الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / حق الاستثمار والتنمية في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية (19)

حق الاستثمار والتنمية في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية (19)

المال ركن من أركان الدين الحنيف كما هو ركن من أركان الدنيا؛ يتجلى ذلك بالنظر إلى نصوص الشريعة قبل الولوج إلى النصوص القانونية الواردة في شأن استثمار الأموال وتنميتها، فالزكاة نماء للمال، وتطهير لصاحبه، وسعة وبركة في دوامه وتكثيره، وهو ما يقتضيه المعنى اللغوي لمفردة الزكاة حيث الزيادة والنماء، وعلى ذلك وغيره من المعاني المدللة على ركنية المال في الدين جعلت الشريعة المال من المقاصد الكلية والعامة لأحكام الدين القويم، ووضعت لكسبه واستثماره وإنفاقه أطرا وضوابط تؤطر كل جزئية من جزئيات الصرف والخرج فيه، فهناك من أحكام الاستثمار والتنمية للمال العديد من الطرق الشرعية المأمور بها كعقود المرابحة والمضاربة والمقاولة وعقود البيوع المختلفة وعقود المساقاة والمزارعة وعقود الإجارة المنتهية بالتمليك والقروض الحسنة وغيرها، ذلك لأن في استثمار الأموال شداً لأواصر الناس في المجتمع، وسعادةً في الحياة، ومنعةً لاقتصاد البلاد، وتأميناً لرفاهية العباد، يقول الله تعالى في معرض السعي للاستثمار وتقرير الحق فيه:(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة ـ 10)، ويقول:(وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّه) (المزمل ـ 20)، والإنسان الأفضل والأكمل من يكون قويا باستثمار المال وتنميته غير ناسٍ نصيبه من الدنيا، وغير ناءٍ بذاته عن الانخراط في مجال التنمية والعطاء لبني جنسه ووطنه، يقول الله تعالى:(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (البقرة 201 ـ 202)، ويقول:(وابتغِ فيما آتك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) (القصص ـ 77)، وهناك العديد من النصوص الشرعية قرآنية ونبوية دالة على فضليّة الاستثمار والتنمية للأموال ليس هنا محل بسطها، وبالمال كذلك تقام العبادات وتؤدى من صلاة وحج ومعاملات ووصية وهبة وتصدّق وإنفاق وغيرها.
وقد جاءت النصوص القانونية العمانية مؤكدة على مقاصد التنمية والاستثمار، ومقررة الحق فيه للإنسان بالمشاركة الفعالة في البناء الاقتصادي الوطني، حيث أشارت المادة (11) من الدستور العماني إلى ذلك بفقرات عديدة منها القول: الاقـتصاد الوطني أساسه العدالة ومبادئ الاقـتصاد الحـر، وقوامـه التعاون البناء المثمـر بين النشاط العـام والنشاط الخاص، وهدفـه تحقيق التـنميـة الاقـتصاديـة والاجتماعية بما يـؤدي الى زيـادة الانتـاج ورفع مستـوى المعيشـة للمواطنين وفقا للخطة العامة للدولة وفي حدود القانون، وحـرية النشـاط الاقـتصادي مكـفـولة في حـدود القانـون والصالح العام وبما يضمن السلامة للاقـتصاد الوطني، وتشجـّع الدولة الادخار وتـشرف على تـنظيم الائـتمان، والثروات الطبيعيـة جميعها ومواردهـا كافة ملك للـدولة، تـقوم على حفظها وحسن استغـلالها، بمراعاة مقـتضيات أمن الـدولة وصـالح الاقتصاد الـوطني. ولا يجوز منح امتيـاز أو استـثمار مورد من مـوارد البلاد العـامـة إلا بموجـب قـانـون ولفترة زمنيـة محددة، وبما يحفظ المصالح الوطنية. – والضرائب والتـكـاليف العـامـة أسـاسهـا العـدل وتـنميـة الاقـتصاد الوطني. – وإنشاء الضرائب العـامة وتعديلهـا والغاؤهـا لا يكون إلا بقانـون ولا يعـفى أحد من أدائها كلهـا أو بعضها إلا في الأحوال المبـينة في القانون. ولا يجوز استحـداث ضريبـة أو رسـم أو أي حق مهما كان نوعه بأثر رجعي”. إن حق الاستثمار والتنمية بالموارد الطبيعية للدولة العمانية قد وجد كل الاهتمام والتقدير من قبل الحكومة الرشيدة في ظل بانيها سلطان عمان، حيث أوجدت الكثير والكبير من صور الرعاية لكل المواطنين المستثمرين الراغبين في بناء مشاريع، أو إقامة نشاطات تخدم صالح الوطن، وتدفع بعجلة التقدم نحو التنمية.
ومن ذلك صندوق الرفد الذي أنشئ بمبادرة سامية من لدن صاحب الجلالة، وكذلك الدعم في المجال الزراعي والحيواني، وتوفير مختلف الأراضي التجارية والصناعية للمواطنين الراغبين في الاستثمار والنشاط التجاري والصناعي، وهناك أيضا الدعم والاحتضان للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في السلطنة، وكذلك أصبحت هناك العديد من التمويلات والتسهيلات المالية لأصحاب الاستثمار الاقتصادي بمختلف تخصصاته ومجالاته، وغيرها من صور الرعاية الوطنية العمانية لتحقيق هذا الحق واستغلاله حسب الأصول. كما وجدت من الرعاية الدولية ما هو كفيل بحفظ حق الاستثمار والتنمية الاقتصادية بالنسبة للأفراد في مجتمعاتهم وأوطانهم، حيث أشار إلى ذلك العديد من القوانين الدولية، ومنها: العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك في الجزء الأول منه في عدة مواد قانونية كالمادة (1) والمادة (3)، حيث أشارتا إلى أن التصرف المستقل بالتنمية الاقتصادية للدول والمجرد من أية ضغوطات أو اعتراضات أو ولايات عليها حق أقره القانون الدولي بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان، ولا يجوز لأية دولة أو جهة التدخل في هذا الحق بالنسبة لدولة أخرى أو إقليم معين.
وكذلك فإن الشعوب والأفراد والمؤسسات داخل محيط المجتمع والدولة الواحدة حقهم واجب احترامه، متقرر ثبوته، تجاه حكوماتهم وبكل صور الشفافية، وبعيدا عن الاحتكار، أو وضع القيود، أو تعقيد الإجراءات والقوانين المتصلة بمجال حق التنمية والاستثمار للإنسان داخل وطنه، بل يجب أن يرعى هذا الحق، ويقدم للفرد كل سبل الدعم والمعونات التي تشجعه على نماء وطنه، وتحقيق اكتفائه الذاتي في الجانب الغذائي والصناعي والزراعي .. وغيرها من المجالات المختلفة. كما نص على هذا الحق بصورة تفصيلية الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والذي تمت إجازته من قبل مجلس الرؤساء الأفارقة بدورته العادية رقم 18 في نيروبي (كينيا) يونيو 1981م، وذلك في المادة (21) و(22) منه.
إن أي استيلاء للثروة الاقتصادية لبلد أو دولة ما يبيح لشعب تلك الدولة المطالبة في استرداد تلك الثروة مع المطالبة بالتعويض الملائم والعادل.
ويكون لكل شعب حق التصرف في استغلال ثرواته الاقتصادية دون المساس بالتنمية الاقتصادية بين الدول في جانب النماء والتعاون الاقتصادي. وقد أقرت الأمم المتحدة هذا المبدأ من خلال ما جاء في ميثاقها الذي صدر بمدينة سان فرانسيسكو في اليوم السادس والعشرين من شهر حزيران / يونيو 1945م، وذلك في الفصل التاسع (في التعاون الدولي الاقتصادي والاجتماعي) بالمادة (55) حيث نصت على إنه: رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم المتحدة مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، تعمل الأمم المتحدة على:
(أ) تحقيق مستوى أعلى للمعيشة وتوفير أسباب الاستخدام المتصل لكل فرد والنهوض بعوامل التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.
(ب) تيسير الحلول للمشاكل الدولية الاقتصادية والاجتماعية والصحية وما يتصل بها، وتعزيز التعاون الدولي في أمور الثقافة والتعليم.
(ج) أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء، ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلاً.
وإلى لقاء آخر يجمعنا ـ بمشيئته تعالى ـ أستودعكم الله في الحل والترحال.

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى