الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ومضة في ظلام التخلف

ومضة في ظلام التخلف

احمد صبري

صدر مؤخرا كتاب استراتيجية التعليم العالي في العراق في إطار سياسات العلم والتكنولوجيا لمؤلفيه الدكتور همام عبدالخالق وهو عالم ووزير إعلام وتعليم عالي سابق والدكتور عبدالحليم الحجاج، وهو باحث علمي ووكيل وزارة الثقافة والإعلام سابق.
وتنبع أهمية الكتاب كونه وثق مسيرة التعليم في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 مرورا بالعهود اللاحقة. وقارن المؤلفان بالأرقام والوثائق والبيانات بين واقع التعليم قبل وبعد احتلال العراق وبينا الواقع المعاش في مدارس ومعاهد وجامعات العراق وتراجع الاهتمام بهذه الصروح وما شهدته من انحطاط في مستوى التعليم والتأهيل والبحث العلمي وتراجع فرصه إلى أدنى مستوياتها.
وركز المؤلفان على أن الكتاب انطلق من المنهج الذي تتبعه منظمة اليونسكو في صياغة سياسة العلم والتكنولوجيا واهتمام الدول في تنمية وتطوير فروعه المختلفة، وكيف حصل العراق على المرتبة الأولى في خلوه من الأمية بشهادة منظمة اليونسكو في سبعينيات القرن الماضي.
والمؤلفان يعتبران من علماء العراق ولهما بصمة في مسيرة العلم والتعليم والبحث العلمي سبق وأن أصدرا كتابا يعتبر وثيقة عن استراتيجية البرنامج النووي العراقي.
واستعرض المؤلفان بدايات الاهتمام بالتعليم والعلم في العراق عندما قرر الملك فيصل الأول عام 1924 تشكيل لجنة لدراسة واقع المعارف في العراق وسبل تطويرها وانتشارها بين العراقيين.
إن الكتاب يعد وثيقة مهمة أبرزت الجهود الجبارة لرواد العلم والمعرفة في العراق وهم يواجهون الحصار وحرب الاستنزاف ولم يتخلوا عن مهمتهم وواجبهم الوطني بإبعاد العراق من شرور الأمية والتخلف والظلامية.
وحتى يضعا القارئ في مسار الأحداث ومحطاتها تناول المؤلفان تأريخ التعليم العالي في العراق ابتداء من سومر إلى التعليم في الإسلام مرورا بالعهد العثماني ومن ثم العهد الملكي وبعد مرحلة مابعد 1958 و1968.
وفي محاولة لرسم صورة الأحداث التي مرت على العراق بعد العام 1990 وما تلاها من مواجهات وحصار قاس أشار المؤلفان إلى أن المخططين لتدمير العراق ووقف نهضته كانوا يتوقعون انهيار التعليم والبحث العلمي بعد الصفحة العسكرية الأولى في العدوان على العراق عام 1991 جراء التدمير الشامل الذي طال مؤسسات الدولة وركائزها في شتى الميادين، غير أن هذا الرهان سقط أمام إرادة وتصميم علماء العراق الذين حاولوا بشتى الوسائل درء الأخطار عن بلادهم.
إن مسيرة العلم والبحث العلمي والتطور التكنولوجي التي تصاعدت وتيرتها بعد العام 1968 وحتى العام 1991 أقلقت القوى الكبرى وحليفتها إسرائيل من تنامي صروح العلم والمعرفة والتقدم العلمي إلى حد تهديدها لمصالح هذه القوى، ما دفعها إلى شن الحرب على العراق وحصاره لوأد مشروعه النهضوي الذي كان صمام الأمان للأمن القومي العربي ومعادلة الصراع بالمنطقة التي اختلت بعد غزو العراق واحتلاله لصالح الكيان الصهيوني.
كتاب استراتيجية التعليم العالي في العراق يعتبر بحق شهادة للتأريخ عن مسيرة العلم في بلد واجه تحديات الزمن واستحقاقاتها، ولم يتخل عن حقه في العلم والمعرفة، محاولا الخروج من خانة التخلف لمواجهة من أرادوا أن يبقوه ضعيفا ويعود إلى عصور الظلام.
إن الكتاب بحق محاولة لتسليط الضوء على تجربة وحقبة مضيئة من تأريخ العراق الحديث يراد تغييب حقائقها وتشويه وطمس معالمها، وهذا ما حاول الكاتبان أن ينورا الرأي العام بحقائقها ويفندا حملة التضليل والإساءة لتجربة فريدة ما زالت ومضاتها تشع في سماء العراق رغم الظلام الذي يخيم عليه.

إلى الأعلى