الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / روسيا (5) خفايا السياسة والصراع والنفوذ الصهيوني

روسيا (5) خفايا السياسة والصراع والنفوذ الصهيوني

د. فايز رشيد

صباح اليوم التالي: اشتريت من مكتبة صغيرة في الفندق نسختين من جريدتي «برافدا» و«إزفستيا» الشهيرتين إبان الحقبة السوفياتية. كانت الأولى الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفياتي، والدولة. الثانية، الناطقة باسم شبيبة الحزب «الكومسومول». لشد ما اختلفت الصحيفتان عمّا كانتا عليه. أبقت السلطات الروسية عليهما بعد الانهيار، لكنهما غير مرغوبتي الشراء من الروس… في ظل الصحف الأنيقة الأخرى الجديدة .وما أكثرها… صحف من مختلف الاتجاهات، راجعتهما لكن للأسف، فإن التركيز فيهما كان على القضايا الداخلية. أما الخارجية فلم تحتل سوى مساحة نصف صفحة داخلية. ومصاغة كأخبار ليس إلا. أدركت أن صحيفة الحزب، التي كان العالم ينتظر وينقل أهم ما جاء فيها، فقدت بريقها.

خططتُ بالأمس لزيارة سكني القديم في جامعة الصداقة. كان اليوم التالي يوم سبت. في زمننا كانت العطلة مقتصرة على يوم الأحد فقط. بعد الانهيار، جرى تمديد العطلة إلى يومين. حوالي العاشرة صباحاً، قطعت شارع لينين منتقلاً إلى المنطقة المخصصة لبنايات سكن جامعة الصداقة، وعددها (بعد الإضافات الكثيرة) خمسة عشر مسكناً. على الجانب الأيسر من رصيف الشارع المتقاطع مع شارع لينين، والممتد شمالاً إلى محطة مترو «بيليايفا»، جري إنشاء الكثير من المقاهي والمطاعم المختصة في وظيفتها بالطلبة. مشيت باتجاه السكن رقم «7» حيث مكثت فيه سنوات دراستي السبع في كلية الطب. ما لاحظته، ترميماً حديثاً أجري للمساكن. على يمين الشارع، وإضافة إلى مبنى كلية الطب، المخصص للمواد الطبية النظرية، أُنشئت مبانٍ كثيرة على جانبيها، في المساحة الممتدة بين شارعي لينين والآخر المؤدي إلى مبنى ومساكن معهد الطب الثاني. انتقلت كل مباني جامعة الصداقة إلى هذه البقعة، وقد جرى بناء مستشفى حديث فيها. في طريقي إلى المبنى السابع، التقيت بطلبة كثيرين من مختلف الجنسيات، حدّثت على شكل طالب، كان يمشي مع صديقه ، فكان الأول من قطاع غزة اسمه أحمد، والثاني أرمني: آرام. تحدثت معهما وطلبت أن يرافقاني إلى المبنى. للصدفة، يدرسان في كلية الطب، في السنة الأولى.
لا أعرف لماذا شعرت بنوستالجيا حادة لزيارة غرفتي القديمة، على الطابق الرابع في الجزء الأيمن من المبنى. بعد أن وضعت جواز سفري لدى المسؤولة الشابة عن الدخول، صعدنا الدرج الطويل وسط لهاثي (وكنت في شبابي أصعده ركضاً!) وصلنا إلى الغرفة، كان يسكنها ثلاثة طلاب من أميركا اللاتينية. حادثتهم ورأيت تفاصيل الغرفة.. ما زالت تحمل نفس الملامح: ثلاثة أسرة في الزوايا، طاولة مكتب تتسع لثلاثة كراسي، خزائن ثلاث في الحائط. شكرتهم وغادرنا.
جلست والطالبان في أقرب مقهى، يقع بين السكن والشارع. تناولت القهوة مراراً. أحمد بدوره دعا الطلبة الفلسطينيين ممن تواجدوا في المقهى. هاتف مسؤولي التنظيمات الفلسطينية في روسيا ودعاهم. في العادة، فإن المسؤول غالباً ما يكون من الدارسين في العاصمة وفي جامعة الصداقة تحديداً. كان البعض منهم ما زال نائماً. رُصّت إلى جانب الطاولة التي أجلس عليها، أربع طاولات أخرى، حتى تتسع الجلسة لكل الحاضرين. جاء طلبة عرب من أنحاء مختلفة من العالم العربي. طلب مني أحمد الحديث للشباب والنفر القليل من الشابات الفلسطينيات وبعض العربيات. الفتيات يسكنّ في سكن مخصص لهن. كانوا شباباً في سن العشرين إلى أواخرها، منهم قديمون نسبياً.
