السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأمانة الوظيفية ومراقبة الضمير

الأمانة الوظيفية ومراقبة الضمير

النجاح هو ثمرة الأمانة والإخلاص في العمل وهو أمر إلهي، قال الله سبحانه وتعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة ـ 5)، فبدون الإخلاص والمراقبة لله لن تكون هناك ثمرة ولن يقبل الله عملا حتى يكون خالصا لوجهه الكريم موافقا لشرعه.
فإخلاص العمل وأداء أمانته الذي إلتزم به الإنسان نحو غيره من بني البشر كولاة الأمور صغارا وكبارا أو مرؤوسين أو مدراء أمانتهم أن يقوموا بالعدل فيما ولوا عليه وأن يسيروا في عملهم حسب ما تقتضيه المصلحة في الدين والدنيا، ومن الخلل التي تفشت في بعض المؤسسات الحكومية والشركات هي عدم الإخلاص في إتقان العمل الموكل إلى الموظف حسب القوانين المتبعة.
إن من واجب الأمانة في الوظيفة وما أعظمه من واجب أن لا يقدم معاملة أحد على أحد ولا يقدم معاملة إنسان لكونه قريبا أو صديقا أو أهدى إليه هدية أو رشوة أو يرجو أن يسهل له مهمة أخرى، فإن بعض الناس قد يتهاون في ذلك وهي من الخيانة وظلم الخلق والظلم ظلمات يوم القيامة يقول أحدهم في شؤم الظلم:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا *** فالظلم آخره يفضي إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم
إنك تجد منهم من يتقدم إليه شخصان كل واحد له معاملة فينهي معاملة هذا في أيام وهذا في شهور وآخر في أعوام من غير عذر يخول ذلك التقديم فيجب أن يقدم الأول فالأول حسب ما تقتضيه الشريعة السمحة والقوانين المتبعة بشأنها.
الواجب على الموظف أن يؤدي أمانة الوظيفة على الوجه المطلوب وأن لا يـتأخر في أعماله أو يتشاغل بغيرها إذا حضر مكان العمل وأن لا يتدخل في أمر لا يعنيه فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
والأعجب من ذلك تجد أن بعضهم يذهب إلى عمله ويكون أول الحضور لا لأجل إنجاز الأعمال المناطة به بل كما قال بعضهم ليوقع على الحضور وليشرب الشاي ويتصفح الجريدة، وتجد أن بعضهم هداهم الله يتأخر عن وقت الدوام الرسمي ويترك بعض الأعمال الملقاة على مسؤوليته، وليعلم بأن وقت الدوام يأخذ عليه مرتبا فكل وقت يستغل من قبل الموظف خارجا عن نطاق العمل كالإشتغال بالحاسب الآلي أو إنجاز مهامه تاركا معاملة المراجعين معلقة، فالساعات التي قضاها الخارجة عن نطاق العمل على رأي بعض أهل العلم بأن راتبه الذي يأخذه فيه شبهة والبعض يحرمه لأنه من الغش والخيانة لعمله ولوطنه أو يستعمل كذلك بعض الممتلكات الخاصة بالمؤسسة بدون استئذان من مرؤوسيه، أما إذا كان لصالح العمل ولم يترتب على ذلك أي مضرة بالعمل فلا بأس بالتصرف المتقن والمسبق علمه لمسؤوليه، وترى أنه عندما ينبه ذلك الموظف في شأن التصرف بالممتلكات المذكورة يأتي بحجج واهية، ومن جملة ما يقوله بأن هذه الأنظمة ليست أمورا دينية حتى أتمسك بها أو أن الأجرة أو الراتب الذي آخذه هو من بيت المال وهذه خدعة يغتر بها. أما قوله إن هذه الأنظمة ليست أمورا دينية فإن النظام إن كان ولاة الأمور قد نظموه وهو لا يخالف الشريعة فإن الواجب على الرعية طاعتهم فيما لا يخالف الشريعة فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال (جلا وعلا): (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) وأما الراتب الذي يأخذه من بيت المال يقول حلالا لكل أحد فإن هذا الراتب الذي يأخذه إنما يستحقه في مقابل عمل قام به وإلا فما الذي يحلله له ويحرمه على الآخرين الذين ليسوا في وظيفة إنه أخذ الراتب وهو لا يقوم بالوظيفة فهو كمن أخذ راتبا وهو غير موظف وكلاهما لا يستحق، والبعض يشتكي أن راتبه لا يوجد به بركة ونسي هذا المسكين أن البركة لا تأتي إلا بالأمانة والإخلاص في الوظيفة.
ومن أمانة وإخلاص العمل معاملة المسلم وغير المسلم في إرجاع حقه وعدم غمطه فإن من ظلم غير المسلم يعتبر ظالما فكيف بالمسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه) وفي حديث آخر قال (عليه الصلاة والسلام) :(اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب)، وقد روي أن رجلا ذميا من أهل حمص قدم على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين: أسألك كتاب الله عز وجل، قال: وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك: أغتصب أرضي والعباس جالس فقال له: يا عباس ما تقول؟ قال: أقطعنيها الوليد بن عبد الملك، وكتب لي بها سجلا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله عزوجل فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد الملك، فاردد عليه يا عباس ضيعته فردها عليه.
ومن أمانة العمل كذلك قضاء حاجة أخوانه فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ويقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم):(من فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة)، وكذلك من الأمانة الاحتفاظ بأسرار العمل حيث أن كل وظيفة حكومية أو تابعة للشركات أو المؤسسات الخاصة تتضمن أسرارا معينة، لذا على الموظف ألا يفشي سرا من أسرار هذه الوظيفة في مجالسه الخاصة أو المجالس التي تجمعه مع أصدقائه عن تلك الأسرار لأن الإفشاء بها يضر بالمصلحة العامة.
فالفقر الحقيقي في الأمة الإسلامية الكبيرة يرجع إلى هذا الشلل الغريب في (الهمم والمواهب) وهذا التخلف السحيق في مجال (الإنتاج والإجادة) حتى أن أحدهم عندما يخرج للعمل يخرجه كالسقط يخرج من بطن أمه لا يعلم له دليل حياة أو علامة عليه.
إن الأمانة شيء عظيم تصان به حقوق الله وحقوق عباده وتحفظ بها الأعمال من التفريط والإهمال إنها قيام بالمسؤولية في جميع وجوهها لقوله (عليه الصلاة والسلام): (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) إنها داخلة في كل حق وممتدة في كل مرفق في الراعي والرعية والإدارة والسياسة والتربية والتعليم والتجارة والصناعة والقضاء والجندية في شؤون الحياة كلها، فعناصر الوحي تشبه عقاقير الأدوية لا يتم الشفاء بها إلا إذا أخذناها كما جاءت، أما إذا طرحنا عقارا وتناولنا آخر فلن يذهب لنا سقام، فمتى كانت الأمة مخلصة في عملها فسترتفع شأنها حتى عند عدوها حتى أنها تخلق مهابة لها ومتى كانت الأمة غير مبالية بالأمانة ضحكت عليها الأمم فالحل إذا هو (العودة إلى الإسلام ظاهرا وباطنا وترسم خطا السلف الأول في صدق الإيمان وحسن العمل، ثم يمسوا بأصابعهم أي شيء في متناول اليد فسوف يتحول إلى أداة نصر ومفتاح نجاة) ، فبالأمانة والإخلاص تسير الأمة على الركب الميمون المحفوف بعناية الله ورعايته اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل والخلاص في الدنيا والآخرة.

إلى الأعلى