الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: رفض السلطة المساعدات الإيرانية قناعة أم مداهنة؟

شراع: رفض السلطة المساعدات الإيرانية قناعة أم مداهنة؟

خميس التوبي

في الوقت الذي تعاني فيه السلطة الفلسطينية من الإذلال الإسرائيلي رغم الخدمات الجليلة التي تقدمها للمحتل الإسرائيلي بما فيها التنسيق الأمني، تعلن عن مواقف لا تخدم القضية الفلسطينية ولا حتى دورها وصفحتها، لتبدو كالذي أخذته العزة بالإثم، رغم كم الولادات تحت الاحتلال والحصار.
فرفض الرئاسة الفلسطينية إعلان السفير الإيراني في لبنان عن تقديم مساعدات مالية لأهالي شهداء فلسطينيين سقطوا خلال الانتفاضة الثالثة أو “الهبة الشعبية” ـ كما يحلو لبعض تسميتها ـ ولأصحاب المنازل التي هدمها كيان الاحتلال الإسرائيلي، ووصف الإعلان بأنه “تدخل مرفوض في الشأن الداخلي والعربي”. هو موقف مثير للغرابة خاصة وأنه يأتي في ظل حصارين ظالمين يمارسهما الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، ففي الضفة حصار اقتصادي يتمثل في منع سلطات الاحتلال الإسرائيلي صرف أموال السلطة الفلسطينية المتحصلة من الضرائب، ما جعل السلطة تعاني وضعًا بائسًا لعدم قدرتها الوفاء بالتزاماتها المترتبة عليها، سواء تجاه موظفيها بصرف رواتبهم أو تجاه أهالي الضفة وبخاصة المعوزون، وفي القطاع حيث حصار الاحتلال الإسرائيلي يمنع كل شيء ولو كان بمقدوره أن يمنع الهواء عن سكانه لمنعه.
وكان السفير الإيراني في لبنان، محمد فتح علي، أعلن في مؤتمر صحفي في بيروت، عزم بلاده تقديم سبعة آلاف دولار لأهل كل شهيد سقط خلال انتفاضة القدس، فيما ستتلقى الأسر التي هدمت منازلها مبلغ ثلاثين ألف دولار، عبر “مؤسسة الشهيد ـ فرع فلسطين” الإيرانية.
ويبدو أن السلطة الفلسطينية بموقفها الرافض هذا إما أنها تراهن على ثمن تقبضه جراء قبولها السير مع الركب في الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة لإعادة رسم خريطة المنطقة لصالح مشروع الاحتلال الإسرائيلي وضمان بقائه وتمدده وتسيده، وإما خشيتها من عواقب قبولها المساعدات الإيرانية والترحيب بها، وبالتالي تحسب على محور المقاومة المناوئ للحلف الصهيو ـ أميركي. ولذلك، وبُعيد الإعلان الإيراني ثم رفض السلطة، قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الإفراج عن 500 مليون شيكل (أكثر من 120 مليون دولار) من الأموال التي تحتجزها من العائدات الضريبية التي تجبيها لمصلحة السلطة الفلسطينية، وتحويلها إلى صندوق السلطة لتخفيف الأزمة المالية التي تعانيها. ومن الواضح أن كيان الاحتلال الإسرائيلي بالإفراج هذا أراد أن يكافئ السلطة الفلسطينية على موقفها الرافض، ويسد الباب أمام أي دور إيراني داعم للشعب الفلسطيني ومشجع له على مقاومة الاحتلال.
بَيْدَ أن السلطة الفلسطينية إذا كانت تراهن على ثمن تقبضه مستقبلًا من قبل الحلف الصهيو ـ أميركي لكون أن به دولًا عربية تراها السلطة أنها فاعلة ومؤثرة وستعمل على مساعدتها لقبض هذا الثمن، فهي واهمة وتكتب بذلك ليس نهايتها وحدها، بل نهاية القضية الفلسطينية وتشطب فلسطين التاريخية. وإذا صح التكهن بأنها تراهن على ذلك فعلًا فهي لم تستفد من دروس الماضي وعبره، لأن الولايات المتحدة لن تقدم على إعطاء الفلسطينيين حقوقهم ولو جزءًا منها، ولن تكون مستعدة لذلك، وإنما ستواصل النهج ذاته بإدارة الصراع العربي ـ الإسرائيلي أو ربما تصفية ملف القضية الفلسطينية.
ولإنعاش الذاكرة، فما أشبه اليوم بالبارحة، ومن يتابع مسار التحرك الأميركي نحو ملف القضية الفلسطينية أثناء ولايتي الرئيس الأميركي باراك أوباما يجد أنه نسخة أو سيناريو مكرر لولايتي الرئيس الأسبق بيل كلينتون الذي بذل وإدارته جهودًا كبيرة لإجبار الرئيس الراحل ياسر عرفات على التوقيع على تنازلات مؤلمة وفق رؤية كيان الاحتلال الإسرائيلي بقيادة أيهود باراك آنذاك، غير أنه ونتيجة للانتباه الفلسطيني بقيادة أبو عمار ظلت جهود كلينتون والذين معه تراوح مكانها وتدور في حلقة مفرغة، إلى أن وصلت عملية السلام والمفاوضات إلى طريق مسدود بسبب السلوك الإسرائيلي ذاته القائم على المناورة والمراوغة وعدم الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وعدم الالتزام باستحقاقات السلام، ما جعل الشعب الفلسطيني يقابل هذا السلوك بالكفاح والتمسك بالأرض، لتنهض إدارة كلينتون في عامها الأخير مرة أخرى فتقود مساعي جديدة عبر مفاوضات “كامب ديفيد 2″ في العام 2000م ومفاوضات “طابا” في العام 2001م. فجهود بيل كلينتون وإدارته هي نسخة لجهود باراك أوباما وإدارته ورؤيته المتمثلة في “حل الدولتين” و”تجميد الاستيطان” ومهمة جورج ميتشل والجولات المكوكية لهيلاري كلينتون وجون كيري، فإذا كانت جهود إدارة كلينتون قد أثمرت تفجير أرييل شارون الانتفاضة الثانية، فإن جهود إدارة أوباما قد أثمرت هي الأخرى تفجير بنيامين نتنياهو الانتفاضة الثالثة أو “الهبة الشعبية”، وإذا كانت الانتفاضة الثانية وجهود الحل السلمي قد قضت عليهما الإدارة الجمهورية بقيادة جورج بوش “الصغير” بذريعة هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فإن مصير الانتفاضة الثالثة أو “الهبة الشعبية” وما تبقى من فتات الأرض الفلسطينية مفتوح على كل الاحتمالات، وهو ما يستوجب على السلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية اليقظة وعدم المراهنة على أحصنة خاسرة، فالمتآمر على قضاياه وأمته واختياره خدمة العلمين الأميركي والإسرائيلي إلى خسران مبين وإلى مزابل التاريخ، وليمت كل فلسطيني ميتة كرامة وعزة أسوة بشهداءه البررة من المناضلين الشرفاء.

إلى الأعلى