الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وحتى الجامعة…؟!

وحتى الجامعة…؟!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

لقد أسهم الانحدار الرسمي العربي، الذي انطلقت مسيرته المشينة بعد بلية كامب ديفيد، وتعزَّز بضرب مرتكزات نهوض الأمة الرئيسة الثلاث، المتمثلة في مصر والعراق وسوريا. أُخرجت الأولى من الصراع وأُفقدت دورها الريادي والقيادي الذائد عن قضايا الأمة، أو ما يعطيها تاريخيًّا سر قوتها ومكانتها وقيمتها، ودُمِّر الثاني، وأُلحقت به الثالثة، وبالتالي كان من المنطقي أن يلحق بالجامعة بهوتًا إلى مثل هذا الحد فوق سابق بهوتها التليد المزمن

من مفارقات هذا الزمن العربي الرديء، أو كارثياته، أننا كدنا أن ننسى أن لنا جامعة للدول العربية، وأن ليس هناك ما من شأنه أن يذكِّرنا بها إلا سماعنا مؤخرًا بخبرين حولها لهما دلالاتهما، وربما يعكسان مآلاتها، وقد يؤشران على ما تنتظره أمة بكاملها.
الأول، اعتذار المغرب عن استضافة قمتها الدورية لهذا العام، والثاني، إزماع أمينها العام نبيل العربي على مغادرتها بعد انتهاء ولايته المنقضية في يوليو القادم وعزمه على عدم الترشُّح لولاية ثانية لأمانتها. المغرب علل عدم استضافته لقمة هكذا جامعة بانتفاء جدوى انعقادها في ظل هكذا واقع عربي هو عنده تنتفي فيه مثل هذه الجدوى وليس فيه ما يبشِّر بها. والعربي علل استنكافه عن البقاء في هذه الجامعة لما يراه يلفُّها من “أجواء الإحباط” التي تسيطر على هذا الواقع العربي.
قد يكون للمغرب، ومن زاوية رؤيته، أو ما يتفق مع حساباته، مبرره القابل للنقاش والأخذ والرد، وقد لا يكون مأسوفًا على مغادرة العربي، الذي جاء الجامعة فلم نعد نسمع بجامعته أو كدنا، إلا حينما أُعتذر عن استضافتها، أو قيل إنه سوف يغادرها. يضاف إليه أننا لسنا بصدد الدفاع عن هذه الجامعة، أو هذا المنتدى للقطريات العربية البديلة لوحدة الأمة، والخيمة الساترة لعورات وكبائر وكوارث انتفاء هذه الوحدة المستحقة… الوحدة التي باتت ضرورة بقاء ومنجانا الوحيد من عدمه… بلغة أخرى، نادي حكَّام هذه القطريات، أو ما يعرف بالنظام العربي الرسمي، أو بقاياه، والوعاء التليد الضام لتضامناته وتناقضاته وعلله، وبالتالي لن تكون، وهي جامعته، إلا على شاكلته. بمعنى لو ذهب العربي أو بقي، أو جيء لها بعربي جديد، فلن يكون أمينها إلا مثله، ولن تكون الجامعة غير الجامعة، بمعنى المرآة العاكسة لواقع هذا النظام، والتي لن تنعكس فيها غير صورته المنحدرة… لذا ما الغرابة فيما قيل إن أبو الغيط هو المرشَّح لخلافة العربي؟!
…وإنما نحن إزاء وجوب التوقُّف أمام دلالات الخبرين اللذين يعنيان أنه حتى نبيل العربي بات لا يريد جامعته، وأنه على الرغم من شكلانيتها وعدم فاعليتها المزمنة، أو حتى وجودها المساوي لعدمه، فيبدو أن المطلوب اليوم هو تغييبها بعد أن قُدِّر لهم تغييب أمة بكاملها، أو بداية منطقية للتخلي حتى عنها، بعد أن تم التخلي الرسمي عن القضية المركزية للأمة، أو بوصلة وحدتها، ومؤشر نزوعها للانعتاق، ومسربها الوحيد باتجاه نهوضها المرتجى، واستعادة كرامتها، والحفاظ على وجودها، ونعني القضية الفلسطينية.
إن مجرَّد شبهة النزوع للتخلي عن هذه الشكلانية، أو الرمزية التي تمثلها الجامعة، على علاتها، وحتى وإن فرَّقت ولم تجمع، هو مؤشر أخطر وأفدح من عجزها وعدم فعاليتها، أو هو خطوة باتجاه البدء بنفض اليد من شتى الوشائج التي تشي بالهوية الواحدة الجامعة لأمة مقهورة مغيَّبة، أفقدوها استقلالها، وليس لها ما ينسج عراها الممزقة بعد تهتكها سوى عروبتها. عروبتها التي لا بديل لها إلا الفرقة والتشتت والتبعية، وإفساح المجال لإنتاج بيئات تنضح كارثيتها باستيلاد المصطنع من الهويات التمزيقية الزائفة التي تُستحضر وتُبعث بعد نبش أجداثها من كهوف التاريخ، إلى جانب أقلمة وتدويل قضاياها، أو ما يعني ببساطة استجلاب أعدائها إلى عقر دارها ورهن مستقبل أجيالها لمشيئتهم.
نعم، منذ أن أُنشئت الجامعة كانت بديلًا للوحدة المفترضة لكتلة الأمة، وإلى جانب تكريسها للقطريات، لم يشهد تاريخها، باستثناء بعض ما أكرهه عليه الصعود العارض في الحقبة الناصرية، ما يخرج به أبعد من نصوص ظلت تلوكها بياناتها المدبجة والمكرورة في ختام قممها وملتقياتها. لم يعرف عنها تنفيذًا لقراراتها، ولا الالتزام بالمواثيق أو القيام بالمهام التي يحملها مسماها، وجل ما صدر عنها بقي حبرًا على ورق. ميثاق الدفاع العربي المشترك، التكامل الاقتصادي، الاتحاد الجمركي، ناهيك عن مشاريع إصلاحها وتطويرها… كما لم تكتفِ بالعجز المزمن وحده، بل دلفت إلى حيث درك التواطؤ، فغدت مشاعًا ومرتعًا لإملاءات الأميركان. مرَّرت كارثة تدمير العراق واستباحته وهدم أسس الدولة فيه، وشرَّعت وغطَّت غزو ليبيا وتركها نهبًا للاحتراب الأهلي والفوضى، وتفرَّجت على تجزئة السودان، وقبله على خراب الصومال، وأكملتها بإخراج سوريا منها وهي من مؤسسيها، بل واستدرار شتى التدخلات الخارجية فيها، وبالتالي الإسهام في جريرة استباحتها واستمرارية الحرب عليها، ودون أن ننسى مواقفها الشائنة إبان الحروب الصهيونية على لبنان وغزة، وحصار الأخيرة المديد والمزدوج عربيًّا وصهيونيًّا، وسائر ما يواجهه الآن الشعب الفلسطيني المنتفض والمستفرد به.
لقد أسهم الانحدار الرسمي العربي، الذي انطلقت مسيرته المشينة بعد بلية كامب ديفيد، وتعزَّز بضرب مرتكزات نهوض الأمة الرئيسة الثلاث، المتمثلة في مصر والعراق وسوريا. أُخرجت الأولى من الصراع وأُفقدت دورها الريادي والقيادي الذائد عن قضايا الأمة، أو ما يعطيها تاريخيًّا سر قوتها ومكانتها وقيمتها، ودُمِّر الثاني، وأُلحقت به الثالثة، وبالتالي كان من المنطقي أن يلحق بالجامعة بهوتًا إلى مثل هذا الحد فوق سابق بهوتها التليد المزمن، لكنما وجب التحذير هنا من أن التخلي عن القضية المركزية للأمة، ثم عن الجامعة على علاتها، هما خطوتان تؤشران باتجاه التخلي اللاحق عن العروبة لمن استطاع إلى ذلك سبيلا…هل هذا ممكن؟؟!!
العروبة ليست أيديولوجيا، وإنما هي هوية ومصير، ومسألة وجود هو عدمه من دون وجودها، ثم أن الأمة المقهورة والمغيَّبة لم تقل كلمتها، كلمتها الفصل، بعد…

إلى الأعلى