الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل الديمقراطية هي العنصر الأفضل للنمو الاقتصادي؟

هل الديمقراطية هي العنصر الأفضل للنمو الاقتصادي؟

أفضل تخمين لنا هو أن الديمقراطية هي في الحقيقة أفضل شكل من نظم الحكم المتاحة حتى الآن. ومع ذلك فهناك سؤال أيضا يتمثل فيما إذا كانت الديمقراطية سوف تبقى حية. يلاحظ عدد من نقاد الديمقراطية أن البشرية قضت وقتا طويلا جدا تحت نوع من الحكم الاستبدادي، مثل الملكيات أو نظم الحكم العسكرية المسبتدة، في حين أن الديمقراطية هي فقط مجرد ابتكار حديث.

في الوقت الذي برزت فيه قوة الصين وروسيا خلال السنوات الـ15 الأخيرة، شرع كثير من الناس يتساءلون عما إذا كانت الديمقراطية هي في الحقيقة أفضل نظام اقتصادي. على سبيل المثال انظر في تعليقات الرئيس المجري فيكتور اوربان في العام الماضي عندما أعلن أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 أظهرت أن الدول الديمقراطية الليبرالية لا تستطيع أن تظل منافسة على الصعيد العالمي. وقد أدرج روسيا وتركيا والصين كنماذج للبلدان الناجحة مع أنه ليس أي منها ليبرالي وبعضها ليس حتى ديمقراطي.
وليس وحده من يسير في هذا الاتجاه بل إن بلدان مثل تركيا وتايلاند تشكك في جدوى الديمقراطية. كما يتحدى عدد قليل من زعماء المال والأعمال الفكرة. ولنأخذ مثالا واحدا في ذلك وهو رجل الأعمال توم بيركينز الذي اقترح أنه يجب أن يقوم التصويت على مقدار ما يدفعه الأشخاص من ضرائب وليس على أساس صوت لكل شخص. كما احتج البعض أيضا بأن الديمقراطية هي السبب في أن نمو الهند أبطأ من نمو الصين.
وفي الغالب يرد أنصار الديمقراطية بأنها تساعد البلدان على تحقيق الثراء. وعلى كل حال فهناك علاقة واضحة بين الثروة والديمقراطية ـ لاحظ أن أوروبا واليابان والولايات المتحدة كلها ديمقراطيات ثرية. وبالتأكيد فإن الصين قد حققت نموا كبيرا ولكن ذلك يرجع إلى أنها بدأت بالفقراء وبسبب ضخامة حجمها.
لكن هل هذه علاقة ارتباطية أم علاقة سببية؟ أي هل الديمقراطية تجعل البلدان غنية بالفعل، أم أن الديمقراطية هي مجرد ترف أو عناصر كمالية يمكن للبلدان الغنية أن تستخدمها؟
من الصعب الإجابة على هذا السؤال. لسبب واحد وهو أن البلدان تصبح غنية في مرة والديمقراطيات تصبح في المعتاد فقط ديمقرطية مرة أو مرتين. كما أن هناك أيضا كثيرا من الأشياء الأخرى بشأن البلدان التي يمكن أن تكون سببا في تحقيق الثروة أو الديمقراطية أو كلتيهما. وعلى الرغم من أننا لن نعرف أبدا الإجابة على وجه اليقين، فإن فريق من الاقتصاديين أجروا دراسة تمثل أقصى ما يمكن للبشر عمله، حيث قاموا في سبيلهم لتعقب المشكلة باستخدام عدد كبير من التقنيات الإحصائية المختلفة لدراسة أثر عمليات تحقيق الديمقراطية. كما استخدموا أيضا تقنية بديلة حيث درسوا موجات إحلال الديمقراطية.
وقد توصلت كل الطرق إلى نفس الإجابة وهي أن الديمقراطية تزيد الناتج المحلي الإجمالي بنحو 20% على المدى البعيد.
وهذا ليس بالرقم الكبير ـ أقل تقريبا بشكل كبير مما قد يرغب فيه أنصار الديمقراطية. لكنه أيضا ليس لا شيء كذلك. فقد أظهر أن فيكتور اوربان على خطأ في أن الاستبداد قد لا يساعد بلده على الوصول إلى الثراء، على الرغم أنه ليس قدرا محتوما للمجر أيضا.
كما درس الباحثون قضية كيف تزيد الديمقراطية النمو. ووجدوا أن البلدان التي تتمتع بالديمقراطية لديها نظام حكم أفضل ـ وتتبع مزيدا من الإصلاحات الاقتصادية وتوفر مزيدا من التعليم ومزيدا من السلع العامة وتحد من عدم الاستقرار الاجتماعي. كما وجدوا أيضا، على العكس من الكثيرين الذين تابعوا قصة الصين، أن الاستثمار في الأعمال التجارية يكون أعلى في الديمقراطيات.
والآن فإن هذه ليست بالإجابة المحددة والنهائية. وربما لا يكون لدينا مثل هذه الإجابة على الإطلاق أو على الأقل ليس لمئات السنين. فربما تكون الديمقراطيات قد عملت بشكل جيد في العقد الأخير وذلك ببساطة لأنه كان يتم تسويقها وحمايتها من قبل الولايات المتحدة الدولة الأغنى والأقوى في العالم. وربما الآن تتصارع الصين، بحكم حجمها الضخم، لتتقدم على الولايات المتحدة، فقد نرى الأمور تسير في الاتجاه المعاكس. ولا يمكننا استبعاد ذلك بأي حال.
غير أن تحسين المؤسسات التي توصل إليها الباحثون تظهر أن المبررات تتعمق في هيكل المجتمع. وتتماهى هذه الملاحظات مع نظرية أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك بروسي بوينو دي مسكيتا الذي افترض أنه في الديمقراطيات، يكون هناك كثير من الناخبين بدرجة تجعلها لا تؤتي ثمارها مع المحسوبية، مما يجبر الزعماء على توفير مزيد من السلع العامة مثل التعليم والبنية الأساسية وحقوق الملكية الفكرية.
وأفضل تخمين لنا هو أن الديمقراطية هي في الحقيقة أفضل شكل من نظم الحكم المتاحة حتى الآن. ومع ذلك فهناك سؤال أيضا يتمثل فيما إذا كانت الديمقراطية سوف تبقى حية. يلاحظ عدد من نقاد الديمقراطية أن البشرية قضت وقتا طويلا جدا تحت نوع من الحكم الاستبدادي، مثل الملكيات أو نظم الحكم العسكرية المسبتدة، في حين أن الديمقراطية هي فقط مجرد ابتكار حديث.
غير أن هناك مجموعة من علماء الاقتصاد أجروا دراسة مؤخرا توصلت إلى أنه منذ مطلع القرن التاسع عشر، فإن الثورة أو التهديد بالثورة قد اتجه إلى دفع البلدان صوب الديمقراطية. وإذا تم تصديق هذه الدراسة، فإن هذا يعني أن الديمقراطية هي ترتيب أكثر استقرارا للمجتمع من الاستبداد في العصر الصناعي الحديث. تماما مثلما يميل برج من الكتل إلى السقوط عندم يتعرض للاهتزاز، فإن النظم المستبدة تميل إلى التحول إلى ديمقراطيات عندما يختل النظام. وبشكل واضح لم يكن ذلك الحال قبل الثورة الصناعية، ومن ثم فإن الديمقراطية يتم النظر إليها بشكل افضل بوصفها تمثل التكيف مع الببيئة التقنية الجديدة.
وليست الديمقراطية صالحة فقط للاقتصاد والأعمال، بل إنها وجدت لتبقى ما لم يتعرض العالم لتحول كبير آخر بحجم الثورة الصناعية. وفي الحقيقة يبدو أن فيكتور اوربان وحتى الحزب الشيوعي الصيني الضخم على الجانب الخاطئ من التاريخ.

نواه سميث
كاتب عمود في بلومبيرج
خدمة واشنطن بوست ـ بلومبيرج نيوز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى