الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / بريطانيا والاتحاد الأوروبي

بريطانيا والاتحاد الأوروبي

كاظم الموسوي

” بعد جولات مفاوضات مع رئاسة الاتحاد الأوروبي وفي قمم الاتحاد توصل كاميرون الى اصلاحات مشتركة وعاد إلى البرلمان البريطاني ليقدم الاتّفاق حول مشروعه “إصلاح الاتحاد الأوروبي”، الذي انتزعه من شركائه الأوروبيين. وقرر ان يكون موعد الاستفتاء مبكرا في الثالث والعشرين من يونيو المقبل. وهو يعمل على انجاح ما قام به وسعى اليه.”

منذ انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي عام 1973 وهي في حالة ملتبسة بين جانبي المحيط الأطلسي. أي انها تتعامل وتراوغ وتضع علاقاتها ومصالحها والتباين بينهما مع طرفي المحيط، اوروبا والولايات المتحدة الاميركية في آن واحد. مما جعلها واقعيا ماسكة العصا من وسط المحيط. ومنذ استفراده بالحكم بفوزه بالأغلبية البرلمانية، وعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بالتفاوض مجددا على ‏شروط عضوية بريطانيا في الاتحاد أو الخروج منه. وكان قد حدد عام 2017 لإجراء استفتاء حول هذا الخروج من عدمه في حينه. وبين موافقة الاتحاد وضغوط أميركية كبيرة تتواصل حملات الاستمرار او المغادرة من عضوية الاتحاد، مع ان الرأي الغالب هو البقاء.
بعد جولات مفاوضات مع رئاسة الاتحاد الأوروبي وفي قمم الاتحاد توصل كاميرون الى اصلاحات مشتركة وعاد إلى البرلمان البريطاني ليقدم الاتّفاق حول مشروعه “إصلاح الاتحاد الأوروبي”، الذي انتزعه من شركائه الأوروبيين. وقرر ان يكون موعد الاستفتاء مبكرا في الثالث والعشرين من حزيران/ يونيو المقبل. وهو يعمل على انجاح ما قام به وسعى اليه.
رغم عدم معرفة النتائج لهذا الاستفتاء بديهيا او نظريا، إلا ان كاميرون يأمل إقناع غالبية من البريطانيين بالتصويت بـ”نعم” على استمرار العضوية في الاتحاد، وبدأ بالترويج لما حققه وغيّر في اتجاهات سياسته الى الدعوة الى البقاء، الامر الذي يعكس تناقضا بين جهوده وأصوات الاعتراض عليه داخل صفوف حزبه وحكومته والمقربين منه. والأبرز فيهم الآن رئيس بلدية لندن، بوريس جونسون، الذي أعلن، صراحة، أنه سيدعو إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي، مبرّرا ذلك بالقول إنه “لا يجب الخلط بين روائع أوروبا وقضاء عطل في أوروبا والغذاء الممتاز والصداقات مع مشروع سياسي قائم منذ عقود وينذر اليوم بالخروج عن السيطرة الديمقراطية”. ورغم ذلك اعتبر كاميرون ان نتائج الاستفتاء ستضع على المحك مكانته في التاريخ ومكانة بلاده في العالم ودعا الى بقاء بلاده في الاتحاد الأوروبي. وأكد إنه يدعو لذلك، واصفا الاستفتاء بأنه واحد من أهم القرارات في حياة البريطانيين. ومعلوم انه الية من آليات اللعبة الديمقراطية الغربية وفي بريطانيا وسياساتها المحلية والدولية.
اعلان جونسون انحيازه الى مناهضي بقاء بريطانيا في الاتحاد، رسم نقطة سلبية امام كاميرون، كما حصل مع عدد من الوزراء مثل وزير العدل مايكل غوف، إلا ان كاميرون نجح حتى الآن، في تفادي انشقاق الشخصيات الرئيسية في حزب المحافظين، مثل وزراء المالية جورج اوزبورن والداخلية تيريزا ماي والخارجية فيليب هيلموند، وكان قد حذر في اطار جهوده الجديدة من أن مغادرة الاتحاد الأوروبي ستكون بمثابة “قفزة في الظلام”، وحث الناخبين على دعم اتفاقه لإصلاح الاتحاد.
وفقا لبحث أجرته شبكة بي بي سي الاعلامية، فإن 142 من نواب حزب المحافظين سيدعمون البقاء في الاتحاد، بينما سيؤيد 120 نائبا الخروج منه، إلى جانب 68 نائبا لم يعلنوا موقفهم بوضوح حتى الآن. وتدعم الأغلبية الساحقة من نواب حزب العمال الاستمرار في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أحزاب الوطني الأسكتلندي وبليد سايمرو (الويلزي) والديمقراطيين الليبراليين، بينما يؤيد نواب حزبي الديمقراطي الوحدوي من ايرلندا الشمالية وحزب استقلال المملكة المتحدة مغادرة الاتحاد. وهذا مؤشر لصالح كاميرون في البرلمان البريطاني.
واصل كاميرون حملته الجديدة بان اتفاقه لإصلاح الاتحاد الأوربي، الذي تم التوصل إليه، سيعطي بريطانيا “وضعا خاصا” داخل الاتحاد، يأخذ في الاعتبار مخاوف لندن إزاء استفادة المهاجرين من مساعدات الرعاية الاجتماعية، وإعفاء بريطانيا من الالتزام بأي إجراءات تكامل تؤدي إلى “اتحاد أكثر تقاربا”. وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إنَّ الاتفاق الذي يهدف إلى إبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي حصل على تأييد بالإجماع من كل زعماء الاتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين.
يحافظ الاتفاق النهائي على معظم التنازلات التي قُدمت لبريطانيا في النسخ السابق للتسوية، “على الرغم من أنَّه قد لا يعالج المخاوف التي أثارها المنظمون والمحللون البريطانيون. ويؤكد نص الاتفاق على أنَّ المنظمين البريطانيين، مثل بنك انجلترا في لندن، سيكونون مسؤولين عن الإشراف على المصارف والأسواق الوطنية عندما يتعلق الأمر بالمحافظة على الاستقرار المالي. ورُفضت محاولات استبعاد الأسواق من مجال هامش الحرية خلال المفاوضات. ولكن الاتفاق النهائي يؤكد أنَّه لا يمكن ممارسة السلطات السيادية إلا من دون المساس بالقوانين الموحدة للقواعد المالية للاتحاد الأوروبي”.
من جهة اخرى حذر مديرو ورؤساء مجالس ادارة اكثر من 200 شركة كبرى في بريطانيا من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيهدد قطاع الوظائف، وسيعرض اقتصادها للخطر. وقال هؤلاء في رسالة نُشرت.. “إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيعيق مسيرة الاستثمار في البلاد”. وأشارت الرسالة الى موقف واضح وتحذير مسبق للناخبين ودعوة صريحة للموافقة على توجهات كاميرون والبقاء في الاتحاد. وورد فيها ان “الاقتصاد يحتاج لتواصل غير مقيد بالسوق الأوروبية التي تضم 500 مليون مستهلك، كي يواصل نموه واستثماره وتوفيره للوظائف”. وأضافت الرسالة “بريطانيا ستكون أقوى وأكثر أمانا وأفضل حالا ببقائها في الاتحاد الأوروبي”. كما اسهم عدد آخر من السياسيين او المسؤولين السابقين في التنبيه للمخاطر التي قد تتعرض لها المصالح البريطانية الاقتصادية اساسا في الخروج من الاتحاد.
في المقابل، يقول مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوروبي إن المغادرة ستحد من النفقات واللوائح “غير الضرورية”. وكان قد وضح النائب عن حزب المحافظين، جاكوب ريس- موغ، رأيه ومجموعته بان الاتحاد الأوروبي هيئة “فاشلة” ويتعين على المملكة المتحدة “أن تسلك طريقها الخاص”.
استعدادا ليوم الاستفتاء يقوم كل طرف بحملاته لإقناع المستفتين بآرائه. فيقوم كاميرون بجولة وطنية يروّج فيها لرؤيته الجديدة واتفاقاته المشتركة. كذلك المناهضون للاتحاد الأوروبي.
وبانتظار نتائج الاستفتاء، التي سترسم دورها في مستقبل بريطانيا ومصير الاتحاد الأوروبي تجري جهود وضغوط وتحذيرات وإغراءات كبيرة، او هكذا هي اللعبة!.

إلى الأعلى