الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإنفاق الضخم على الأسلحة في المنطقة.. لمصلحة من؟

الإنفاق الضخم على الأسلحة في المنطقة.. لمصلحة من؟

السيد عبد العليم

”تحتاج الدول العربية استثمار أكثر من 200 مليار دولار في الري وتأمين مصادر المياه العذبة حتى عام 2023. وهو ما يعادل 20% فقط من نسبة الإنفاق المتوقع على الأسلحة خلال تلك الفترة. فوفقا لاحد التقارير، فإن ميزانية الأسلحة لعام 2013 تكفي لإعطاء جميع الفقراء والباحثين عن العمل في المنطقة العربية مبلغ ألف دولار وفائضاً بقيمة 5 مليارات دولار يكفي لعدد من مشاريع التنمية.”

كثير من المؤسسات العسكرية لا تكشف عن ترسانة اسلحتها باعتبار ذلك من اسرار الدولة. كما ان ميزانيات وزارة الدفاع في كثير من بلدان المنطقة لا تخضع لأجهزة المراقبة والمحاسبة المالية. ومن ثم لا يكون هناك ارقام مؤكدة بشأن حجم الانفاق العسكري. ومع ذلك، يتم رصد حجم العتاد الحربي والانفاق العسكري بناء على ما يعلن من صفقات تبرمها الدول المستوردة مع الشركات المصنعة. ومن ثم تكون ارقام الانفاق العسكري تقريبية.
وفي هذا السياق، كشف تقرير صادر عن المركز العالمي للدراسات التنموية في لندن في ديسمبر الماضي، أن إجمالي صفقات الأسلحة في العالم العربي خلال العام الماضي، بلغ نحو 165 مليار دولار. وأشار التقرير إلى أن الإنفاق على التسليح في المنطقة زاد في أعقاب أحداث (الربيع العربي) بمعدل مرتفع. حيث بلغ متوسط الإنفاق على الأسلحة خلال الفترة من 2002 إلى 2010 مبلغ 70 مليار دولار سنويًّا، ولكنه زاد على ذلك بكثير في العامين الماضيين ووصل إلى 100 مليار دولار سنويا. وتسارعت صفقات السلاح خلال العام الماضي بزيادة 65% عن 2012 لتصل إلى 165 مليار دولار فاتورة السلاح في المنطقة العربية خلال 2013.
ومع التوصل إلى اتفاق بين ايران والقوى الكبرى بشأن برنامجها النووي في الآونة الاخيرة، زاد الانفاق العسكري بشكل كبير لا سيما لبعض الدول الخليجية. كما تضاعف الإنفاق العسكري لتلك الدول إثر الصراع في اليمن وتشكيل التحالف العربي والمشاركة في الحرب الدائرة في اليمن. كما تزايد ايضا انفاق تلك البلدان مع تفاقم الوضع في سوريا.
وبالطبع فإن الرابح الأكبر من زيادة الانفاق العسكري في المنطقة هي شركات السلاح وبلدانها. على سبيل المثال، مع زيادة صفقات الأسلحة لبلدان المنطقة تزداد معها أرباح شركات الأسلحة الأميركية. فلا تزال الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من قوة سوق الأسلحة في الشرق الأوسط. إذ ارتفعت قيمة واردات الأسلحة إلى المنطقة من 7.2 مليار دولار في عام 2012 إلى 8.7 مليار دولار عام 2013.
وأوضحت صحيفة “ذا ناشيونال” أن 7% من مبيعات شركة “لوكهيد مارتن”، واحدة من كبرى شركات أنظمة الدفاع في الولايات المتحدة، في عام 2012 وبلغت قيمتها 47.2 مليار دولار كانت للشرق الأوسط. كما افادت صحيفة “بوسطن جلوب” أن شركة “ريثيون” الأميركية، التي تعد واحدة من أكبر عشر شركات الدفاع في العالم، أبرمت العام الماضي صفقات في الشرق الأوسط بقيمة 5 مليارات دولار.
ومن ثم تعمل تلك الشركات ودولها على اثارة النزاعات والصراعات وجر حكومات المنطقة وتوريطها فيها بغية استيراد الاسلحة لتشغيل مصانع وعمال تلك الشركات ومن ثم تحقيق الارباح لها بما يمكنها من دفع الضرائب المستحقة للدولة. وفي حالات كثيرة يتم ابرام صفقات اسلحة عبر الرشاوى السياسية والعمولات الضخمة. فقد افادت وكالة الصحافة الفرنسية ان مصانع لشركة بوينج الأميركية كانت ستُغلق بحلول عام 2017، إلا أن “الشركة وقعت مع دولة خليجية رسالة نوايا تتضمن التزمها بشراء 28 مقاتلة إف 18 سوبر هورنيت المتطورة بقيمة 3 مليارات دولار” وبالتالي ستسهم هذه الصفقة في مواصلة إنتاج هذه الطائرة دون توقف. كما وقعت فرنسا العام الماضي عدة صفقات لبيع مقاتلات رافال لحكومات المنطقة ليتم فك نحس الشركة المنتجة لها بعد سنوات من انتاجها. وكذلك الحال بالنسبة لشركات اسلحة روسية وصينية وغيرها.
ومنذ فترة غير بعيدة، كانت اغلب الدول الاوروبية وخاصة الدول الكبرى في صناعة الاسلحة تعاني من ركود اقتصادي يهدد اغلب تلك الدول، لدرجة ان البعض منها كان على شفا الافلاس. فكانت سياسة تلك الدول هي تسخين الأجواء واثارة التوتر في المنطقة العربية وتصعيد الصراعات واعلانها شن غارات وتحفيز بلدان المنطقة على الدخول في الصراعات لزيادة تعقيدها كما يتجلى ذلك في الأزمة السورية. وبعد ذلك نجد تسارع وتيرة ابرام الصفقات العسكرية بين حكومات المنطقة وشركات تلك الدول. ولعل المكسب الاكبر للقوى الكبرى من وراء الاتفاق النووي مع ايران هو ذلك التكالب على التسلح في المنطقة. مما ادى إلى تنشيط ومضاعفة انتاج الاسلحة ومن ثم مضاعفة ارباح تلك الشركات ودولها بشكل ادى إلى حل كثير من مشاكلها المالية واحدث ارتياحا اقتصاديا بها. لدرجة ان عددا من المحللين يرون انه في كل مرة تواجه شركات الأسلحة ظروفًا مالية صعبة، تأتي هذه الشركات لتبيع منتجاتها الباهظة الثمن للدول العربية (خصوصًا الخليجية) لتعيد تصحيح أوضاعها المالية وتحقيق الأرباح من جديد ما يسمح لها بدوام الإنتاج.
اللافت انه مع كل تلك الصفقات وهذا الانفاق العسكري الضخم، يسارع عدد من حكومات المنطقة إلى الاستنجاد بالدول الكبرى طلبا للعون والحماية. فضلا عن ان تلك الجيوش ومع كل هذا الانفاق الضخم على التسلح لم تستخدم اي من قوتها او اسلحتها ـ التي يأكلها الصدأ في كثير من الأحوال ـ في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي العدو الرئيسي لها. الأمر الذي يدفع المحللين السياسيين والخبراء العسكريين إلى طرح تلك الاسئلة: لمن ولماذا تعد الجيوش الجرارة وتنشأ الكليات الحربية وتعقد الدورات العسكرية؟ ولماذا لا توجد صناعة اسلحة ومعدات حربية في بلداننا؟
واذا كانت شركات الاسلحة ودولها هي الرابح الاكبر من تزايد الانفاق العسكري، فإن الخاسر الاكبر من ذلك هو شعوب الدول الاخرى. ففي خضم هذا التنافس على السلاح، ووسط هذه الأرقام الخيالية، ثمة كثير من الشعوب تعيش الويلات في أحضان الفقر والجهل. الأمر الذي دفع بالامين العام للأمم المتحدة بان كي مون مؤخرا إلى التحذير بأن العالم ينفق علي السلاح في شهر واحد، أكثر مما ينفقه على التنمية طوال عام كامل. وما حدا بالناشط الهندي، كايلاش ساتيارتي، الحائز على جائزة نوبل للسلام إلى اعلان هذه الصرخة إلى ما بقي من عقل وضمير المسئولين في العالم:”أصبح العالم قادراً على إنتاج المزيد من البنادق والأسلحة والرصاص أكثر من الكتب والألعاب التي يحتاجها الأطفال. هل نحتاج ما يطلق عليه الناس (دفاعاً) وما أراه أنا جريمة؟ يجب أن ننفق مزيداً من الأموال حتى من ميزانيات دفاعنا ويجب أن نمنح الأطفال تعليماً أفضل على مستوى العالم. نريد إرادة سياسية عالمية أكبر. يتعلق الأمر بالتمويل العالمي لتعليم الأطفال وصحتهم وتحسين ظروفهم. ما نحتاجه نحو 18 مليار دولار إضافية لتعليم كل أطفال العالم. هذا يقل عن إنفاق عسكري لثلاثة أيام.”
وعلى الصعيد العربي، تحتاج الدول العربية استثمار أكثر من 200 مليار دولار في الري وتأمين مصادر المياه العذبة حتى عام 2023. وهو ما يعادل 20% فقط من نسبة الإنفاق المتوقع على الأسلحة خلال تلك الفترة. فوفقا لاحد التقارير، فإن ميزانية الأسلحة لعام 2013 تكفي لإعطاء جميع الفقراء والباحثين عن العمل في المنطقة العربية مبلغ ألف دولار وفائضاً بقيمة 5 مليارات دولار يكفي لعدد من مشاريع التنمية. وتنفق الدول العربية ما يقرب من 7.2% من ناتجها المحلي الإجمالي على التسليح. وهي من اعلى النسب في العالم كما انها في زيادة. في حين أن الإنفاق على التعليم يبلغ 2.5 % من الناتج المحلي الإجمالي ونسبة الانفاق على الصحة أقل من ذلك! ومع زيادة الانفاق العسكري لبلدان المنطقة ليصل إلى 135 مليار دولار، ووجود مؤشرات انه بحلول 2020، يمكن ان يصل سوق الدفاع في المنطقة إلى نحو 820 مليار دولار، تتوالي التحذيرات الأممية من أزمات غذائية متفاقمة في العديد من البلدان مثل اليمن وسوريا والعراق.
ومن المفارقات ما اعلنه صندوق النقد الدولي مؤخرا أن كثيرا من الدول الخليجية التي تنفق حاليا مبالغ طائلة على ميزانيات الدفاع تعاني في نفس الوقت من عجز مالي لا سيما بعد انخفاض أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة، بما يفرض عليها تطبيق “سياسات تقشفية”. علمًا أن صفقات التسلح التي تتم تعادل ما يتم انفاقه على بنود الإنفاق الاجتماعي الضرورية لعدة سنوات مالية قادمة.

إلى الأعلى