السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / إن لم نتقدم فسنتقادم

إن لم نتقدم فسنتقادم

الأحداث التي نواجهها في حياتنا سواء كانت إيجابية أو سلبية تتضمن تغيرات وانتقالات أسرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو دراسية أو انفعالية أو صحية أو شخصية تحدث تأثيرات على الأفراد بطرق مختلفة تبعاً للطريقة التي ينظر ويواجه بها الفرد تلك الأحداث وما تتضمنه من متطلبات ومسئوليات مرتبطة بها، ففي حين تؤدي إلى تغيرات إيجابية لدى الأفراد الذين ينظرون لها كتحديات لاكتشاف واستثمار ما يمتلكونه من قدرات ومهارات وكفرص لتطوير قدراتهم ومهاراتهم لمواجهة المتطلبات والمسئوليات الجديدة فإنها تؤدي إلى تغيرات سلبية لدى الأفراد الذين ينظرون إليها ويتعاملون معها كصعوبات تعطل ما يمتلكونه من قدرات ومهارات ومعيقات عن بذل الجهد الذي يمكنهم من تطوير قدرات ومهارات لمواجهة متطلبات ومسئوليات تلك الأحداث الجديدة.
ويعتبر دخول الطالب للجامعة من الأحداث الإيجابية حيث يعتبر حلما للعديد من طلبة المرحلة الثانوية كما أن المرحلة الجامعية ذات أهمية بالغة في حياة الأفراد فهي تمثل مرحلة انتقالية وإعدادا للحياة المستقبلية التي يلعب فيها الأفراد أدوارا أسرية واجتماعية ومهنية مهمة ولما كانت هذه المرحلة الدراسية تحدث في المرحلة العمرية الممثلة لمرحلتي المراهقة المتأخرة والرشد المبكر والتي يكون فيها تطور ونمو الفرد في جميع جوانب شخصيته في أوجه فإن متطلباتها ومسئولياتها ( بما في ذلك الأكاديمية والشخصية والاجتماعية) تتميز بالصعوبة والاتساع والتنوع والاستقلالية أكثر من المراحل السابقة وهذه التغيرات التي تحدث في خصائص البيئة الأكاديمية موازية للتطور الطبيعي الذي يحدث لأفراد هذه المرحلة والتي من المفترض أن تمكنهم من صقل وتطوير ما لديهم من مهارات وقدرات وخصائص وبالتالي فهي نظرياً تؤدي إلى تغيرات إيجابية لدى الأفراد إلا أن على أرض الواقع فإنها قد تحدث للعديد من الأفراد تغيرات سلبية مثل ؛ تراجع في كمية ونوعية الجهد المبذول في الدراسة أو الشعور بعدم الرغبة والدافعية لبذل الجهد الدراسي ويرافق ذلك تراجع في مستوى الإنجاز الأكاديمي إلى درجة الوقوع تحت الملاحظة الأكاديمية والتعرض لخطر سحب القيد أو السحب الفعلي للقيد بالرغم من تفوق الطالب أو الطالبة في المرحلة الثانوية كما قد يكون الطالب أو الطالبة من المتميزين في النشاطات المدرسية المنهجية واللامنهجية بما فيها الإذاعة المدرسية والمشاركة في المسابقات وقد يكون النجم داخل المدرسة ذا صداقات متعددة وصاحب شخصية واثقة يستطيع التحدث أمام أي جمع ويتحول هذا كله إلى شعور بالقلق وعدم الثقة بالنفس مع تأثيرات سلبية على قدرات ومهارات كان يمتلكها ويمارسها في مرحلة سابقة حيث قد يشعر بضعف التركيز وانخفاض القدرة في الحديث أمام الآخرين وتجنبه ما أمكنه ذلك حيث يخشى من تقييمهم ونقدهم.
كما قد يعاني البعض من إشكاليات في العلاقات الاجتماعية كشعوره بأنه أقل من الزملاء من حوله، أو عدم قدرته على بناء علاقات الصداقة أو المحافظة عليها، أو قد يعاني من صراعات فعلية ظاهرة في علاقته مع الآخرين أو داخلية ترتبط بعدم التقبل أما ذو الاتجاه الواحد أو المتبادل مع زملاء السكن والدراسة أو العاملين في البيئة الجامعية.
