الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بين الشهيدين.عمر النايف ورائد نزال

بين الشهيدين.عمر النايف ورائد نزال

د. فايز رشيد

” ما أكثر المواقف التي اتخذها وحدثني رفاقه عنها, والأخرى التي لمستها منه خلال أحاديثنا الهاتفية. كنت كثيرا ما أفاجأ بصوته الرخيم وسؤاله: وينك يا خال؟ زفّ لي خبر ولادة ابنه البكر والوحيد, وكيف أسماه “أسير”, سألته: أتحكمُ على ابنك في الحياة, بالأسر؟ إنه التزام قطعته على نفسي, لأظل محافظا على قضية رفاقي الأسرى من كل التنظيمات, أجابني, (رائد وُلد أثناء سجني قبيل إبعادي من وطني).”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في عزاء تبريكات الشهيد عمر النايف في عمان, انتحى بي شقيقه حمزة, جانبا, وهو أيضا مناضل قضى في السجون الصهيونية 25 عاما, وخرج من السجن في صفقة تبادل للأسرى, قال لي: لقد عشتُ وأخي عمر وابن شقيقتك الشهيد رائد نزال معظم فترات السجن, مستطردا: “لقد كان دائم الحديث عنك”, وكان يتمنى أن يراك. استشهد قبل تحقيق رغبته, وها أنا أراك بعينيه”! دمعت عيناي وتحشرج صوتي, ولم أستطع الحديث.. فقمت بمعانقته.
رائد ابن شقيقتي, التي اذكر عذاباتها حين جاءت في زيارة قصيرة يتيمة ومن الأحاديث الهاتفية لي.حدثتني: كانت تذهب عصر الخميس إلى سجن بئر السبع, لزيارة ابنها الأصغر ظهر اليوم التالي.. وفوجئت مرارا بمنع الزيارة عنه. تقفل عائدة مسربلة بالدموع. حمدت الله انها توفيت قبل استشهاد صغيرها. رائد من مواليد عام 1969. اعتقل وهو في الثالثة عشرة من عمره, لمدة 25 يوما. واعتقل وهو في الرابعة عشرة, لمدة ثلاثة عشرة شهراً, ثم اعتقل في الخامسة عشرة من عمره, لمدة خمس سنوات على خلفية عضوية الجبهة الشعبية وإلقاء زجاجات حارقة, وحرق عدد من سيارات العملاء. قبل نهاية الخمس سنوات بنصف عام, قام بإعدام أحد العملاء في سجن جنين, وحكم عليه مجددا بالحكم المؤبد. تحرر من الأسر في صفقة تبادل الأسرى عام 1999. واصل مشواره النضالي منذ اليوم الأول لتحرره من الأسر، فإلى جانب نضالاته في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى,عمل على تأسيس فرقة فنية للمسرح والغناء. وبذل جهدا كبيرا في بناء لجنة المرأة في قلقيلية, وساعد في إصدار نتاجات الأسرى. استشهد بتاريخ 26|4|2002 بعد معركة بطولية مع قوات الاحتلال الصهيوني,حيث اقتحمت الأخيرة أكثر من عشرة مواقع في قلقيلية, للبحث عن رائد ورفاقه المطاردين! وحينما أحكم الطوق على المجموعة, طلب الشهيد من رفاقه الانسحاب، وخاض المعركة بنفسه طوال ساعتين, للتغطية على انسجابهم. لم يتمكن القتلة منه إلا بإطلاق قذائف عن بعد, لتحول جسده العملاق إلى أسطورة نضالية في التضحية والفداء والتواصل الثوري.
