الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لقطات من المشهد الانتخابي الإيراني

لقطات من المشهد الانتخابي الإيراني

”المنافسة القوية بين الإصلاحيين والمحافظين. كشأن الانتخابات دائما ما يكون هناك فريقان قويان على الاقل يتنافسون في العملية الانتخابية وجذب اكبر عدد من الناخبين من خلال ما يقدمه كل حزب أو تيار من افكار وبرامج. وفي ايران كما في كثير من البلدان الديمقراطية، ما يعرف بالتيار الاصلاحي أو المعتدل والتيار المحافظ أو المتشدد. وربما يتقارب المعتدلون من داخل التيارين الرئيسيين في العديد من القضايا والأمور العامة على الصعيد الداخلي.”

ادلى الايرانيون بأصواتهم يوم الجمعة الماضي لانتخاب اعضاء مجلسي الشورى والخبراء في عملية اقتراع ستحدد موقفهم حيال سياسة الانفتاح التي يتبعها الرئيس حسن روحاني. وحظيت عملية الاقتراع بمشاركة كبيرة، خاصة من فئة الشباب الذين يشكلون نحو 60% من مجموع سكان ايران البالغ عددهم 80 مليون نسمة. وكان هناك طوابير طويلة من الناخبين خارج مراكز الاقتراع بشكل ادى إلى تمديد فترة الاقتراع عدة مرات لتنتهي في منتصف الليل مما يدل على ارتفاع نسبة المشاركة. وكان قد تم دعوة نحو 55 مليون ناخب مسجلين لاختيار 290 نائبا في مجلس الشورى لمدة اربع سنوات، من اجل قيامه بدور اكبر في التشريع ومراقبة اداء الحكومة و88 عضوا في مجلس خبراء القيادة الذي يضم رجال دين مكلفين خصوصا تعيين ومراقبة عمل المرشد الأعلى للجمهورية.