تحدثت إليهم عن أهمية إدراك الهدف الأول لمجيئهم إلى روسيا، وهو الدراسة، وضرورة النجاح فيها. وأن ذلك يلحقه نجاحات أخرى. قدّمت صورة مختصرة عن أهم ما في الوضع السياسي العربي، والمخططات الأميركية الصهيونية – الغربية لإثارة النزاعات الطائفية – المذهبية – الإثنية, لتفتيت الدول العربية وصولا إلى الدولة الواحدة. تحدثت إليهم عن ضرورة الربط بين القضايا الوطنية الخاصة بكل بلد عربي والقضايا العربية الأخرى، وضرورة الإحساس بالهم العربي المشترك. دعوتهم إلى تحقيق الصيغ الجامعة، وليس التي تفرّق بينهم. كان حديثي عاماً، حاولت فيه عدم الإساءة لأحد.
سأل الشباب أسئلة واعية، تنم عن شعور قومي عربي عميق. علق بعضهم وأعلن رأيه. امتدت بنا الجلسة ساعتين. لم يكن مقدّراً لها أن تمتد لساعات أخرى، فقد همس لي أحمد بضرورة الجلوس مع مسؤولي التنظيمات الفلسطينية، ليصارحوني بما يعترضهم من إشكالات، يتصورونها حقيقية. استأذن الطلبة في السماح لنا كفلسطينيين بالجلوس وحدنا! ودّعني الطلبة العرب، وانفصلوا ذاهبين إلى طاولات أخرى. في الجلسة الفلسطينية التي حضرها مسؤولو كافة التنظيمات في موسكو. كان حديثي في نفس السياق السابق مع تفصيل لظروف الوضع الفلسطيني. ذلك بعد أن استمعت لك واحد فيهم. باختصار: إن الانقسام الفصائلي الفلسطيني ينعكس على تنظيمات فصائلنا في روسيا. يتعاملون مع بعضهم بردود فعلٍ شبابية. منقسمون حتى في اتحاد الطلبة الفلسطينيين، المعطّل بفعل التناحر، وصولاً إلى كره بعضهم بعضا! كانت هذه قضيتهم الرئيسية.
أخذت الحديث من جديد، مشدداً فيه على الوحدة الوطنية الفلسطينية. حدثتهم عن تجربتنا الطلابية في موسكو، بين عامي 1972–1979. رغم الصراع القائم آنذاك في الساحة الفلسطينية، كنا نصل في النهاية كفلسطينيين وعرباً إلى القواسم المشتركة، وإيجاد الصيغ الوحدوية للاتحاد، التي لا تستبعد فصيلاً فلسطينياً ما، متواجداً في موسكو والمدن السوفياتية الأخرى. كنا نجد صيغاً مشتركة لفروع الاتحاد في المدن الأخرى. استمررت في الحديث لما يقارب الساعة. سألوني أسئلة كثيرة، وأجبت عليها. قيّموا الجلسة عالياً، وتمنوا لو يزورهم طلبة من القدماء. استفسرت منهم عن الدراسة، أجابوني: بوجود منح دراسية قليلة، لكن الغالبية العظمى من الدارسين، يأتون للدراسة على حسابهم. يدفعون للجامعة أقساطاً عالية. أجرة المسكن في مبنى الجامعة تبلغ 200 دولار في الشهر.هذا إضافة إلى تكاليف الحياة من أكل وشرب وملابس وغيرها. يحتاج الطالب في أقلّ الحالات إلى 7000 دولار سنوياً. تذكرتُ مرحلتنا السابقة، التي كان البعض من طلبتنا يتأفف من حياة موسكو القاسية! وهو يقبض منحةً آخر كل شهر! يسكن ويدرس مجاناً، ويقوم بتصريف الدولارات بالسوق السوداء، ويعيش على دخل يوازي دخل أستاذه، ولم تكن الحياة تعجبه؟! في الثانية بعد الظهر استأذنتهم في الانصراف، سار معي أحمد مشياً إلى طرف المباني، ودّعته، أكلت غدائي، ونمت قيلولتي في الفندق.
مساء ذات اليوم، كان عليّ الذهاب إلى مسرح البلشوي. كنت في السابعة إلا ربعاً في محطة المترو، التي تبعد عنه أقلّ من مئة متر. اشتريت تذكرة لأفضل مكان من الأماكن المعروضة في السوق السوداء. طلب بائعها عشرين ضعفاً لها! ساومته، لم يقبل، خرجت من الباب الشرقي للمترو، الموصل إلى المسرح!نادى عليّ، عرضها بخمسة عشرة ضعفاً، رفضت وأصررت على عشرة، وافق أخيراً، ولبّى رغبتي الكبيرة.
دخلت المسرح، ولطالما ترددت عليه لمشاهدة الباليه، التعبير الراقص بالموسيقى لرواية أو قصة. كنت لا أفضّل مشاهدة الأوبرا، التعبير بالصوت الخاص لمؤلف موسيقي يشرح بموسيقاه قصة معينة. في مثل سني تختلف الإحساسات عنها لدى الإنسان في شبابه، تتراكم التجربة، تختلف ردود الفعل في اتخاذ المواقف تجاه أحداثها، يصبح الإنسان أقلّ انفعالاً من السابق في تصرفاته …مهما كانت درجة الاستفزاز التي يتعرض لها، يصبح أكثر عقلانية وميلاً إلى الهدوء تجاه ذات الحدث.
أخذت المصعد إلى الطابق الرابع، وهو عبارة عن مقصورات مقامة في الجهات الثلاث، وتطل على المسرح من علٍ. كان حظّي في مقصورة وسطية، في مقعد في الصف الأمامي فيها، أمام أربعة صفوف تعلو تدريجياً وراء الأول. أُطفئت الأنوار الرئيسية، وأُشعلت أضواء المسرح، الملوّنة والمركّزة عليه من جهات عالية ثلاث.استكمل الجمهور الجلوس، وهو الحريص في معظمه على كامل أناقته، حين الحضور لمشاهدة عرض ما، على مسرح البلشوي.
كان العرض لأوبرا «لا ترافياتا» للكاتب الأوبرالي الإيطالي الشهير جوسيبي فيردي، الأوبرا مأخوذة عن قصة ألكساندر دوماس الابن بعنوان «غادة الكاميليا» .تروي القصة حياة فيوليتا فاليري (في نهايات القرن التاسع عشرة) التي تصاب بملل من الحياة بسبب مرضها الدائم، وبإحساسها أن ما من هدف تعيش من أجله. لذلك تنقلب عواطفها وتعيش حياتها دون تعقل، تتنقل بين أفراح دائمة وأحزان معتمة .الأمر الذي أجبر فيردي على تغيير اسم أوبراه إلى «المنحرفة». تجد فيوليتا في إحدى الحفلات من يحبها حباً حقيقياً، لتتوالى الأحداث، لكن دون تغيير في نهاية قصتها التي كتبها القدرُ مسبقاً، تدور الأحداث في أواخر عام 1840 في مدينة باريس وضواحيها.
تبدأ أحداث الأوبرا في صالون فيوليتا المرحة الطروب … صالون ذي فخامة كبيرة في قصرها الباريسي الضخم. تقيم المرأة الغنية حفل استقبال من حفلاتها المتألقة، لطائقة كبيرة من المدعوين. التفّت حولها صديقاتها وأصدقاؤها المقربون، وبينهم فلورا، الدكتور غرينفيل طبيبها، البارون دوفيل أحد الطامعين في الاقتران بها، الماركيز دوني وغيرهم.
في نهاية الفصل الثالث يُسدل الستار على فيوليتا، وقد أفاقت من صحوة الموت، تبلغهم: أن الحياة عادت إليها، وأنها لم تعد تحس بأي ألم أو إعياء.
تعبّر عن هذا الألم الواهن (لحن حبّها) لألفيرود (الشاب الذي أحبها بعمق)، آلة واحدة من آلات الكمان. فجأة تسقط فيوليتا وقد فارقت الحياة.
كان العرض ممتعاً، وبأصوات لكبار مغنيات ومغنيي الأوبرا في روسيا. انتهى العرض مع الاستراحتين بين فصوله الثلاثة، قبل الحادية عشرة بقليل. استقللت المترو، وفي أقرب محطة للفندق، مشيت إليه، ولم أركب الباص. كان الجو ممتعاً.

إلى الأعلى