الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ثقافة الحياة!

ثقافة الحياة!

جواد البشيتي

”.. ليس من شيء (على ما أعتقد) يستطيع انتشالك من توافه حياتكَ اليومية (والتي باستبدادها بكَ ترى الحبَّة بحجم قُبَّة) إلاَّ “الكوزمولوجيا”؛ ففكِّر في الكون، وأنتَ حُرُّ الذِّهن من قيود “الأجوبة” التي رضعناها مع أثداء أُمهاتنا، حتى تُدْرِك، عندئذٍ، كم أنتَ صغيرٌ بهمومكَ واهتماماتك، بما تحب، وبما تكره، بما يُفْرِحكَ، وبما يُحْزِنكَ.”

الفيلسوف الإغريقي إبيكوروس عَلَّمني، وأحسن تعليمي، معنى الحياة، وكيف ينبغي لـ “أَحْكَم الناس” أنْ يعيشها.
أنتَ لستَ مَدْعوًّا إلى أنْ تُؤْمِن بكل ما آمن به إبيكوروس من مبادئ؛ لكنَّك مَدْعُوٌّ إلى أنْ تعرفها، وتتمثَّل معانيها، وتحيا حياتكَ ولو بما تيسَّر لكَ منها.
إبيكوروس عَرَف أنْ لا حياة للإنسان مِلؤها الحياة إذا لم يَفْهَم “الموت” في طريقة مختلفة؛ في طريقة جديدة، وجيِّدة.
لقد فكَّر مَليًّا في “الحالة” التي تسمَّى “الموت”، وتوصَّل إلى أنَّ “حالة الموت” لا تختلف عن الحالة التي كنتَ فيها في رَحْم أُمِّكَ، وقبل أنْ تُوْلَد بثوانٍ؛ فهل لكَ أنْ تُخْبِرنا ولو بنزرٍ من تفاصيلها؟!
إنَّها “الحالة” التي يكفي أنْ تتأمَّلها حتى تعرف جيِّدًا معنى عبارة “نَسْيًا مًنْسيًّا”؛ فهي “النِّسيان” الذي لا يَعْدِله نِسْيان؛ وهي “الفراغ” الذي على اتِّساعه لا يتَّسِع إلاَّ لمعنى “العدم”!
ولو كان لي سُلْطَة “إعادة التسمية” لسمَّيْتُ “القَبْر” باسم “الرَّحْم الثاني (والأخير)”؛ فما الحياة إلاَّ رحلةٍ (قصيرةٍ) تَنْتَقِل فيها من “رَحْم أُمِّكَ” إلى “رَحْم أُمِّنا جميعًا”، وهي “الأرض”، أو “ترابها”.
لا تتعجَّل في الاعتراض قائلًا إنَّكَ في رَحْم أُمِّكَ كنتَ كائنًا حيًّا ينمو، وإنَّكَ في القبر فَقَدَت جثَّتكَ كلَّ حياةٍ؛ ذلكَ لأنَّ شيئًا من معاني وملامح وأوجه وأبعاد الحياة تستمر في جُثَّتِكَ إلى أنْ تتحلَّل، وتعود مادتها إلى ما كانت عليه حتى قبل نشوء الحياة (عناصر كيميائية مختلفة كالكربون والأوكسجين والفسفور..).
ومُذْ وُلِدتَّ شرع “كأس الحياة” يمتلئ بـ”قطرات الموت”، قطرةً قطرةً، حتى جاءت “القطرة الأخيرة”، وهي كناية عن “لحظة الموت”؛ فالموت (وهذا ما ينبغي لنا فهمه) يُخالِط الحياة (أيْ الكائن الحي نفسه) دائمًا، وينمو فيها، في استمرار، إلى أنْ تَرْجَح كفَّته (بـ”القطرة الأخيرة”) على كفَّة الحياة.
إبيكوروس قال لأصدقائه، ناصِحًا: لا تجهدوا عقولكم في شيء (أيْ الموت) هو “النسيان والعدم (والنوم بلا أحلام)”؛ إنْ تألَّمتُم في حياتكم (ولا حياة بلا أَلَم) فحاولوا أنْ تنسوا الألم؛ فهو لن يستمر طويلًا؛ أمَّا إذا طال واشتد حتى الموت، فهو، عندئذٍ، ينتهي حتمًا بالموت؛ فالألم جزء لا يتجزأ من الحياة؛ والموتى لا يتألَّمون.
وبعد هذه النصيحة، نصحهم ألاَّ يُضيِّعوا، أو يستنفدوا، وقتهم وجهدهم لاكتساب المال، أو الشهرة، أو السلطة؛ لأنَّ “الاستمتاع” بما اكتسبوه من هذه الأشياء لا يساوي ما بذلوه من وقت وجهد؛ إنَّ هذا السعي مُكْلِفٌ جدًّا، ولا يتناسب، من ثمَّ، مع “النتيجة المنشودة”، ألا وهي “لحظة الاستمتاع” بما أُنْجِز (أيْ بما اكتسبوه من مال، أو شهرة، أو سلطة).
الحياة، ولجهة أزمنتها الثلاثة: الماضي والحاضِر والمستقبل، هي كنَهْرٍ جارٍ، تَقِفُ في وسطه، وتلعب بمياهه؛ فهل تلعب بمياهه التي جَرَت، فأصبَحَت وراءكَ، وبعيدةً عنكَ، أم تلعب بمياهه التي تجري في اتِّجاهكَ؛ لكنَّها لم تصلكَ بَعْد؟
كلاَّ؛ إنَّكَ لا تلعب، لا بهذه، ولا بتلك، من مياهه. إنَّكَ تلعب، وتستطيع أنْ تلعب، بمياهه التي حَوْلكَ فحسب؛ فَعِشْ “الحاضر”؛ لأنَّكَ لا تملك من الزمن غيره؛ فالماضي لا يعود، والمستقبل لم يأتِ بَعْد. وإنِّي لأعْجَبُ من إنسانٍ يقضي ويستنفد حاضره (والذي هو الحياة بواقعها) نادِمًا آسِفًا على ما مضى، قَلِقًا خائِفًا مِمَّا سيأتي؛ فمتى يحيا ويعيش؟!
وأَعْجَبُ أكثر من إنسان بَلَغ من العُمْر عتيًّا وما زال اكتناز الذهب والفضة يستعبده؛ يُقتِّر على نفسه، وهو الذي لديه من المال ما لا تأكله النَّار؛ فإذا سأَلْتَهُ عن السبب أجابكَ قائلًا: أُخبِّئ قرشي الأبيض ليومي الأسود!
لقد اعتدتَّ في حياتكَ عادات كثيرة، إلاَّ عادة واحدة هي التسامي عَمَّا يملأ حياتكَ اليومية من أمور وأشياء واهتمامات وهموم صغيرة تافهة؛ فأنتَ كمثل من ألصق وجهه بشجرة صغيرة هي جزء من غابة؛ فكيف له أنْ يرى الغابة؟!
وليس من شيء (على ما أعتقد) يستطيع انتشالك من توافه حياتكَ اليومية (والتي باستبدادها بكَ ترى الحبَّة بحجم قُبَّة) إلاَّ “الكوزمولوجيا”؛ ففكِّر في الكون، وأنتَ حُرُّ الذِّهن من قيود “الأجوبة” التي رضعناها مع أثداء أُمهاتنا، حتى تُدْرِك، عندئذٍ، كم أنتَ صغيرٌ بهمومكَ واهتماماتك، بما تحب، وبما تكره، بما يُفْرِحكَ، وبما يُحْزِنكَ.
إنَّكَ مَدْعوٌّ إلى اكتساب وعيٍ، لو وَضَعْتَ بميزانه كل ما تستعظمه من أمور في حياتكَ اليومية لَمَا وَزَنَت شيئًا؛ وإنَّ لهذا الوعي (الذي نفتقده) عيونًا تريكَ الأشياء في حجومها الحقيقية الواقعية، فالحبَّة لا تُريكَ إيَّاها قُبَّة، والقُبَّة لا تُريكَ إيَّاها حبَّة.
وهذا الوعي يُمكِّنكَ من السيطرة على مشاعر الحزن والأسى، والتحكُّم فيها؛ فلو حَدَثَ ما يمكن أنْ يُطْلِق ويثير هذه المشاعر في نفسك، فاسْأَلْ نفسكَ هذا السؤال: هل لهذه المشاعر أنْ تظلَّ على ما هي عليه الآن من شدَّة وقوَّة بعد سنة أو سنتين..؟
أَجِبْ؛ ثمَّ أَجِبْ عن السؤال الذي يَلِده الجواب؛ وهذا السؤال هو: لِمَ لا تَجْعَل هذه المشاعر الآن بالحجم الذي ستكون عليه بعد سنة أو سنتين..؟
إيليا أبو ماضي قال: أَحْكَمُ الناس في الحياة أُناسٌ علَّلوها فأحسنوا التعليل؛ وإنِّ لأنصح بالاستعانة بالفيلسوف الإغريقي إبيكوروس في تعليل، وحُسْن تعليل، الحياة.
مارتن لوثر كينج قال في الموت: “مَنْ ينسى أنَّ الموت هو نهايته الحتمية، لا يَصْلُح أبدًا للحياة”؛ وآرثر شوبنهاور قال: “بعد موتكَ لن تكون إلاَّ ما كنتَ عليه قبل ولادتك”؛ وصموئيل جونسون قال: “ليس من الأهمية بمكان كيف نموت، وإنَّما كيف نعيش؛ فِعْل الموت ليس بذي أهمية؛ فهو إنَّما يستغرق زمنًا وجيزًا”؛ وليوناردو دا فينشي قال: “مَنْ يتعلَّم كيف يعيش، يتعلَّم كيف يموت”؛ وجوزيف أديسون قال: “خوف المرء من الموت يَحْمِلَه على السعي إلى ما يقيه من الموت، فتكون العاقبة أنْ يدمِّر نفسه بنفسه”؛ وجون روسكين قال: “مَنْ لا يَعْرِف متى يموت، لا يَعْرِف كيف يعيش”؛ وفريدريك نيتشه قال: “إذا لم تستطع العيش بفخر فعليك أنْ تموت بفخر”؛ والمتنبي قال: “إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم، فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم”؛ ويوهان فولفجانج فون جوته قال: “حياة عديمة الفائدة إنَّما هي موت مبكر”؛ وبنيامين فرانكلين قال: “كثيرٌ من الناس يموتون في الخامسة والعشرين؛ لكنهم يُدْفَنون في الخامسة والسبعين”؛ ولوسيوسسينيكا قال: “ما لحظة الموت إلاَّ اكتمال عملية بدأت مع ولادتك”.

إلى الأعلى