وتأتي هذه الانتخابات بعد ستة اسابيع على رفع معظم العقوبات الدولية عن طهران بموجب اتفاق 14 يوليو 2015 بين إيران والقوى الكبرى حول البرنامج النووي الذي ابرم بعد سنتين من المفاوضات الشاقة، ويفترض ان يتيح لإيران الخروج من عزلتها وانعاش اقتصاد انهكته عشر سنوات من العقوبات. ويعول روحاني المنتخب في 2013 على ان يعزز نجاح الاتفاق حجم تمثيل مؤيديه الإصلاحيين والمعتدلين في مجلس الشورى خصوصا، وهو ما سيساعده في تطبيق جملة من الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية قبل نهاية ولايته في 2017 وخصوصا بفضل الاستثمارات الاجنبية التي يأمل في جذبها إلى ايران.
ويمكن استجلاء المشهد الانتخابي الايراني في عدة لقطات منها:
ـ اجراء الانتخابات في يوم الجمعة. أي يوم الاجازة او الراحة الاسبوعية لغالبية السكان. وذلك لعدم تعطيل العمل ووقف حركة الإنتاج، حيث تتمتع ايران بتقدم في اغلب المجالات على الرغم من العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات طويلة. فعلى الصعيد الاقتصادي هناك تقدم يمكن رصده من خلال التقدم في صناعة السيارات في خوردو حيث تنتج ايران سيارة ايرانية خالصة بشكل كامل بما في ذلك محرك السيارة ذاته. ولا تقوم بعمليات تجميع لسيارات اجنبية فيها فقط على غرار بعض بلدان المنطقة العربية. كما انه على الرغم من زيادة عدد السكان في ايران، لم تشك من هذه الزيادة وتعتبرها معرقلا للنمو والتقدم. بل تستغل قدرات ابنائها، بحيث اننا لم نر عمالا ايرانيين يسارعون للعمل في البلدان الخليجية كما هو حال رعايا كثير من البلدان العربية وغيرها. فضلا عن عدم وجود عاملات منازل ايرانيات او خلافه على غرار العاملات من الهند وبنجلاديش وحتى اندونيسيا التي قد تعد اكثر تقدما من ايران باعتبارها من النمور الآسيوية. كما ان هناك تقدما كبيرا برغم الحصار الاقتصادي الطويل على المستوى الصحي، حيث توجد مستشفيات ومدن طبية على احدث مستوى بشكل يجعلها تبدو وجهة للسياحة العلاجية. ولم نر او نسمع عن مسئولين فيها يسافرون للعلاج من اتفه الامراض في مستشفيات البلدان الغربية او غيرها. كما يشهد الايرانيون تقدما كبيرا على صعيد التعليم، حيث تأتي بين اولى دول العالم من حيث جودة التعليم. كما تتمتع ايران باستقرار أمني كبير وتقدم محفزات استثمارية كبيرة بشكل جعل اغلب الشركات العالمية الكبرى وكثير من دول العالم تتكالب على الاستثمار واقامة مشاريع فيها فور رفع العقوبات عنها. ومن ثم كان اختيار يوم الجمعة للقيام بالواجب الوطني من قبل السكان وعدم تعطيل آلة الانتاج من ناحية، وعدم الاحتجاج بقلة المقترعين بأن لديهم دوامات عمل يمكن ان يأتوا بعد انتهائها كما تحاول بعض انظمة المنطقة تجميل المشهد الانتخابي فيها.
المشاركة الكبيرة في الانتخابات وخاصة بين الشباب تعد دلالة قوية على الثقة في العملية الانتخابية، وان صوت المواطن سيكون له تأثير ومردود في النهاية. وهو ما أكده روحاني بإعلانه ان حكومته ترى في الانتخابات «دلالة ثقة كبيرة» وان كل المؤسسات المعنية بتنظيمها ستضمن ان تكون «شرعية وسليمة». وبالتالي فهناك ثقة تامة من قبل الناخب في العملية الديمقراطية برمتها، وليس كما في بعض بلدان المنطقة التي حاولت السير في هذا الطريق، فأجرت عدة استحقاقات انتخابية تم الغاء نتائجها بجرة قلم، بشكل افقد المواطن الثقة في جدوى تلك العملية. مما حدا به إلى العزوف عن المشاركة فيها لتظهر نسبة المشاركة الهزلية في مثل تلك الانتخابات.
المنافسة القوية بين الاصلاحيين والمحافظين. كشأن الانتخابات دائما ما يكون هناك فريقان قويان على الاقل يتنافسون في العملية الانتخابية وجذب اكبر عدد من الناخبين من خلال ما يقدمه كل حزب او تيار من افكار وبرامج. وفي ايران كما في كثير من البلدان الديمقراطية، ما يعرف بالتيار الاصلاحي او المعتدل والتيار المحافظ او المتشدد. وربما يتقارب المعتدلون من داخل التيارين الرئيسيين في العديد من القضايا والأمور العامة على الصعيد الداخلي. وان كان هناك فروق بين التيارين من حيث علاقة الدين بالدولة او بالسياسة. فما يعرف بالاصلاحيين يرغبون بعدم هيمنة الدين على السياسة. وان يكون هناك شبه فصل بين الدين والسياسة (كما هو حال ما يعرف بالعلمانيين او الليبراليين في بعض البلدان العربية). اما اصحاب التيار المحافظ فيرى عدم انفكاك العلاقة بين الدين والدولة وهيمنة الدين على شئون الحياة والدولة والمجتمع. وعلى الصعيد الخارجي، يرى المعتدلون او الاصلاحيون بانه يجب تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب عموما والاحتلال الاسرائيلي والاستفادة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية الدافئة معهم. وبرأيهم، اذا كان بعض البلدان العربية قد هرعت الى التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي او اقامة علاقات معه بشكل او اخر او صارت لا تعاديه بشكل جعل القضية الفلسطينية باتت خارج برامج سياسة عدد من تلك البلدان، فلماذا تكون ايران ملكية اكثر من الملك وتقف مع قلة قليلة في وجه الاحتلال وتعاديه وتعادي راعيه الاكبر الولايات المتحدة والغرب؟ اما التيار المحافظ او المتشدد، فيرى ان معاداة الاحتلال الاسرائيلي ومقاومته بكل السبل هو اساس شرعي عقائدي وليس اساسا سياسيا مصلحيا ومن ثم يكون التركيز على معاداة هذه الاحتلال ورعاته وتكريس الاحتفال السنوي بيوم القدس ومقاومة الاحتلال.
وعلى الرغم من تلك الخلافات والمناكفات السياسية بين الفصيلين والتي ادت إلى رفض ترشيح عدد من القيادات من بينهم حفيد قائد الثورة اية الله الخوميني وانسحاب 1400 مرشح في اللحظة الاخيرة لينخفض عدد المرشحين المعتمدين الى 4844 مرشحا بينهم نحو 500 امرأة. فرغم ذلك، لم يتم تحويل الخلاف السياسي، الى خلاف ديني عقائدي ومن ثم محاولة فصيل القضاء التام على الفصيل الاخر من خلال شيطنته وتكفيره واستئصاله من على ظهر البسيطة.
كما يجري في نفس الانتخابات ايضا انتخاب اعضاء مجلس الخبراء الذين بلغ عدد المرشحين له 159 رجلا. والذي يتم انتخاب اعضائه البالغ عددهم 88 عضوا لمدة ثماني سنوات. ولانتخاب هذا المجلس اهمية كبرى وذلك لانه المنوط به اختيار ومراقبة عمل المرشد الاعلى للثورة اي خليفة لأية الله علي خامنئي الذي يبلغ من العمر 76 عاما وامكانية النظر فيما يعرف بولاية الفقية التي هي الركيزة الاساسية للنظام السياسي في الجمهورية الاسلامية. ولعلنا نتذكر في ذلك السجال الذي حدث، عقب وفاة الخوميني وتولي الخامنئي، عندما اعلن اية الله منتظري اعتراضه على تولي خامنئي انطلاقا من ولاية الفقيه. ومرد ذلك كما رأى منتظري انه كان استاذا لخامنئي اي انه اكثر فقها وعلما منه فهو اذاً الاولى بمنصب المرشد. فرد عليه خامنئي ردا خشنا، فعقب منتظري بقوله «كيف تثقون في رجل هذه اخلاقه مع استاذه». وكان من نصيب منتظري الاقامة الجبرية.
ويبدو ان التيار الاصلاحي سيكون اوفر حظا في هذه الانتخابات حيث تعززت مكانته بعد الاتفاق الاخير مع القوى الكبرى المتعلق بالبرنامج النووي ورفع العقوبات عن ايران وتطلع الكثير من الايرانيين لان يشهدوا فترة نمو اقتصادي قائمة على علاقات طبيعية مع بلدان العالم. فبعدما كان الاصلاحيون يحظون بنسبة 10% تقريبا في مجلس الشورى المنحل، من المتوقع حصول انصار روحاني على نسبة الثلث في المجلس الجديد، مما يمثل اضافة كبيرة تدفعه لمواصلة مسيرته. كما يمكن ان يكون لذلك آثاره على فرص اعادة انتخاب روحاني لولاية ثانية في 2017. ومهما كانت نتيجة الانتخابات، فإن ايران على اعتاب مرحلة جديدة وتستعد لتحقيق قفزة كبرى على كافة الاصعدة مستفيدة في ذلك بحالة الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي والتركيز الكبير على التعليم.

السيد عبد العليم
مترجم وباحث سياسي
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى