الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / حصار قطاع غزة.. أما من نهاية لمعاناة الإنسان الفلسطيني في هذا الجزء من فلسطين؟
حصار قطاع غزة.. أما من نهاية لمعاناة الإنسان الفلسطيني في هذا الجزء من فلسطين؟

حصار قطاع غزة.. أما من نهاية لمعاناة الإنسان الفلسطيني في هذا الجزء من فلسطين؟

السيد عبد العليم

مقدمة:
يخضع قطاع غزة لحصار شامل برا وبحرا وجوا من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ تسع سنوات يتحكم في الاقتصاد والموارد الطبيعية والاتصالات، كما تمنع إسرائيل الغالبية العظمى من سكان القطاع من السفر إلى الخارج. كما يتم في كثير من الأوقات غلق معبر رفح الحدودي من الجانب المصري الذي يعد المنفذ الوحيد للفلسطينيين على الخارج، الأمر الذي أسفر عنه تردي اوضاع السكان بشكل كبير حتى صار حسب وصف مسئولين دوليين سجنا كبيرا لنحو 1.8 مليون نسمة يعيشون على مساحة 378 كيلومترا مربعا، فيما يشكل اعلى كثافة سكانية في العالم، يتعرضون مع الحصار الممتد لحروب تدميرية عدوانية تقوم بها قوات الاحتلال من آن لآخر. وكل ذلك في ظل غياب أو غيبوبة عربية شبه تامة.

لماذا الحصار؟
احتلت القوات الإسرائيلية قطاع غزة بعد حرب عام 1967 ومن قبل كان يخضع في إدارته للجانب المصري. وبعد ان تأكد الاحتلال من ان استمرار بقائه في غزة ضرره أكبر من نفعه، قرر الانسحاب منه بشكل أحادي اي دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية القائمة في رام الله عام 2005. وبعد أن بزغ نجم حركة المقاومة الإسلامية(حماس) التي سلكت نهج المقاومة لإنهاء الاحتلال ولا تؤمن بعملية التفاوض السياسي معه وتنفيذها عمليات استشهادية نوعية وتبنيها لها داخل اراضي الاحتلال، تم الضغط عليها من قبل كثير من الاطراف الداخلية والعربية والاقليمية والدولية من اجل دخول المعترك السياسي والانخراط في العملية السياسية المتمثلة في الانتخابات. وبالفعل وافقت الحركة ودخلت الانتخابات وكانت المفاجأة غير المتوقعة للسلطة الفلسطينية والاحتلال وكثير من الانظمة العربية هو فوز حماس بأغلبية مقاعد البرلمان. وكانت النتيجة هي محاصرة قطاع غزة منذ عام 2006 اي عقب نتيجة الانتخابات مباشرة. وبعد التصعيد الكبير في الخلافات بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحركة حماس في غزة والذي وصل ذروته بطرد قوات حماس قوات وعناصر السلطة من القطاع وسيطرت عليه سيطرة كاملة، واثر ذلك فرض الاحتلال حصارا شاملا منذ عام 2007، بغية الإطاحة بالحركة. فتم فرض حصار إسرائيلي بري وبحري وجوي على القطاع. كما ساهمت مصر في الحصار ايضا بغلق معبر رفح الحدودي الفاصل بين القطاع ومصر. وتبارك البلدان العربية بل وبلدان العالم كلها تقريبا هذا الحصار الجائر الظالم بالرغم من الطنين الإعلامي. وذلك برضائها به والتعامل معه كأمر واقع وعدم التحرك الجدي لرفعه وانهائه، او حتى الضغط بوسائلها السياسية والاقتصادية لإنهائه، الامر الذي يجعلها مشاركة فيه بشكل مباشر او غير مباشر. ويتم ذلك مع تعرض القطاع لثلاثة حروب عدوانية تدميرية بشكل شبه كامل من قبل قوات الاحتلال في الست سنوات الماضية كان أخرها عدوان عام 2014 الذي اعلنه الاحتلال واطلق عليه عملية “الجرف الصامد” التي استمرت 51 يوما، مما زاد من تفاقم الوضع الإنساني المتردي أصلا حتى قبل فرض الحصار الشامل الذي فرضته إسرائيل منذ عام 2007 بعد أن سيطرت حركة حماس عليه.
ـ تداعيات الحروب والحصار على القطاع:
ـ دمار وخراب ثلاثة حروب طاحنة في 6 سنوات:
على مدى السنوات الست الأخيرة، واجه سكان القطاع ـ الذين يعتبرون في أغلبهم لاجئين فقدوا بيوتهم وأراضيهم التي كانوا يعيشون فيها بعد اغتصاب بلدهم ـ ثلاثة اعتداءات إسرائيلية أنهكت قواهم ودمرت منازلهم، حيث سقط في الأولى بين عامي 2008 و2009 ما يزيد على 1391 قتيلاً. وفي العدوان الثاني خلال عام 2012 سقط 167 فلسطينياً، أما الأخير والأكثر دموية فحدث في صيف 2014، ملحقا دمارا واسعا في البنى التحتية والمدارس والمستشفيات، وسقط خلاله 2139 قتيلا، أكثر من 500 منهم كانوا أطفالا.
ـ تزايد الفقر المدقع وتردي الأوضاع:
أدت الحرب العدوانية الأخيرة والحصار المفروض على القطاع الى انهيار الاوضاع والازمات المتواصلة خاصة ان نسبة الفقر المدقع وصلت الى اكثر من 42%، والبحث عن عمل 60%، وانعدام الامن الغذائي 75%، والاعتماد على المساعدات الإنسانية المقدمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين”الاونروا” وجمعيات خيرية فلسطينيية وعربية ودولية أخرى وصلت الى اكثر من 80% مما يعطي مؤشرا خطيرا سيما مع العجز المالي للأونروا وقلة الموارد المالية المتوفرة. وهو الامر الذي دفع الاونروا بدورها الى الاعلان عن تقليص برامجها التعليمية وغيرها في القطاع، والذي ووجه بمسيرات ومظاهرات تنديد بهذا التقليص لتداعياته السلبية على سكان القطاع.
ـ أزمة كهرباء طاحنة ومستمرة:
تأتي أزمة الكهرباء في القطاع لتمثل واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه السكان. فقد طفت على السطح العام الماضي أزمة الكهرباء في القطاع. فبعد أن اعتاد أهل غزة على جدول 8 ساعات وصل مقابل 8 قطع، أصبح الجدول المعمول به 12 ساعة قطع مقابل 6 وصل، بسبب توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة عن العمل، إضافة الى تعطل مفاجئ لخطوط الكهرباء المصرية والإسرائيلية المغذية لغزة.
ويعاني قطاع غزة من أزمة حادة في الكهرباء بسبب عدم وجود طاقة لتشغيل المحطات، وادى انقطاع التيار الكهربائى لوفاة العشرات نتيجة الحرق والاختناق، أغلبهم من الأطفال. ويحتاج القطاع إلي (450) ميجاوات من الكهرباء حتى تعمل الكهرباء لمدة (24) ساعة.
ومن المفترض أن يدخل عبر الجانب المصري (28) ميجاوات فقط، ولكن هذا لم يحدث، وكل ما يدخل من الجانب المصري 7 وات فقط، ورغم إنشاء محول كهرباء في عصر الرئيس الاسبق محمد مرسي لإمداد قطاع غزة بـ 25 ميجا إضافيين، إلا أن هذا المحول تم وقف العمل به بعد الاطاحة بنظام مرسي مباشرة. ويدخل إلي قطاع غزة عبر خطوط الاحتلال (120) ميجاوات، كما يدخل عبر شركة التوليد (100) ميجاوات عند أفضل الأحوال. ويؤكد خبراء أن مجموع ما يصل لقطاع غزة من الكهرباء هو (248) ميجاواط بنسبة 55%، وأن مجموع العجز في كمية الكهرباء هو 202 ميجاوات بنسبة تصل إلي 45%.
ـ أزمة وقود خانقة تعصف بالقطاع:
كما يعاني قطاع غزة من أزمة في الوقود تنعكس علي أزمة الكهرباء، حيث تحتاج محطة التوليد في اليوم (650.000) لتر وقود، بتكلفة تبلغ حوالي 3 ونصف مليون جنية مصري يوميًا. وقد أكد محمود الشوا رئيس جمعية أصحاب محطات الوقود بغزة، أن أزمة الوقود التي بدأت أوائل سبتمبر 2015 لا تزال تراوح مكانها والكميات التي ضُخت وتضخ للقطاع لا تغطي العجز الموجود، محذرا من حدوث كارثة على جميع الأصعدة الحياتية إن استمرت الأزمة في الفترة المقبلة. وأوضح ان ما يتم ضخه لقطاع غزة يُشكل 30 – 35 % من الاحتياجات، وان ذلك يمثل ربع الكمية التي كانت تدخل في الأشهر الماضية والتي كانت تبلغ مليون و300 الف الى مليون و 500 الف لتر ويمثّل 70% من استهلاك قطاع غزة.
وبين أن السبب المباشر لهذه الأزمة هي إغلاقات المعابر المتكررة نتيجة الأعياد اليهودية، حيث اغلق المعبر يومين للأعياد اليهودية ويومي الجمعة والسبت التي يغلق فيها المعبر اسبوعيا. موضحا أن الكمية التي تضخ توزع بشكل عادل على المحطات المنتشرة في محافظات القطاع كافة. وتقدّر نسبة استهلاك القطاع الخاص من “صناعية وخدماتية وبلدية” في اليوم الواحد بـ500 ألف لتر سولار و250 ألف لتر بنزين. وكانت أزمة الوقود قد تفاقمت في غزة اواخر العام الماضي، وأصبح رصيد المحطات، من البنزين والسولار صفر، الأمر الذي أثقل كاهل سكان غزة وزاد من معاناتهم وهدد بتوقف حياتهم اليومية.
وصار النشاط اليومي للعائلات في القطاع ينحضر في تأمين الاحتياجات الأساسية من الطاقة والكهرباء وترشيد استخدامها ما أمكن. وهو الترشيد والاقتصاد الذي لا تسلم منه حتى تلك الأسر المصنفة بالمحظوظة والتي لم تتعرض بيوتها للتدمير إبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، أو التي تملك بعض المال لدفع ثمن الطاقة المتضخم بسبب كثرة الوسطاء والمتدخلين.
فقد صار التيار الكهربائي ينقطع في اليوم ما يقارب 18 ساعة كاملة. وما أن يعود مجددا حتى يُهرع الناس لإعادة شحن البطاريات، وتسخين المياه، والتحقق من مستوى الوقود في المولدات الكهربائية، وأيضاً مستواه في السيارات وغير ذلك. أما عندما تنقطع الكهرباء فينصرف البحث عن وسائل أخرى لتلبية الاحتياجات المعيشية الضرورية، وكذا للحصول على ما يلزم لممارسة الأنشطة الاعتيادية من الطبخ في المنازل إلى العمل في المكاتب.
ـ حرمان ومعاناة الأطفال:
بالاضافة الى مشاهد القتل والدم المروعة والخوف والهلع ومشاهد موت اعز الناس لهم من الاهل والاصدقاء التي يعيشها الاطفال جراء الاعتداءات والقصف الإسرائيلي والدمار الذي يحدثه في كل مرة، فإن هناك مآسي أخرى تكون في انتظارهم ويتمثل ذلك في الاوضاع الاقتصادية البائسة التي تدفعهم الى التسلل من المدارس واللحاق بسوق العمل والانخراط في الاعمال الشاقة التي تفوق سنهم. وذلك جراء فقدانهم في كثير من الحالات للاب او عائل الاسرة الذي يموت أمامهم بقذيفة جراء القصف والاعتداءات الوحشية لقوات الاحتلال. وينقل لنا عن كثب مراسل الوطن هذه الصورة المحزنة لأوضاع الاطفال في القطاع المحاصر. ففي سوق فراس الشهير في غزة يقوم العديد من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والرابعة عشرة بنقل البضائع للتجار والمتسوقين من والى السوق مقابل القليل من المال عبر عربات بدائية. بينما يقف آخرون على البسطات المجاورة لبيع الخضار والفواكه وحاجيات أخرى. والمراقب للأوضاع في غزة، يلاحظ استفحال ظاهرة عمل الأطفال في القطاع خاصة مع تزايد ظاهرة التسرب المدرسي، حيث يضطر الكثير من الأطفال لترك المدارس والنزول للشوارع بحثا عن لقمة عيش، أو العمل في الأعمال الشاقة مثل الباطون أو الزراعة وغيرها من اجل إسناد أسرهم، مثلما حدث مع الطفل وليد (13 عاما) والذي اضطر للعمل في الزراعة جنوب قطاع غزة. ويعمل وليد على مدار 12 ساعة أيام الخميس والجمعة وست ساعات خلال أيام الأسبوع من أجل اللحاق بمدرسته التي تراجع فيها مستواه بشكل كبير في فصله حيث أصبح مهدداً بإعادة السنة الدراسية إذا لم يتفرغ للدراسة.
ولاشك أن واقع الأطفال الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة يعتبر من الصعوبة بمكان, خاصة في ظل الاعتداءات الإسرائيلية والمجازر البشعة في قطاع غزة حيث بلغ إجمالي عدد الشهداء من الأطفال أكثر من 560 شهيدا إضافة الى إصابة 3189 جريحا بجراح مختلفة تسببت للكثيرين منهم بإعاقات جسدية مختلفة, وفقدان الكثير من الأطفال لعائلاتهم أو أبائهم وأمهاتهم مما حرمهم من حنان الأبوة والأمومة.
وتعتبر ظاهرة عمل الأطفال من الظواهر العالمية كما يقول الخبير الاقتصادي بغزة الدكتور ماهر الطباع, لكنها متفاوتة من دولة إلى أخرى, منوهاً الى أن الفقر من أهم العوامل التي تؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة, والتي تعتبر من أخطر الظواهر المنتشرة الآن بفلسطين. وتهدد هذه الظاهرة المجتمع ككل, حيث توقعه بين فكي الفقر والجهل وتسلب الطفولة وتخلق جيلا غير متعلم.
ويضيف الطباع لمراسل الوطن في غزة أن الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية التي تمر بفلسطين, تدفع بالأطفال إلى العمل من أجل الحفاظ على كيان الأسرة وإشباع المتطلبات الأساسية لأسرهم, خصوصا في قطاع غزة المحاصر منذ تسع سنوات.
ويذكر المحامي أحمد شهاب المنتسب للعيادة القانونية بالجامعة الإسلامية بغزة أن هذه الظاهرة ظهرت بكثرة في شوارع وشواطئ ومصانع قطاع غزة مؤخراً بسبب الحصار وحالات البحث عن العمل المرتفعة وزيادة معدل الفقر ونقصان مستوى الدخل الشهري للأسرة في القطاع. ويضيف أن الأسباب الاقتصادية السيئة التي يعيشها القطاع دفعت هذه الفئة من المجتمع إلى الانتقال المبكر إلى بيئة العمل الشاقة والمتعبة، مهددةً بذلك سلامتهم، بالإضافة إلى حرمانهم من حقهم في الحياة الكريمة والرفاهية والرعاية الصحية والتعليم الأساسي.
وتشير إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الى وجود حوالي (65) ألف عامل من الفئة العمرية (7 -14 سنة) يعملون في الأراضي الفلسطينية, وأكثر من (102) ألف طفل يعملون دون سن (18) سنة في أعمال مختلفة بدأ من الانتشار في الشوارع على المفترقات وصولا إلى الورش والمصانع والمنشآت الاقتصادية المختلفة. كما تشير مؤشرات وزارة العمل الفلسطينية الى أنه في مطلع عام 2014، كان هناك نحو 100 ألف طفل تحت سن 18 عاما يعملون في مواقع العمل المختلفة. بينما أظهرت نتائج مسح القوى العاملة عام 2012 أن نسبة الأطفال في الفئة العمرية 10-17 سنة العاملين سواء بأجر أو دون أجر، أو أعضاء أسرة غير مدفوعين الأجر، بلغت 4,1% من إجمالي عدد الأطفال: 5,8% في الضفة، و1.5% في قطاع غزة.
وترى الدكتورة عايدة صالح أستاذة علم النفس في جامعة الأقصى بغزة أن انتشار هذه الظاهرة لا يرتبط بالأوضاع الاقتصادية السائدة فحسب بل ترتبط بعوامل اجتماعية وثقافية وسياسية, كالمستوى الثقافي للأسرة، الفقر وما يترتب عليه من ظروف صعبة تمر بها الأسرة وتؤدي إلى دفع أبنائها للعمل، قلة المدارس والنظام التعليمي السائد الذي يؤدي إلى ترك الطفل للمدرسة مثل: سوء معاملة المدرسين, نقص المعرفة بقوانين عمل الأطفال، الاستعمار والحروب والأزمات الاقتصادية وانتشار البطالة.
وتشير صالح إلى أن هذه الظاهرة تترك آثارا صحية ونفسية واجتماعية ومنها تأثير النمو والتطور الجسدي للطفل حيث تتأثر صحته من ناحية التناسق العضوي والقوة الجسدية والبصر والسمع، وكذلك تأثير النمو والتطور المعرفي وذلك نظرا لترك الطفل للمدرسة وتوجهه للعمل حيث تنخفض قدراته في مجال القراءة والكتابة والحساب كما يقل إبداعه، وتأثر التطور العاطفي حيث يفقد الطفل احترامه لذاته وارتباطه بأسرته وتقبله للآخرين نظراُ لبعده عن الأسرة وتعرضه للعنف من صاحب العمل أو زملائه، وتأثر التطور الاجتماعي والأخلاقي وذلك من حيث الشعور بالانتماء للجماعة والقدرة على التعاون مع الآخرين والقدرة على التمييز بين الخطأ والصواب.
ـ وعود إعادة الإعمار الزائفة
رغم الحديث العربي والدولي المتكرر عن إعادة الإعمار تحولت العبارة إلى ما يشبه الوعود الزائفة التي لم يتحقق منها حتى الآن الشيء الكثير. كما أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة لم يخفف قيد أنملة معاناة الفلسطينيين مع الحصار الإسرائيلي الخانق إلى درجة أن البعض صار يتهم الأمم المتحدة بتسهيل الحصار بدل تخفيفه. هذا بينما حذرت الامم المتحدة في يوليو الماضي بأن جهود إعادة البناء ضئيلة أو معدومة، وأن حالة المدنيين في غزة أصبحت غير قابلة للاحتمال.
كما حذر جيفري فيلتمان المسؤول الأممي عن العلاقات السياسية في فبراير 2015، من أن الدول التي تعهدت في القاهرة في العام السابق بتقديم مساعدات بقيمة 5.4 مليار دولار من أجل إعادة إعمار القطاع لم تفِ بالغالبية العظمى من تعهداتها، معتبر ذلك “أمرا غير مقبول، ولا يمكن ان يستمر في حال أردنا تجنب تصعيد اخر في غزة”.
ـ إغلاق معبر رفح الحدودي:
غالبا ما تغلق مصر ـ الدولة العربية الحدودية مع القطاع ـ معبر رفح مما يؤدي الى خنق القطاع، في الوقت الذي تقوم فيه بحملات قوية وعمليات اخلاء وهدم لشريطها الحدودي مع غزة لتضييق الخناق على القطاع بحجة اغلاق الانفاق لمنع التهريب، حتى وصل الامر الى اغراق الحدود مع القطاع بمياه من البحر. الامر الذي يترتب عليه انجرافات ارضية وتأثيرات سلبية على البيوت الفلسطينية في القطاع. فضلا عن زيادة ملوحة المخزون المائي الجوفي للقطاع مما يؤثر على المياه الجوفية العذبة التي يشربها سكان القطاع. مع ان الامر ربما لا يحتاج كل هذا العناء بل فتح المعبر واحكام الرقابة عليه لعدم تسلل اي عناصر يمكن ان توصف بالمندسة التي يمكن ان ترتكب اعمال تؤثر على امن واستقرار مصر. علما بان استمرار ذلك يمكن ان يؤدي في النهاية الى انفجار القطاع واقتحام حشود من الفلسطينيين اليائسين الحدود ودخولهم الاراضي المصرية حتى لو تعرض اعداد منهم للقتل، من منطلق انه ميت داخل القطاع وميت خارجه فلا فرق اذاً. مما يترتب عليه عواقب وخيمة وصورة بالغة السوء للسياسة المصرية امام الرأي العام الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية في الوقت الذي يحتاج فيه النظام الجديد في مصر الى تحسين صورته في الخارج.
ـ دور السلطة الفلسطينية والانظمة العربية في الحصار:
يتم هذا الحصار بعواقبه الوخيمة على القطاع في ظل انقسام وتصارع فلسطيني، وصل الى ان يصرح احد مسئولي السلطة الفلسطينية بانه يرحب بعودة قطاع غزة الى السلطة ولو جاء على ظهر دبابات الاحتلال الإسرائيلي. وليعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس انه صاحب فكرة غمر حدود غزة مع الجانب المصري بمياه البحر.
وان كان المثير والمريب في الامر هو الدور العربي المشارك بقوة في هذا الحصار الجائر، حيث يتم هذا في ظل تجاهل عربي شبه كامل للحصار المستمر والاوضاع المأسوية التي يعانيها سكان القطاع، بما يشي بالرضا التام عن هذه الأوضاع. الأمر الذي يمثل مشاركة فعليه في خنق القطاع. وان كان اللافت في ظل هذه الاوضاع المأسوية وغير الانسانية التي يعيشها اهالي القطاع، أنه بعد أن تغلق وتوصد في وجوههم أغلب الابواب العربية في تقديم الدعم والمساعدة لهم ويصبحون على شفا الهلاك فيضطر قادة حماس الى التوجه الى طهران ويطلبون مساعدتها، تقيم كثير من الانظمة العربية الدنيا ولا تقعدها على ذلك وتكيل الاتهامات لهم. وتصيح وتهدد بان ذلك تدخل ايراني في شئون المنطقة وتمديد لنفوذها، مع ان الدافع الرئيسي في الواقع لذلك هو تخلي اغلب الانظمة العربية عن القضية الفلسطينية عموما، وللنظر الى ما يجري في الاقصى ونرصد مواقف وتصرفات تلك الانظمة في مواجهته، وعن قطاع غزة بقيادة حماس خصوصا.
ـ إنهاء عاجل للحصار:
ان المطلوب الان وبشكل عاجل هو تحرك عربي مشترك حقيقي وقوي لرأب الصدع الفلسطيني وانجاز المصالحة بين حركتي فتح وحماس والعمل على رفع هذا الحصار وعدم السكوت عليه. وان تقوم مصر بفتح المعبر بالتنسيق مع السلطة الفعلية في القطاع مع اتخاذ السلطات المصرية كافة الاجراءات المطلوبة في المراقبة الصارمة لحركة العبور في المعبر. فعلى جميع الاطراف مساعدة اهالي القطاع الذين يمثلون قنبلة موقوتة يمكن ان تنفجر في النهاية في وجه الجميع، حيث يتسائل اهالي القطاع وكثير من الاحرار والشرفاء في العالم، ما الجريمة التي ارتكبها هؤلاء البشر حتى يتعرضوا لكل هذا التضييق والاذلال؟ أليسو بشرا؟ ام هو الانبطاح والاستسلام لإرادة وأمر المحتل الإسرائيلي؟

إلى الأعلى