجالاتها ومسؤولي دولتها بالتبشير به. فبناء قاعدة عسكرية أميركية في منطقة الحمرة شمال شرق الفلوجة، وتشييد قاعدة أخرى قرب حقل عكاس الغازي الواقع قرب الحدود العراقية السورية، وزيادة التوسع العسكري في الأنبار يتواكب مع تسليح العشائر من غير تنسيق مع الحكومة المركزية في بغداد، وهو تنسيق يشبه ـ إلى حد كبير ـ التنسيق الذي تم مع البشمرجة وإقليم كردستان الذي أعلن رئيسه مسعود البرزاني رغبة الإقليم في الاستفتاء على التقسيم وإعلان دولة كردستان، وهذا التشابه ليس محض مصادفة.
لكنه سبقه حديث الجنرال ريموند أودييرنو رئيس أركان الجيش الأميركي المنتهية ولايته عن أن تحقيق المصالحة بين مكونات الشعب العراقي تزداد صعوبة، ورأى أن تقسيم العراق قد يكون الحل الوحيد لتسوية النزاع فيه. واستبعد أودييرنو عودة العراق مستقبلًا إلى ما كان عليه في السابق. ولم يكن هذا التصريح الأول لمسؤول أميركي حول التقسيم، حيث سبقته تصريحات جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، وتصريحات لقادة في البنتاجون ولقادة سياسيين في الكونجرس، وكذلك تصويت مجلس النواب الأميركي (الكونجرس) على التواصل مع قوات البشمرجة الكردية والعشائر، وتمويل تسليحهما بشكل مباشر بمعزل عن الحكومة الاتحادية. وقد كانت رؤية بايدن لتقسيم العراق واضحة وصريحة بأن يقسم إلى ثلاث دول كردية وسنية وشيعية، ما يسهل مهمة السيطرة على العراق وثرواته ومقدراته.
إذًا هي خطة واضحة جلية لا تحتاج جهدًا في التفسير أنها الوصفة الأميركية التي تتخذ من نظرية الفوضى الخلاقة استراتيجية ونهجًا لبسط سيطرة أميركا وحليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الإسرائيلي على كامل بلدان المنطقة.
إنه مشروع كبير بدأت ملامحه في الوضوح رويدًا رويدًا لرسم خريطة المنطقة، يبدأ من تفتيت البلدان الكبرى في المنطقة خصوصًا العراق وسوريا ومصر إلى دويلات يزرع فيما بينها الفتن الطائفية والمذهبية البغيضة، ويوضع بين ثناياها بذرة تناحرها، ما يضمن أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي. ولعل تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري حول تقسيم سوريا، ليست بمعزل عن المخطط الشامل الأميركي، فحديث كيري عن صعوبة إبقاء سوريا موحدة، وتلويحه بخطة أميركية إذا استغرق إنهاء القتال وقتًا أطول، ليس من باب الحديث المختلط الذي يصعب تأويله، لكنه يضع أمام أعين منكري المؤامرة على سوريا، التصور الأميركي الواضح نحو التقسيم الذي مهد له كيري في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي بالحديث عن قرب فوات الأوان لإبقاء سوريا موحدة إذا انتظرنا فترة أطول، وحديثه الجلي عن (خطة بديلة جاهزة).
صحيح أنها المرة الأولى التي يعلن فيها نية أميركا لتقسيم سوريا، في تصريح رسمي، لكنه سبقه حديث هنري كيسنجر الدبلوماسي الأميركي المخضرم وشديد الصلة بالأوساط الإسرائيلية واللوبي الصهيوني، بشكل أكثر صراحة بمقال نشره العام الماضي في صحيفة الوول ستريت جورنال وضمنه رؤيته للتقسيم، فيما تناولته وسائل الإعلام بالحديث تحت مسمى خطة كيسنجر لتقسيم سوريا، وهو ما يعكس مع رغبة واشنطن الأكيدة في خيار التقسيم، سواء في سوريا أو العراق، خصوصًا ومع الوجود الروسي في سوريا الذي عرقل الخطوات الأميركية إلى حد كبير.
وفي السياق ذاته، لعل ما يحدث في سيناء المصرية يعيد إلى الأذهان المخططات الأميركية التي أفشلتها مصر لتوطين أهالي غزة في سيناء، فمخططات أميركا في سيناء لم تعد خافية عن ذي قبل بل زاد الحديث عن رفع واشنطن قواتها العاملة في حفظ السلام في سيناء المصرية، واتخاذ قرارات أحادية، مستغلة الحالة الأمنية التي تمر بها سيناء، فوجود تنظيم “داعش” هو حصان طروادة التي تتخذه أميركا دائمًا كمبرر للتدخل، حيث زعمت أميركا عبر أذرعها الإعلامية في أكثر من موقف: أن إرسال قوات إضافية إلى شبه جزيرة سيناء، أصبح أمرًا أكثر إلحاحًا خصوصًا مع أن تنامي التهديدات التي يفرضها تنظيم “داعش” هو السبب الرئيسي لتلك الخطوة”. وفي خبر نشرته شبكة CNN مؤخرًا أن وزارة الدفاع الأميركية تناقش حاليًّا فكرة توسيع مهام القوات الأميركية المتمركزة في سيناء لتشمل جمع معلومات استخباراتية حول الجماعات المؤيدة لداعش في المنطقة.
إن المحاولات الدؤوبة لتطبيق مخططات التقسيم ليست بغريبة علينا، لكونها تتلاقى مع رغبة كيان الاحتلال الإسرائيلي في إضعاف قوى المواجهة له خصوصًا دول المواجهة الرئيسية مصر وسوريا، وخلفهما العراق، لكن المؤسف مساهمة بعض بني جلدتنا جهلًا وطمعًا في تلك المخططات، التي إذا نجحت ـ لا قدرالله ـ سنكون أمام وضع صعب يقتل العربي أخاه العربي، دون رادع، لمصلحة شرذمة من الخونة الذين يقتاتون على الدماء العربية، لذا، فإن بداية القضاء على المخطط تكمن في تناسي الخلافات، والمضي قدمًا في دعم بغداد ودمشق والقاهرة، في صراع البقاء ضد الفكر الظلامي الذي تديره مخابرات الدول الكبرى بالوساطة.

إلى الأعلى