الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أهي لحظة ولادة “أُوراسيا”؟!

أهي لحظة ولادة “أُوراسيا”؟!

جواد البشيتي

في استفتاء شعبي، أيَّد نحو 97% من المُصوِّتين استقلال (انفصال) شبه جزيرة القرم، وغالبية سكَّانها من الروس، عن أوكرانيا؛ ثمَّ قَدَّمت سُلطات القرم طلبًا رسميًّا للانضمام إلى روسيا؛ ثمَّ وقَّع الرئيس الروسي بوتين مرسوم الاعتراف بالقرم على أنَّها دولة ذات سيادة، تمهيدًا لضَمِّها إلى الاتحاد الروسي، الذي قد تُضَمُّ إليه أجزاء أخرى من شرق أوكرانيا؛ والغرب الآن، وفي مقدمه الولايات المتحدة، شَرَع يُعاقِب روسيا..
ولعقاب الغرب لروسيا مبادئ أوَّلية، أهمها يكمن في إجابة أسئلة ثلاثة: “كيف يُعاقِب الغرب روسيا من غير أنْ يُلْحِق ضررًا (أو ضررًا كبيرًا) بمصالح حيوية له؟”، و”كيف تُسْتَثْمَر العقوبات في حَمْل روسيا على التَّراجُع، أو على قبول تسوية مُرْضية (للغرب)؟”، و”كيف تُؤتي العقوبات ثمارها (الغربية) من غير أنْ تَسْخُن، وتزداد سخونة، الحرب الباردة الجديدة (فتَورُّط الطَّرفين في حربٍ ليس خيارًا لكليهما)؟”
“الغاز (الروسي)” هو الآن مدار “التفكير السياسي ـ الاقتصادي الاستراتيجي” لدى طرفي الصراع؛ فروسيا تزوِّد أوروبا ما يُلبِّي رُبْع حاجتها من الغاز؛ ونِصْفُ هذا الرُّبْع يُنْقَل إلى أوروبا بأنابيب تَمُرُّ بالأراضي الأوكرانية؛ وإذا كانت ألمانيا تَعْتَمِد على الغاز الروسي، فإنَّ بريطانيا تَعْتَمِد على الغاز القطري؛ وهذا الفَرْق (الاقتصادي) بين الدولتين يُتَرْجَم بفَرْق بين مَوْقفيهما السياسيين من “أزمة القرم”؛ ولحُسْن حظ الأوروبيين أنَّ أزمة القرم قد اندلعت في أواخر فصل الشتاء.
مِنْ قَبْل، أَوْقَفَت روسيا إمدادات الغاز، فارتَفَعَت أسعار الطاقة؛ لكنَّ لروسيا القوية، بهذا المعنى، نقطة ضعفها؛ فهي تحتاج إلى بَيْع غازها لأوروبا؛ كما تحتاج إلى التجارة مع الأوروبيين، فنِصْف تجارتها هي الآن مع أوروبا، ومواطنوها تغيَّر نمط عيشهم واستهلاكهم بما جعلهم أكثر تبعية للواردات الأوروبية. وينبغي لنا ألاَّ ننسى أنَّ أوكرانيا مِنْ أكبر مُصَدِّري الذرة والقمح في العالَم؛ والأزمة في العلاقة بينها وبين روسيا يمكن أنْ تكون عاقبتها غلاء عالمي في أسعار الحبوب.
روسيا، وعَمَلًا بمبدأ “الحق في الدفاع عن مصالحها (ولو كان الدفاع عنها يُلْحِق ضررًا بمصالح الآخرين)”، أسَّست لانفصال شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا، ولضَمِّها إليها؛ وروسيا يمكن أنْ تدَّعي أنَّ لها حقًَّا تاريخيًّا في مِلْكية القرم، التي غالبية سكَّانها الآن من الروس. وعملًا بالحقِّ نفسه (أيْ حقها في الدفاع عن مصالحها) يمكنها أنْ تتصرَّف بما يسمح لها بحيازة نفوذ أوسع وأقوى في دولٍ كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي المنهار، أو في دولٍ من أوروبا الشرقية كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي.
وَعَيْن روسيا الاستراتيجية هي الآن على بحر قزوين، بصفة كونه مَصْدَرًا من أهم مَصادِر الطاقة في العالَم؛ والدول التي تَقَع على هذا البحر (الطاقي) الاستراتيجي هي: روسيا، وأذربيجان، وإيران، وتركمنستان، وكازاخستان. ولإيران، التي لها من المصالح الاستراتيجية مع روسيا ما يجعلها تشبه الحليف الاستراتيجي لها، أهمية طاقية استراتيجية؛ فهي دولة مُطلة على بحر قزوين، وهي، أيضًا، دولة خليجية على مقربة من مضيق هرمز. وأحسبُ أنَّ إيران لن تتصرَّف، غازيًّا، بما يؤذي روسيا؛ فهي لن تمدَّ بالغاز دولًا من الاتحاد الأوروبي قرَّرت أنْ تنهي اعتمادها على الغاز الروسي؛ وأحسبُ، أيضًا، أنْ لا مصلحة للولايات المتحدة في جَعْل حلفائها الأوروبيين يعتمدون على غازٍ مَصْدره إيران.
إنَّ قطر هي التي يمكن أنْ تكون “البديل”؛ فألمانيا، مع دولٍ أوروبية أخرى، يمكن أنْ تحذو حذو بريطانيا، فتُنْهي تبعيتها للغاز الروسي، لتُصْبِح في تبعية للغاز القطري.
أَفْتَرِضْ أنَّ “روسيا بوتين” قد تحسَّبت لهذا الاحتمال، الذي إنْ تحقَّق أَفْقَدها مَصْدَرًا من أهم مصادِر القطع النادر؛ كما أنَّها تتحسَّب، في الوقت نفسه، لاحتمال عَزْل أُسطولها البحري (الذي مقره في القرم) في البحر الأسود؛ فتركيا الأطلسية يمكنها منع قِطَع هذا الأسطول من المرور في مضيق البوسفور؛ فكيف لهذه القطع عندئذٍ أنْ تَصِل إلى ميناء طرطوس السوري، أو إلى موانئ مصرية، إذا ما قرَّرت مصر استضافتها؟!
وفي العاقبة النهائية لأزمة القرم، يمكن أنْ نرى ولادة انقسام دولي جديد؛ فروسيا قد تبدأ معاقبة معاقبيها باستبدال واردات صينية بالواردات الأوروبية، وباستبدال المُسْتَهْلِك الصيني لغازها بالمُسْتَهْلِك الأوروبي؛ وقد تتسبَّب بأزمات نفطية وغازية للغرب في بحريِّ قزوين والخليج. الولايات المتحدة لن تتأذَّى طاقيًّا؛ لأنَّها الآن دولة مكتفية، أو شبه مكتفية، طاقيًّا؛ لكنَّ نجاح روسيا في جَعْل الأوروبيين في أزمة طاقة يُنْذِر بتضاؤل سلطان الولايات المتحدة على حلفائها الغربيين.
إنَّ تحالُفًا بين روسيا والصين وإيران يمكن أنْ يتسبَّب بما ينهي كل نفوذ للغرب في بحر قزوين المهم نفطيًّا وغازيًّا، وبما ينال من قوَّة نفوذ الولايات المتحدة الاستراتيجي والطاقي في منطقة الخليج. وهذا التحالف قد يتحوَّل مع مرور الوقت، واشتداد المعاناة الطاقية في أوروبا، إلى النواة الصلبة لـ”أُوراسيا”، التي تتطيَّر منها الولايات المتحدة.

إلى الأعلى