الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن // تكـريـم الله للإنسان (70)
شـذرات مـن هـدي القـرآن // تكـريـم الله للإنسان (70)

شـذرات مـن هـدي القـرآن // تكـريـم الله للإنسان (70)

الحمـد لله رب العـالمـين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث مـوصولا حـول درء المفـسـدة مـقـدم عـلى جـلب المصلحـة ،والله يـبتـلي عـباده تنـبيهـا لهـم ورحـمة بهـم، حـتى لا يتـكلـوا عـلى السـباب وينـسسـوا خـالق الأسـباب، ومـن ذلك ما نبـه الله به المسـلمـين في غـزوة حـنـين، إذ قال قائـلهـم إننـا لـن نـزم الـيـوم مـن قـلة، قال الله تعالى:(إذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) (الأحـزاب 10 ـ 11).
وانـظـر ما ابـتلي به المـؤمـنـون الأوائـل ، في المـقاطـعـة الـشاملة ضـد الـمـؤمـنين، فانظـر إلى شـدة ذلك الحـصار العـسـكري، وقـوة أثـره في المسـلمـين، مـع أن جـمـيـع أهــل الأرض في ذلـك الـوقــت مقـاطـعــوهـم سـياسـياً واقـتصـادياً، فإذا عـرفـت ذلك فأعـلم أن العـلاج الـذي قابلـوا به ذلك الأمـر العـظـيـم وحـلـوا به تـلك المشـكلة، هـو ما بينه الله تعـالى في سـورة الأحـزاب.
فـهـذا الإيمان الـكامـل، وهـذا التسليـم العـظــيـم لله عـز وجـل ثـقـة به وتـوكـلا عـليه، وهـو سـبب حـل هـذه المشكلة العـظـمى، وقـد صـرح الله تعـالى بنتيجـة ذلك الـعـلاج بـقـوله:(وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا، وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحـزاب 25 ـ 27).
وهـذا الـذي نصـرهـم الله به عـلى عـدوهـم، ما كانـوا يظـنـونه ولا يحسـبـون أنهـم ينصـرون به، وهـو المـلائكـة الـكـرام والـريح، ولله جـنـود السـمـوات والأرض قال الله تبارك وتعـالى:(إذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) (الأحـزاب 10 ـ 11).
هي تسـليـط الـكـفار عـلى المـؤمنـين بالقـتـل والجـراج وأنـواع الايذاء، مـع ان المسلمـين عـلى الحـق والـكـفار عـلى الباطـل، وهـذه المشكـلة غـمضـت عـن فـهـم أصحاب رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، لمـغـزاها فأفـتى الله جـل جـلاله فـيها وبـين السـبب في ذلك بـفـتـوى سـماوية تـتلى في كـتابه إلى أن يـرث الله الأرض ومـن عـليها.
وذلك أنه لما وقـع ما وقـع بالمسلمـين في غـزوة أحـد: فـقـتـل سـيـد الشـهـداء عـم رسـول الله حـمـزة بن عـبـد المطـلب وابن عـمته، ومثـل بهـمـا، وقـتـل غـيرهـما مـن المهـاجـرين والأنـصار سـبعـون رجـلاً، وجـرح رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) وشـقـت شـفـته، وكـسـرت رباعـيته، وشـج (صلى الله عـليه وسـلم).
وقـد اسـتشكل المسلمون في ذلك، وقالـوا: كـيف يـدال منا المشـركـون؟ ونحـن عـلى الحـق وهـم عـلى الباطـل؟، فأنـزل الله سـبحانه وتعـالى قـوله:(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عـمـران ـ 165)، وقال تعـالى:(لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عـمـران ـ 152).
فهـذه الفـتـوى السـماوية بـيان واضـح، لأن سـبب تسـليـط الـكـفـار عـلى المسلمين هـو فـشـل المسلمين وتنازعـهـم في الأمـر، وعـصيانهـم أمـره (صلى الله عـليه وسـلم) وإرادة بعـضهـم الـدنيا مقـدما لها عـلى أمـر الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)، وكان الـواجـب أن يمـتـثـلـوا أمـره، لأن أمـر الرسـول هـو أمـر الله، قال الله تعـالى:(مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء ـ 80).
هي اخـتـلاف القـلـوب: واخـتلاف الـقـلـوب الـذي هـو أعـظـم الأسـباب في القـضاء عـلى كـيان الأمـة الإسـلامية ووحـدتها وقـوتها، وهـو السبب في فـشـلها وذهاب قـوتها قال الله تعالى:(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنـفال ـ 46)، والمقصود بـ (ريحكم) أي: قوتكم.
فـترى المجـتمـع الإسـلامي الـيـوم في أقـطار الـدنيا يضـمـر بعـضهـم لبـعـض العـداوة والبـغـضاء، وإن جـامـل بعـضـهـم بعـضاً فإنه لا يخـفى عـلى أحـد أنها مجـاملة ليس لها في الـواقـع العـاملي أي أسـاس، وأن ما تنـطـوي عـليه الضـمائـر مخـالـف لما يظهـر عـلى الألسـنة الحـداد.
قال الشـاعـر:
لا خـير في ود امـري ء مـتـمـلـق
حـلـو اللـسان وقـلـبه يتـلهـــب
يـلقـاك يحـلـف أنه بـك واثـــق
وإذا تـوارى عـنـك فهـو العـقـرب

وقـد بـيّن الله تعـالى، أن سـبب هـذا الـداء العـضال، الـذي عـمـت به البـلـوى، إنما هـو بسـبب ضـعـف العـقـل، قال تعـالى:(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) (الحـشر ـ 14).
ثـم ذكـر العـلـة لـكـون قـلـوبهـم شـتى، ولا شـك أن داء ضـعـف العـقـل، الـذي يصـيب الإنـسان فـيضـعـفه عـن إدراك الحـقائق ، وتمـييز الحـق مـن الباطـل، والنافـع مـن الضار، والحسـن مـن القـبيح لا دواء له إلا إنارته بـنـور الإيمـان، لأن نـور الإيـمان يحـيا به مـن كان ميـتاً ويضيء الطـريـق المسـتقـيم للمـتمسـك به، فـيـريه الحـق حـقاً والباطـل باطـلاً، والنافـع نافـعـاً، والضار ضـارّاً، قال الله تعـالى:(أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعـام ـ 122).
وقال أيـضا: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البـقـرة ـ 257)، فـمـن أخـرج مـن الظـلمات إلى الـنـور أبصـر الحـق، لأن ذلك الـنـور يـكـشف عـن الحـقـائق فـيـراها واضحـة جـلية، فـيرى الحـق حـقـا والباطـل باطـلا لا يشـكل عـليه شيء مـن أمرهـما.
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى