الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : ثقافة الاستخدام لمرة واحدة ماذا ينقصها؟

في الحدث : ثقافة الاستخدام لمرة واحدة ماذا ينقصها؟

طارق أشقر

يحسب للتفاعل الاجتماعي الإنساني بين الشرق والغرب منذ نهايات القرن الماضي، بأنه احدث حراكاً مميزا لصالح المجتمعات الإنسانية على مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والصحية والاجتماعية والسياسية ايضاً.
فقد نتج عن ذلك التفاعل إنجاز حالة من التطور في كافة اوجه الحياة في المجالات المذكورة أعلاه، وذلك عبر ما يعرف بعمليات نقل التكنولوجيا والتبادل التجاري في المجال الاقتصادي والصحي، وعمليات التبادل الثقافي بكل ما يتعلق بتعزيز البنيات الثقافية للشعوب وتسهيل التواصل معها ثقافيًّا، والحوار وتبادل الآراء لحل المشكلات الاقليمية والدولية سياسيا، فضلا عن ذلك فإن التفاعل الاجتماعي والتواصل بين المجتمعات الإنسانية في الشرق والغرب ازدادت وتيرته على مر العقود حتى وصل بتلك المجتمعات إلى مرحلة اشبه بذوبان الحدود القطرية أمام الثقافات، فسيطرت مفاهيم جديدة كالقرية الكونية، والعالم القرية، والشركات العابرة للقارات، والثقافات العابرة للحدود وغيرها من المفاهيم العصرية.
وفي ظل هذا الترابط أصبح ما يقع من أزمة في اي بقعة من الكرة الأرضية، تنعكس تداعياته وبسرعة فائقة على اقصى اركان الكون الأخرى، وخير مثال على ذلك تأثيرات أزمة التمويل أي الازمة المالية الأميركية المنشأ وما تركته من آثار على حياة الناس في جميع انحاء العالم قبل حوالي ثماني سنوات، والازمة السورية وما تحدثه حاليا من خلخلة في النسيج الاجتماعي الأوروبي وتركيبة الاتحاد الأوروبي وذلك خلال اقل من أربع سنوات من عمر الأزمة.
وفي هذا السياق الدائر حول جغرافية السلوك الانساني وسرعة تأثيره في مختلف الثقافات مهما بعدت المسافات الجغرافية، نجد انفسنا في الشرق سريعي التفاعل والاندماج في ثقافة الاستهلاك التي سادت في المجتمعات الغربية التي اجبرها ايقاع الحياة الانتاجية السريعة إلى ابتكار ما يعرف بمنتجات الاستخدام لمرة واحدة (ديسبوسيبل)، حيث وفرت الشركات الكثير من الادوات والسلع التي يتم استخدامها لمرة واحدة ورميها، ومنها على سبيل المثال للحصر الأواني الورقية والبلاستيكية من فناجين واكواب وأطباق وملاعق، ومستهلكات طبية وصحية وغيرها الكثير الكثير، فسرعان ما تأصلت هذه الثقافة الاستهلاكية في اوروبا وفق معايير صحية صارمة لدرجة سادت فيها قناعة بين المستهلكين بأن كل ما هو مخصص للاستخدام لمرة واحدة فهو بالضرورة آمن وصحي.

ولكن … وفي اطار انسيابية التبادل والتواصل الثقافي بين الشعوب انتقلت إلى الشرق وبشكل سلس وطبيعي نفس الثقافة في الاستخدام لمرة واحدة وبكل اريحية، وباطمئنان تام على انها منتجات آمنة، دون ان يكلف المستهلك نفسه (غسل) أي من تلك المنتجات قبل استخدامها، خصوصا وان الفكرة وراء تصنيعها قامت في الأصل على مبدأ (الاستخدام لمرة واحدة)، وليس على (الاستخدام المباشر).
قد يطرأ على الذهن منطق آخر يقول ان تلك المنتجات صنعت لكي يتم استخدامها مباشرة ورميها دون تكرار استخدامها، وهي بالتالي معقمة وجاهزة للاستخدام. فمن الناحية النظرية هذا منطق مقبول، لكن بالنظر في سعر البيع الزهيد لتلك المنتجات ووفرتها في مخازن المحلات التجارية الكبرى ضمن السلع والمنتجات غير الغذائية، ينبري بذلك سؤال عن مدى التزام المنتجين بكثير من المعايير التي وضعها اصحاب الفكرة كمعايير ( هاسب) لسلامة الغذاء، ومعايير الجودة الايزو، ومدى وفرة المعامل والمختبرات الطبية داخل مصانع المنتجات الورقية والبلاستيكية التي تستخدم في تناول الغذاء ومدى فحصها مخبريا وأكد (مخبرياً) بعد الانتاج، فهذه المعايير والمتطلبات جميعها عالية التكلفة، فإن كانت موجودة ومتبعة ينبغي وبشكل اتوماتيكي ان تكون تلك المنتجات عالية السعر او على غير ما تباع به الآن، باعتبار ان تكلفة انتاجها عالية.
علاوة على ذلك فإن العمليات الصناعية لأي منتج مهما كانت الآليات والماكينات متطورة، فهي لا بد أن تخلف ما يسمى بالغبار الصناعي عند الإنتاج، وليس بالضرورة ان يكون غباراً متصاعدا ومرئيا، بل ربما يكون غبار من جزئيات غير مرئية وغير ملموسة، ولكنها لا بد أن تختلط مع المشروب او المأكول الذي يتم تقديمه في تلك الأدوات.
وعليه يبدو بأن ثقافة الاستخدام لمرة واحدة في المنطقة العربية، تنقصها ثقافة (الغسيل) قبل الاستخدام الذي ينبغي ان يكون عادة متبعة تفاديا وتجنبا لأي اضرار صحية، طالما ان كثيرا من تلك المنتجات قد لا تكون محلية خاضعة للرقابة الصحية والصناعية، ولربما تكون خارج نطاق سيادة معايير هاسب والايزو والفحص والتدقيق المعملي اثناء عمليات التصنيع.

إلى الأعلى