الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تقسيمات غوار

تقسيمات غوار

أحمد مصطفى

” هل تذكرون فيلم “الحدود” بطولة الممثل السوري دريد لحام، الذي اشتهر في كثير من أعماله باسم “غوار الطوشة” الذي كان يكرر أدوارا باسمه؟ في فيلم الحدود رمزية للوطن العربي الكبير، ومعاناة العربي بين أقطاره والحدود التي “رسمها المستعمر”. لكن الفيلم يدور على ما يبدو في سوريا (بلد غوار) التي ينتمي إليها البطل واسمه “عبد الودود”. وعلى سيارته المتهالكة خريطة “الوطن” وقد قسمت دوله حسب الاتجاهات وغيرها.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع التصريح الروسي عن استعداد موسكو للقبول بحل سياسي في سوريا يتضمن “دولة فيدرالية” تأكدت تسريبات سابقة عن مناقشة سيناريوهات تقسيم سوريا بين القوى المتدخلة في أزمتها المستمرة منذ نحو خمس سنوات. ومنذ فشلت محاولات “تغيير النظام” بالقوة بتسليح معارضين له وادخال البلاد في حرب ضروس، وتزايد حجم التدخل العسكري المباشر في سوريا (إيران، حزب الله، روسيا، تركيا، أميركا، السعودية…)، يدور الحديث في الصحف والمواقع الالكترونية عن تقسيم سوريا وتتبادل الأطراف المتصارعة في سوريا الاتهامات بأن كل طرف يريد تقسيم سوريا. فالداعمون للنظام يتهمون الطرف الآخر بأنه يسعى لفصل أجزاء من تركيا عبر “مناطق آمنة” تسهل احتلال تركي لشمال سوريا وغير ذلك من الاتهامات، بينما مؤيدو المعارضة يتهمون النظام وحلفائه بالسعي لإقامة دولة طائفية على مناطق في الساحل ومتاخمة للبنان.
وحين جرت اتفاقات هدنة محلية في مدن وبلدات محاصرة من هذا الطرف أو ذاك، كانت النتيجة في بعض الأحيان إخراج عائلات من موطنها الأصلي إلى أماكن أخرى، فيما وصف ضمن اتهامات الأطراف لبعضها بأنها عمليات “تطهير عرقي” على سبيل المغالاة وأنها تجميع لطوائف وأعراق بعينها في أماكن معينة كأنما تمهيد لتقسيم. وبدا كل طرف وكأنه حريص على “وحدة وسلامة أراضي سوريا” وعلى تماسك نسيجها الاجتماعي المتنوع، وكأنما السوريون وحدهم هم من يرغبون في تفتيت بلدهم وتقسيمها وضرب تناغم سكانها. وذكرني ذلك بموقف كثير من العراقيين المؤيدين للغزو والاحتلال الغربي لبلدهم مطلع القرن، وكيف كانوا يروجون لتقسيم البلد على أساس عرقي/طائفي، أي دولة للسنة ودولة للشيعة ودولة للأكراد. وأقنع بعضهم الأميركيين والبريطانيين بذلك، لكن الاحتلال الأنجلوساكسوني لم يكن مهتما كثيرا لا بمستقبل العراق ولا بما يمكن أن يجرى له بعد انسحابه.
هل تذكرون فيلم “الحدود” بطولة الممثل السوري دريد لحام، الذي اشتهر في كثير من أعماله باسم “غوار الطوشة” الذي كان يكرر أدوارا باسمه؟ في فيلم الحدود رمزية للوطن العربي الكبير، ومعاناة العربي بين أقطاره والحدود التي “رسمها المستعمر”. لكن الفيلم يدور على ما يبدو في سوريا (بلد غوار) التي ينتمي إليها البطل واسمه “عبد الودود”. وعلى سيارته المتهالكة خريطة “الوطن” وقد قسمت دوله حسب الاتجاهات وغيرها. فهناك شرقستان، وغربستان، وشمالستان وجنوبستان وهكذا. لم تكن تقسيمات غوار تلك في فيلم الحدود مجرد فانتازيا فنية على ما يبدو، وإنما استشراف لمستقبل وطن يتمزق في حرب أهلية تغذيها قوى خارجية تتباين منطلقاتها ومصالحها بأكثر من تباينات خريطته للوطن. لكن، هل حقا “اتفقت” كل الأطراف على تقسيم وطن غوار؟ وهل بالفعل تقاطعت مصالح المتدخلين المتناقضة على حل التقسيم؟ الأرجح لا.
أولا، يبدو ان تدخل روسيا في سوريا حسم نهائيا القضاء على الحلم التركي باستقطاع جزء من شمال سوريا. ولم يعد مسموحا الآن الحديث عن “منطقة آمنة” على الشريط الحدودي الشمالي تقضي على الأكراد السوريين من ناحية وتعزز عمقها الاستراتيجي من ناحية أخرى. ورغم أن الأميركيين كانوا مترددين في السماح لتركيا بذلك، إلا أنه بعد تدخل روسيا أصبحت المسالة خارج النقاش تماما، ولعل هذا ما يفسر انزعاج القيادة التركية بشدة ويعد جذرا أساسيا لمشكلتها مع روسيا التي جاء قصف الأتراك للطائرة الروسية واسقاطها مجرد عرض لها. كما أن تكثيف الحملة الكردية، بمشاركة قوات سوريا الديموقراطية التي دربتها الولايات المتحدة، حملتها ضد تنظيم داعش الإرهابي في المناطق التي يسيطر عليها أفقد تركيا عاملا مهما في تدخلاتها في سوريا.
ثانيا، كان للاتفاق بين إيران والدول الكبرى حول برنامجها النووي أثر مهم على الأزمة السورية خاصة فيما يتعلق بالصراع بين طهران وواشنطن الذي بدأ يسير في طريق “التفاهم” بدلا من الصدام. ومن المهم التأكيد هنا على أن كل تلك العوامل وغيرها إنما تتعلق بالأطراف الخارجية في الأزمة السورية، أما الأطراف المحلية (النظام والمعارضة) فوضعهم دوما في تردي وحتى مكاسبهم أو خسائرهم جراء تلك التطورات تأتي عن طريق “التفريغ السلبي” ولا يعتد بها كأوراق تمكن أي جانب منهم من فرض نفسه في اي مساومات. وللأسف، يجري كل ما يجري بعيدا عن أصحاب الأمر أنفسهم، وفي النهاية هم جميعا خاسرون ومعهم الشعب السوري الذي قتل مئات الالاف منه وشرد ونزح الملايين.
حتى ما يثار الآن حول ما صرح به وزير الخارجية الأميركي عن خطة بديلة في حال فشلت الهدنة الحالية والعملية السياسية، فأغلب الظن أن ذلك لا يعني فرض مشروع تقسيم بالقوة. إنما قد يكون ذلك هو الطرح البديل في المفاوضات، التي لا بديل عنها بأي حال لتسوية الأزمة. ومرة أخرى سيكون القرار للأطراف الإقليمية والدولية أكثر منه للأطراف السورية نفسها. أما التحليلات حول تدخل بري قوي لمحاربة داعش، على ان يعني في النهاية تقسيم سوريا بين نصف سني للمعارضة ونصف للنظام (شرقستان وغربستان على التوالي)، فتبدو أنها مجرد تحليلات. فالأميركيون والروس متفقون على ألا يتصارعان عسكريا في سوريا، وليس هناك من القوى الاقليمية من يريد أن يتصرف بعيدا عن الأميركيين والروس على أي حال. وربما كانت التصريحات مفيدة فقط كدعم معنوي للأطراف المحلية على الأرض كي تتمسك بما لديها ولا تياس.

إلى الأعلى