الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب: كيف يمارس المبدعون إبداعهم؟!

رحاب: كيف يمارس المبدعون إبداعهم؟!

كيف يمارس المبدعون ابداعهم؟ وكيف يلتحمون مع مزاج الإبداع؟ وكيف يتحررون من حالة الرتابة والجمود؟ كثيرا ما تتردد هذه الأسئلة في عقول الكثيرين، وخاصة أن سمة التفكير المألوف والاحتكام إلى المنطق وتغليب ما تعارف عليه العقال هو السائد في ثقافة الكثيرين. بعد قراءتي للعديد من المراجع واطلاعي على سير المبدعين والمبتكرين، علمت أن أغلب المبدعين يفكرون بطريقة غير مألوفة من خلال تحييد العقل الواعي وتجنب التفكير فيما تعارف الناس عليه، وذلك باستخدام أكثر من تقنية من بينها اللجوء إلى العزلة والاسترخاء والبعد عن الضجيج والإزعاج، وتجنب التوتر والتفكير السريع. يتيحون المجال للعقل الأيمن أن يزدهر من خلال دفعه بنعومة إلى الهدوء والسكينة. يركز المبدعون على الهدف أكثر من التركيز على الترتيب المنطقي للخطوات، يصغون إلى أعماقهم، يعيشون فترات كافية من الاسترخاء العقلي، يغيرون أوضاع جلساتهم ويتنفسون تنفسا صحيا يتيح لهم أن يختبروا حالات أرقى من الوعي العادي، ويمارسون الرياضة والتأمل. عندما يتعرض المبدعون للضغوط، ينتهزون الفرصة ويأخذون رصيدا من إجازاتهم ويمارسون التأمل والاسترخاء بعيدا عن ضوضاء وصخب العمل. يهجرون النمط التقليدي من حياتهم ويمارسون حياتهم بأسلوب مختلف، ويكتسبون مهارات جديدة تساعدهم في معالجة الأمور. كنت أشرح هذا الوصف مساء الأحد في محاضرة لطلبة ماجستير الإرشاد النفسي بجامعة ظفار، ثم تساءلنا: كيف يمكن للمرشد المهني أن يساهم في خدمة المجتمع عن طريق تغيير طريقة تفكير الطلاب وخاصة طلبة المرحلة الثانوية؟ ساعات محدودة كفيلة بتغيير أسلوب تفكير الناس في أماكن كثيرة وفي حالات عقلية فريدة. هل من الضرورة أن يكون المبدع عبقريا؟ لا طبعا! وهل الابداع حكر على المتفوقين دراسيا؟ لا طبعا! وهل لا بد أن يكون الناس خريجي جامعات وهم لا يجيدون القراءة والكتابة؟ لا بكل تأكيد. إن المرحلة القادمة ينبغي أن يكون التركيز فيها على تنمية التفكير الإبداعي، وتنشيط التفكير التبادلي الذي يثمر ابتكارات وأفكارا ابداعية من خلال تفعيل العقلين الأيمن والأيسر. إن المبدع يحمل في عقله محطات مرئية تبثه الصور والمشاهد والأشكال أو يحمل في عقله محطات إذاعة سمعية تبثه الأصوات الباعثة على الإبداع. ومن خلال ما يرى ويسمع ويلمس ويشم ويتذوق عبر محطات تفكيره تتولد شرارة الإبداع. ولو دربنا إنسانا عاديا جدا لاستطاع أن يرتقي بمهاراته الإبداعية، فالإبداع قدرة قابلة للاكتساب ومهارة قابلة للصقل والتدريب وسمة يمكن استشعارها وتنميتها وشعور يمكن تكبيره مرات ومرات. إن موقد الإبداع مشتعل كالبركان في عقل كل إنسان، فقط علينا أن نعثر على طريقة تفجيره وتحريره وتوجيهه. إن الشباب الذين ينامون في بيوتهم بحجة عدم وجود العمل أو لا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا، يمتلكون طاقات الإبداع، ولكنها خاملة يمكن تنشيطها وإثارتها. ذات مرة جاءني رجل وافد تجاوز الستين من عمره، كان يشكو الظروف التي تكالبت عليه من مرض وضيق ذات اليد وتقدمه في السن، ثم ختم ذلك بطلبه أن أساعده في الحصول على وظيفة! فقلت له: أنت بهذه الطريقة حولت نفسك من باحث عن عمل إلى متسول! من سيوظفك وأنت تقدم نفسك بهذه الطريقة المزرية؟! إن كنت تريد مساعدة مالية افرش( شماغك) في المسجد وإن كنت تريد عملا، أظهر من نفسك القوة والحماس التي تجعل أرباب العمل يقولون عند مقابلتك هذا هو الرجل الي يمكن أن يكون خبيرا أو كبير القانونيين أو مدربا في شركتي. بعد أيام قابلت الرجل الوافد وقد ارتدى عباءة المحامين، واستعاد طاقة العمل والإبداع. وعندما سألته عن سر التغيير، أجابني بأن الطريقة التي صار يلبس ويتصرف بها والأناقة التي يقدم بها نفسه إلى الناس، غيرت من نظرة الناس إليه، وجعلت الحظ يدور في فلكه من جديد. إن قدرة الناس على الإبداع لا تعدو أن تكون قرارا يتخذونه وطريقة يتصرفون بها وأسلوب تفكير يتعاملون به مع المواقف والشدائد والظروف. ■ رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية د. أحمد بن علي المعشني

إلى الأعلى