ما أكثر المواقف التي اتخذها وحدثني رفاقه عنها, والأخرى التي لمستها منه خلال أحاديثنا الهاتفية. كنت كثيرا ما أفاجأ بصوته الرخيم وسؤاله: وينك يا خال؟ زفّ لي خبر ولادة ابنه البكر والوحيد, وكيف أسماه “أسير”, سألته: أتحكمُ على ابنك في الحياة, بالأسر؟ إنه التزام قطعته على نفسي, لأظل محافظا على قضية رفاقي الأسرى من كل التنظيمات, أجابني, (رائد وُلد أثناء سجني قبيل إبعادي من وطني. بعد سنتي سجن, ومُنعت ولا أزال من دخول بلدي وأرضي! هو كان ممنوعا من السفر بعد سجنه الأول, في طفولته كنت أدرس في موسكو.وُلد وسُجن واستشهد ولم أره!). رائد, صاحب المواقف الشجاعة المزنّرة بالشهامة وحب التضحية, والإيمان “بأن الإنسان هو أولا وأخيرا موقف”، فإما أن تكون أو لا تكون، تلك هي قناعاته التي عاشها طوال حياته. تلك القناعات التي كان يدفع مرات كثيرة ثمنها غاليا,وتجده مسرورا غير عابىء بنتائجها عليه، لقد أرضى ضميره وقناعاته.
لعل من أجمل صفاته: انه مقتنع بأن مهمة إصلاح وتغيير العالم, مهمة شخصية تقع على عاتقه! حتى لو كان الرجل الوحيد في العالم الذي يحمل هذا الإيمان…. وعندما تقول له: هذا صعب أو مستحيل, يجيب قائلا:” ينبغي أن نحاول ونحاول، لا شيء مستحيل “. رائد الطفل كان يحمل في رأسه أحلاما كبيرة, مثل كل أطفال فلسطين، وعندما كبر، مارس أحلامه الثورية بحرارة القناعة الإيمانية حد الانصهار والتوقد ! لم يتوقف لحظة واحدة، حتى إن البعض وصفه “بالمرجل الذي يغلي “.كتب عنه احمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية, قائلا: إن الشهداء لا يمرون في صفحات تاريخنا إلا حروفا وكلمات معمدة بالدم, وسطورا نسجت من أشلائهم الممزقة. كان نموذجا وطرازا فريدا من المناضلين. كان الشهيد القائد الميداني رائد نزال “أبو أسير” سهلا ويسيرا, ولا يحتاج لوصفهِ أو سبر غورِه لمقدمات معقدة فلسفية أو أدبية فهو مثل الماء، تألفه وتصادقه بيسر خلال اقل من دقيقة تقضيها معه.بعد أن يغادرك, تحتاج بل تشتاق للقائه من جديد، ففي طفولته معالم رجولة صارمة، وفي رجولته ملامح طفولية تكشف البراءة والنقاء والشفافية في شخصيته، ولا أبالغ حين أقول: حتى أن فظاظته تصدر عن عفوية محببة للنفس, ولا تثير الغضب، فطيفه وهمس صوته ودبيب مشيته، ورنة ضحكته أو غضبه المكبوت, تترك أثرا، فهو باختصار يطرح في سلوكه, إنسانيته وغناها دون تكلف.
عنه نقلوا أن شيخ المعتقلين أبو رفعت، محمد نعيرات كان رفيق درب رائد, كان الأكبر سنا في كافة المعتقلات. عندما التقاه رائد, كان قويا ذو مراس وروح مرحه، فأحبه رائد وظل مرافقا له طوال فترة اعتقاله، وعندما المّ المرض بالشيخ الجليل، اتخذه رائد أبا، وقام على رعايته بأدق التفاصيل الشخصية, لسنوات. حتى عندما أصيب أبو رفعت بمرض “الزهايمر” المرافق للشيخوخة.. نسي معظم الناس إلا “رائد” فقد ظل ماثلا في مخيلته…. كيف ينسى من أسقاه وأطعمه وقضى حاجته, وهو يغني له فرحا كما تغني الأم لطفلها الرضيع.