وقد تمتد التأثيرات السلبية للعلاقات مع أفراد الأسرة حيث قد يشعر الطالب بأن أفراد أسرته غير متفهمين له أو أنهم لا يقدرونه كما قد تصبح معظم التفاعلات اللفظية فيما بينهم انتقادات يوجهها كل منهم للطرف الآخر.
وفي غالب الأحيان لا يفهم الطلاب مثل هذه التغيرات لاسيما وأن مثل هذه الأحداث وما يرتبط بها تمثل عوامل ضاغطة لها تأثيرات فعلية على نفسية ومزاج الفرد وفعاليته حيث يصبح البعض أسرع استثارة وغضبا عند مواجهة أحداث بسيطة، كما قد يصبح أكثر حساسية وميلا للبكاء، في حين قد يهرب البعض الآخر من النشاطات التي تتطلب تركيزا كالدراسة إلى النشاطات الاجتماعية والترفيهية كالتسوق والجلوس مع الأصدقاء والرياضة أو النوم.
وعندما تبدأ المهام الحياتية الرئيسية (ممثلة في المرحلة الجامعية بالدراسة الجامعية، والعلاقات الاجتماعية والأسرية) بالتضرر كنتيجة لسلوك الفرد ومستوى جهده المبذول فيها يميل الطلبة والمحيطون فيهم لتقليل مسئولية الطالب بعزو تلك التغيرات لتفسيرات غير منطقية كالسحر وهذا يحول دون الفهم الدقيق والموضوعي لمثل هذه التغيرات واتخاذ الإجراء المناسب للتعامل معها بل واستثمارها.
إن الطريقة المثلى للتعامل مع مثل هذه التغيرات التي تكون طبيعية ومقبولة في بداية أي أحداث تتضمن تغيرات وانتقالات بما فيها انتقال الطلبة من المستوى المدرسي للمستوى الجامعي والذي يستند إلى ثلاثة ركائز أساسية ؛ أولاً: تحصيل المعرفة والمعلومات حول البيئة الجامعية ومتطلباتها ومصادر الدعم فيها وأية معلومات تخدم الطالب.
ثانياً: العمل على تطوير المهارات والقدرات من خلال الأنشطة الفردية والاستفادة من الأنشطة والخدمات والفعاليات التي توفرها المؤسسة التعليمية، ثالثاً: التعامل مع المشاعر السلبية التي قد يشعر بها الطالب نتيجة لهذه التغيرات وذلك باللجوء إلى مصادر الدعم الرسمية كمركز الإرشاد الطلابي والاستعانة بمصادر الدعم غير الرسمية الموثوق بها كالولدين أو الأخوة أو الأصدقاء.
إن التعامل مع التغيرات باستخدام الركائز الثلاثة يؤدي لنمو وتطور القدرات والمهارات والخصائص حيث توفر فرصة لزيادة المعرفة والخبرات والتجارب في حين عدم التعامل معها يؤدي إلى ترسيخ فكرة الطالب عن نفسه بأنه بدخوله الجامعة فقد قدراته ومهاراته وخصائصه الإيجابية والحقيقة أن لا أحد يخسر ما كان قد طوره أو اكتسبه، ولكن الشعور بأن قدراته ومهاراته وخصائصه قلت ناتج عن آمرين ؛ أولاً أن مستوى ما يمتلكه من خصائص ومهارات وقدرات متناسب مع متطلبات مرحلة سابقة ولكنه غير فعال وغير مناسب لمرحلة الجامعة وهي المرحلة الحالية لذا البقاء عليه دون تطوير يشعر الفرد بأنه خسر ما يمتلكه ؛ ثانياً: عندما يتطور الآخرون في نفس المرحلة ونفس البيئة ويبقى الطالب على ما يمتلكه من مستوى سابق يبدو أن الهوة تتسع بينه وبين أقرانه ويشعر أنه تراجع والحقيقة أنه وقف أمامه والآخرون تقدموا.
لذا علينا أن نعي بأننا إن لم نتقدم فإننا سنتقادم.

د. عائشة محمد عجوة
أخصائية إرشاد وتوجيه مركز الإرشاد الطلابي جامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى