الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / للقدوة الحسنة أثر في تربية أولادنا

للقدوة الحسنة أثر في تربية أولادنا

إبراهيم السيد العربي:
إن من أجلّ وأعظم نعم الله تعالى علينا: نعمة الإسلام، والله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأمرنا بالإقتداء به والانصياع لأوامره، ولو شاء الله تعالى لاكتفى بإنزال القرآن وحده، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت أن ينزل كتابه على خير خلقه ليكون مثالا يُحتذى وأسوة يُقتدى، قال تعالى:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً).
والأسوة أخي المسلم هي القدوة، والأسوة ما يُتأسى به أي يُتعزى به، فيُقتدى به في جميع أفعاله، ويُتعزى به في جميع أحواله، والأسوة قد تكون حسنة وقد تكون سيئة، لذلك قال تعالى:(أسوة حسنة)، ولنعلم جيداً أن اتخاذ القدوة وتقليده، هذا أمر فطري، جُبل عليه الناس، مسلمهم وكافرهم، لأن الإنسان ضعيف، يحتاج إلى ما يقوّي به نقصه وضعفه، فيلجأ إلى تقليد من هو فوقه وأعلى منه، وذلك كان حال الكفار عندما دعتهم أنبيائهم فقالوا:(إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، وقال تعالى أيضاَ:(وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا)، فالذي أردى المشركين وأهلكهم أنهم رفضوا ترك ما توارثوه عن آبائهم من الشرك، وأبوا اتباع الأنبياء واتخاذهم قدوة، أما نحن معشر المسلمين، فنقول:(الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)، ونحمد الله تعالى أن أرسل لنا خير خلقه محمد (صلى الله عليه وسلم) لنقتفي أثره ونتبع سنته ونتخذه إماماً لنا وقدوة نقتدي بها فتنجينا من عذاب الله تعالى، وكما أمرنا الله تعالى أن نتأسى ونقتدي بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقد أمرنا بذلك نبينا محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) إذ يقول:(صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقال:(خذوا عني مناسككم).
ولقد ضرب لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) المثل الأعلى في كل خلق فضيل، وحري بالمسلم أن يقتدي به، فهو أشجع الناس في الحرب، وأثبتهم عند اللقاء، كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين، كما يقول الإمام علي ـ كرّم الله وجهه:(كنا إذا حمي الوطيس واشتد الأمر نحتمي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وفي غزوة حنين عندما فاجأ المشركون المسلمين في كمين مباغت، فرّ المسلون، ولم يبق إلا النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته وعمّه العباس وابن عمّه أبو سفيان ابن الحارث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقبل على المشركين وهو يصيح فيهم:(أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) وهو (صلى الله عليه وسلم) القدوة لنا في الزهد والصبر على الجوع وشظف العيش، فقد كان يربط على بطنه حجرا من الجوع، وكان ثوبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى نصف ساقه، وقال لأحد أصحابه بعد أن أمره برفع ثوبه الذي جاوز الكعبين:(أليس لك فيّ أسوة؟).
ولقد أخبر نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه سيأتي خُلوف يخالفون سنته وهديه، وحث المسلمين على جهادهم، فاحذر أيها الأخ الكريم أن تكون منهم، قال ـ عليه الصلاة والسلام:(ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلُف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُأمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
إن المسلم الحقيقي لا يكتفي بأن يتبع النبي (صلى الله عليه وسلم) والصالحين فقط، بل هو يطمع في أن يكون قدوة لغيره في الخير لكي ينال أجر من يتبعه، ولذلك فسر الإمام البخاري في صحيحه قول الله تعالى:(واجعلنا للمتقين إماماً) قال أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا، وأول من يقتدي الطفل حين تتفتح عيناه بأبويه، فيجب على الأب أن يكون قدوة لأبنائه، والابن في الغالب مرآة لبيته، فيجب على الآباء أن يحسنوا تربية أبنائهم وذلك بأن يكونوا هم القدوة الحسنة لهم، وأن لا يقولوا ما لا يفعلون، يقول الله تعالى حاكياً عن سيدنا شعيب ـ عليه السلام:( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه).
وذلك الذي يكذب وأبناؤه يعرفون أنه يكذب، والآخر الذي لا يصلي مع الجماعة في المسجد، وربما لا يصلي مطلقا إلا الجمعة، وذلك الذي يكثر السباب والشتم أمام أبنائه، ويرمي القاذورات من نافذة سيارته إلى غير ذلك :فهذه النوعية من الناس وغيرها كثير، يكونون قدوات سيئة لأبنائهم، فينتج عن ذلك ما نراه من غش في الاختبارات، وأخلاق سيئة، وتصرفات لا تنم عن إسلام ولا عن تربية سليمة.
وهنا يبدأ الولد في البحث عن بديل للقدوة الفاسدة التي عنده، فإن هداه الله تعالى، اتخذ من أحد الصالحين المتبعين للنبي (صلى الله عليه وسلم) قدوة، وإلا قلد الكفار والفساق والعياذ بالله وكل منا مسئول في بيته ورعيته، ونحن إن لم نعمل على تغير الوضع لن نفلح أبدا، ولن تقوم لمجتمعنا قائمة بين الأمم ولو أنفقنا كنوز الأرض.
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين وأن يرزقنا حسن الخاتمة اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.

* إمام وخطيب جامع الشريشة ـ سوق مطرح

إلى الأعلى