رائد أو “أبو النزال” كان يناديه أبو رفعت, كان رائد أقوى من مرض “الزهايمر” في دماغ الشيخ. عندما تحرر أبو رفعت من الأسر كان المرض قد نال منه كثيرا، وفي حفل الاستقبال، كان ما لا يقل عن مائة شخص جالسين ومنهم من كان من أعز أصدقائه, ومن اقرب المقربين إليه.. ظل أبو رفعت صامتا..كان لا يتذكر أحدا من المتواجدين. جاءت شقيقة رائد, للسلام عليه. عندما سمع اسمها الكامل، فرح كطفل, وطوال ساعتين ظلّ يتحدث ويسأل عن “أبو النزل” وظروف سجنه بأدق التفاصيل، فكيف ينسى الشيخ دماء الشاب المتوقد, الذي ضخ في عروقه, الدفء والحنان والمحبة والإخلاص, كما لو أن “أبو رفعت” عاد إلى بطن أمه!. لقد بكى الشيخ الجليل عندما سمع باستشهاد رائد، ترى أي نوع من الدموع تلك التي بللت وجهه المكلل باللحية البيضاء؟!
في مشهده الحياتي الأخير: صوت سماعات الجيش تدوي منادية وتطالب بالاستسلام… يختلط صداها بأزيز الرصاص وهدير انفجارات القذائف. رائد مُحاصر في مربع صغير – مطلع درج -.. أحلام الصبا تتوارد في ذهنه, تتمازج طقوسا بأحلام المتمرد الثائر,وتتسلل أنغاما حارّة لنايٍ يعزف من بعيد, سمفونية تشستاكوفيتش الثامنة ” حصارلينينجراد”! يطل طيف جيفارا من افق بعيد, يخترق سرب المروحيات الناعبة. “يبدو أنها موقعتك الأخيرة” قال في نفسه. هدير الطائرات أزعج اسراب العصافير المحلقة في الجو الربيعي الدافىء, الدبابات والدوريات تطوق المنطقة, لم تترك أي منفذ للانسحاب، الجيش يبعد عنك خطوات، جدار واحد يحميهم ويحميك من رصاصاتكم المتبادلة. ما أصعب أن تكون محاربا في معركة لا نديّة فيها، أمر يحتاج إلى قرار صعب.. الاستشهاد في سبيل الوطن…الأم, أسير وفاطمة… لكن الأول أغلى وأكثر جمالا منه, فهو الحضن الذي يلمهم, الوطن أجمل من الشهداء والموت,, أرضنا حبيبتنا الأزلية. يحلم رائد باختفاء رفاقه، يستنفر نقاط قوته مرددا بصوت مسموع: “بندقية “كلاشنكوف” في يدي اقوى من كل طائراتهم..سأقاوم..المهم أن ينسحب الرفاق… انا على حق.. حتى لو استشهدت.. هم المهزومون” عبأ البندقية. استلّ القنبلة اليدوية من جعبته.. حضّرها. مهما كانت مخازن الرصاص قليلة سأقاوم بها. تنطلق الرصاصات, تمنع الجنود من التقدم. يعود رائد إلى مكمنه حيث ينتظره أسير وفاطمة. والده وكل أحبته، يشد على أيديهم ويمضي من جديد إلى النِزال الأخير. يمر طيف الأم, وملامح من وجه أسير كما ذكريات القابعين في السجون و”أبو” رفعت كلمحات هائمة أمام عينيه. رصاصات غادرة انطلقت من رشاشات المروحيات.. كما تحط قذيفة مدفع في ذات اللحظة… يُدّمر الموقع وجسد رائد. تتناثر الاشلاء,, تغطي المكان. تٌقبل الأم من بعيد.. تلتقط روح صغيرها وتحلق بعيدا في السماء..تخاطبه: أهلا بك يا حبيبي.. سنظل نطير فوق فلسطين… ولن تكون النهاية… سنقاتل من جديد… هذا عرسنا يابني..حيث لا يلتقي الفلسطيني بالفلسطيني.. إلا شهيدا أو شريدا.

إلى الأعلى