الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم: آدم عليه السلام (4)

من قصص القرآن الكريم: آدم عليه السلام (4)

إعداد ـ أم يوسف:
الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد فاليوم نعيش مع آيات بينات من سورة البقرة تناولت قصة آدم عليه السلام وذلك من خلال التفسير الجامع لأحكام القران للقرطبى والله الموفق والهادي الى طريق الرشاد.
قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (سورة البقرة).
قوله تعالى:(الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (الأسماء) هنا بمعنى العبارات، فإن الاسم قد يطلق ويراد به المسمى، كقولك:(زيد قائم، والأسد شجاع)، وقد يراد به التسمية ذاتها، كقولك: أسد ثلاثة أحرف، ففي الأول يقال: الاسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى، وفي الثاني لا يراد المسمى، وقد يجرى اسم في اللغة مجرى ذات العبارة وهو الأكثر من استعمالها، ومنه قوله تعالى:(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (البقرة ـ 31) على أشهر التأويلات، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم):(إن لله تسعة وتسعين اسماً)، ويجري مجرى الذات، يقال: ذات ونفس وعين واسم بمعنى، وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى:(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) (الأعلى ـ 1)،(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) (الرحمن ـ 78)،(إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا) (النجم ـ 23).
الثالثة: واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم ـ عليه السلام، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علّمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال: كنت جالساً عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس:(وعلم آدم الأسماء كلها)، قلت: وقد روي هذا المعنى مرفوعاً على ما يأتي، وهو الذي يقتضيه لفظ (كلها) إذ هو اسم موضوع للإحاطة والعموم، وفي البخاري من حديث أنس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) الحديث. قال ابن خويز منداد: في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفاً، وأن الله تعالى علمها آدم ـ عليه السلام ـ جملة وتفصيلاً. وكذلك قال ابن عباس: علّمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب، وروى شيبان عن قتادة قال: علّم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة، وسمي كل شيء باسمه وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه. قال النحاس: وهذا أحسن ما روي في هذا. والمعنى علمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا. وقال الطبري: علمه أسماء الملائكة وذريته، واختار هذا ورجحه بقوله:(ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ)، قال ابن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم، الربيع ابن خثيم: أسماء الملائكة خاصة، القتبي: أسماء ما خلق في الأرض، وقيل: أسماء الأجناس والأنواع، قلت: القول الأول أصح، لما ذكرناه آنفاً ولما نبينه إن شاء الله تعالى، واختلف المتأولون أيضاً هل عرض على الملائكة أسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص، فقال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص لقوله تعالى:(عَرَضَهُمْ) وقوله:(أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ) وتقول العرب: عرضت الشيء فأعرض، أي أظهرته فظهر، ومنه:عرضت الشيء للبيع، وفي الحديث:(إنه عرضهم أمثال الذر)، وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء وفي حرف ابن مسعود:(عرضهن)، فأعاد على الأسماء دون الأشخاص، لأن الهاء والنون أخص بالمؤنث، وفي حرف أبي:(عرضها)، مجاهد: أصحاب الأسماء، فمن قال في الأسماء إنها التسميات فاستقام على قراءة أبي (عرضها)، وتقول في قراءة من قرأ (عرضهم): إن لفظ الأسماء يدل على أشخاص، فلذلك ساغ أن يقال للأسماء: (عرضهم) وقال في (هؤلاء) المراد بالإشارة: إلى أشخاص الأسماء، لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها، قال ابن عطية: والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها، ثم إن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وقال الماوردي: وكان الأصح توجه العرض إلى المسمين. ثم في زمن عرضهم قولان، أحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم، والثاني: أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم.
واختلف في أول من تكلم باللسان العربي، فروي عن كعب الأحبار: أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها بالألسنة كلها آدم ـ عليه السلام، وقاله غير كعب الأحبار.
فإن قيل: قد روي عن كعب الأحبار من وجه حسن قال: أول من تكلم بالعربية جبريل ـ عليه السلام ـ وهو الذي ألقاها على لسان نوح ـ عليه السلام ـ وألقاها نوح على لسان ابنه سام، ورواه ثور ابن زيد عن خالد بن معدان عن كعب. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن عشر سنين)، وقد روي أيضاً: إن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان، وقد روي غير ذلك، قلنا: الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم ـ عليه السلام، والقرآن يشهد له، قال الله تعالى:(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (البقرة ـ 31)، واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة، قال (صلى الله عليه وسلم):(وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة) وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم ـ عليه السلام ـ إسماعيل ـ عليه السلام، وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولاً على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا، والله أعلم، وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل، على ما تقدم، والله أعلم، قوله تعالى:(هَؤُلاءِ) لفظ مبني على الكسر، ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر، قال الأعشى:
هؤلا ثم هؤلا كلا أعطيـ
ـت نعالا محذوة بمثال
ومن العرب من يقول: هولاء، فيحذف الألف والهمزة.
قوله تعالى:(إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) شرط، والجواب محذوف تقديره: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني، قاله المبرد، ومعنى (صادقين) عالمين، ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا:(سبحانك)! حكاه النقاش قال: ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له:(كَمْ لَبِثْتَ) فلم يشترط عليه الإصابة، فقال ولم يصب ولم يعنف، وهذا بين لا خفاء فيه، وحكى الطبري وأبو عبيد: إن بعض المفسرين قال: إن معنى (إن كنتم): إذ كنتم، وقالا: هذا خطأ، و(أَنْبِئُونِي) معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، ومنه النبيء بالهمزة، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
السابعة: قال بعض العلماء: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون، وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف وإنماهو على جهة التقرير والتوقيف .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى