الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أرقت وشر الداء..

أرقت وشر الداء..

علي عقلة عرسان

أَرقتُ وَشَرُّ الداءِ هَمٌ مُؤَرِّق كَأَنّي أَسيرٌ جانَبَ النَومَ موثَقُ
وَلَستُ وَإِن سُرَّ الأَعادي بِهالِكٍ وَلَيسَ يُنَجّيني مِنَ المَوتِ مُشفِقُ
رحم الله نابغة شيبان فقد أجاد وأبان، وأسأله سبحانه أن يرحمنا، فلا نزال على حال من الهم والغم لا تسر عدوًّا ولا صديقًا، فلا نحن في هذه موتى فنرتاح ونريح، ولا نحن فيها بلا مشاعر وأحاسيس لنلقي عنا ما يتلبد في سمائنا من غم، ولا نحن منجاة من ملاحقة الموت لنا همًّا ورعبًا يضيق بهما الضيق نفسه؟! وها إنا نراه الموتَ فارس الساح يستبيح ما يُباح وما لا يُباح، ويسابق الجنون إلى أنواع فريدة من فنون، منها القتل الوحشي والحرق والتعذيب وقطع الرؤوس وموت بالجملة لا تدري وصفه ولا كيف يكون حاله إذ يكون.. وما نعلمه علم اليقين أنه يقتنص أكبادنا وأحبتنا وأصدقاءنا وأهلنا.. فنتوجع ونقول من ضنك ويأس: ها قد جاء “ليريح..”، لكنه لا يجيء بعض منتظريه ولا يريح، فأمره بيد من بيده الأمر، الخالق القاهر فوق عباده، القائل في كتابه: “إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.. لقمان: ٣٤
لا يظنن ظان من الإنس والجان أننا فقدنا كل أمل فكرهنا الحياة، ولكنا كرهنا ما نحن عليه من حال فليس ما نحن فيه حياة بل عذاب فيها لا يبقيها سليمة ولا ينهيها.. وذاك هو العبث السيزيفي المتجدد.. فكلما رفعنا درجة الأمل كما يرفع سيزيف صخرته إلى أعلى الجبل تدهور الوضع وارتمينا في البؤس، كما كان يرتمي هو في البؤس حين تتدحرج صخرته من فوق الجبل ويستأنف العمل/ العبث في مهمه البؤس!؟ وليلاحظ من يعنيه أن يلاحظ أن بين حالنا وحاله تشابهًا يشمل القلب والرأس، فهو لم ييأس ولا نحن يئسنا، ولكنه كان يتوجع ويشعر بالأسى والعبث كما يتوجع ونشعر بالعبث والأسى.. فمتى تنتهي حالتنا العبثية هذه، بل الجنونية ولا أبالي؟!.. ومتى يا ترى نرتاح من صبيب الدم وألوان وحشية الجُرم والإثم، ومتى نثوب إلى رشدنا فنرى ما صنعت أيدينا في الناس والوطن والعِمران، ومتى نتبصر بما ألحقناه بأنفسنا من عار ودمار كان يطلبهما عدونا فينا فلا يستطيع، وكأن أن نفذنا له ما يحلم به بأداء فريد وعزيمٍ من حديد؟! ألا متى نرى أنفسنا وأوضاعنا وأوجاعنا على حقيقتها فنكف عن الفتك والهتك ونفكر بتغيير الأحوال ونبصر ما تحت الجمر من نار إن لم نتدارك شررها فستأتي على ما تبقى منا جميعًا.. والنذر في أرضنا وفي العراق ولبنان على الأقل من حولنا، أوضح من أن تُشرح، وأفصح من أن تُعرب.. وما يبذر في الأرض اليوم من بذْر الشوم سيتفتح عن وجوه للفتنة يعجز عن لملمتها الوعي والطيب من الإرادات والحسن من النيات، ذلك لأن انفجار العقل بالشر أشد فتكًا بالعباد والبلاد من شرر كالقصر، وحين تدب جنادب الفتنة المذهبية في الأنفس والدروب، يقتل الجارُ جاره والحِبُّ حِبَّه، وتتحجر القلوب، وتنطوي على ما فيها من حقد يفرخ إرهابًا ورعبًا.. ويمكن للمتبصر أن يقرأه أو يراه اليوم في سياسات قصيرة النظر يعبر عنها ساسة أبالسة، بعباراتٍ مثيرة للمشاعر والذواكر وخطيرة، تفضح نفوسًا أفعوانية تنطوي على الجهل بالحكم وأصوله وأسسه ومسؤولياته، وتنم عن الكراهية في تعابير دواهية، وتؤسس لصراعات مذهبية مقيتة بدأت نارها تعس هنا وهناك، وهي إن علا دخانها وثار أوارها لن تبقي ولن تذر، لا ممن “ينتصر منا ولا ممن ينكسر”؟! ونحن نلمس مثل ذلك “الإنجاز المعجز؟؟!” في الفعل السياسي وخطابه العملياتي الذي يعبر عن نفسه في “الاقتتال والملاحقة والتعذيب والاتهام والمحو والاجتثاث، وفي إنكار حق الناس المواطنين في معالجة شؤونهم وشؤون غيرهم من شركائهم في الوطن والقرار والمصير، مع من يتولى التدبير فيتصدى لكل من لا يروق له رأيه وموقفه وقوله وكأنه القدر المقدور والمصير؟! ونلمسه أيضًا في خطاب دعاةٍ ليسوا فقهاء ولا أمناء على الفقه إن هم فقهوا ولا رعاة للحق والدين ولا وعاة.. يتاجرون بالدين والقيم والبشر وبالجنة والنار وبالشهداء الأبرار، وأخطر ما نلمسه من ذلك في إعلام ذي آفات وأفانين افتراء، يتوالد من أدائه الداء، ويتكاثف بسببه في سماء العقول وطيات القلوب ظلم وقسوة وظلمات.
أريد أن نرى لا بعيني زرقاء اليمامة التي كانت تكشف بالنظر ما في مسافة ثلاثة أيام على الرواحل، وقد نبهت قومها لخطر كبير وما صدّقوها فكان من أمرهم مع من غزاهم ما كان.. بل أن نرى بالبصائر وفي ضوء ما يراكمه البصر من مشاهد البؤس البشري والحشد العسكري لمزيد من الموت والبؤس، وأن نتبصر بما يُعَدُّ لنا وما نعده نحن لأنفسنا من صنوف الهلاك والمهلكات، وما يُدبَّر لنا على مدى زمني قادم مما ينذر بكوارث تضاعف الكوارث الراهنة أضعافًا مضاعفة.. وأزيد هنا على ما يعرفه العالم ويتابعه في سوريا من صراع دامٍ مستمر، ذي نتائج كارثية على سوريا والسوريين وعلى من يحيط بهم من أبناء أمة متواشجة الأحساب والأنساب، أزيد عليه ما يعد للعراق وقد تطاير شرره في الجو ولم يعد خافيًا على أحد، وما ينتظر لبنان من حوادث تصبح التفجيرات السابقة والأخيرة معها لعب أطفال.
وبين يدي هذا أحب أن أذكر ببعض الإشارات التي صدرت من مواقع سياسية وأخرى قتالية سمها إن شئت جهادية أو سلفية أو إرهابية.. إلخ فبعد التفجير الآثم الذي أودى بحياة الوزير محمد شطح في بيروت، أعلن سياسي مسؤول في حزبه أو سربه: “أعلن عن إطلاق المقاومة المدنية السلمية الديموقراطية (لتحرير الوطن من احتلال السلاح غير الشرعي)، وأكد أن ما كان قبل اغتيال (الشهيد البطل محمد شطح لن يكون بعده). وإذا قرأنا هذا مع اتهام حزب الله باغتيال شطح، ومع تقديم مبلغ ثلاثة مليارات دولار يشتري بها الجيش اللبناني أسلحة متطورة من فرنسا لكي “يبسط سلطته” على الأرض اللبنانية كلها، وهذا من حقه ومن واجبه، وقرنَّا ذلك بالحديث المستمر عن تجريد حزب الله من سلاحه، واتهام قادة في إيران بأنهم يخططون لتجعل لبنان “محمية إيرانية”، وتابعنا أنباء تبني الدعم الأميركي من خلال بعض دول الخليج العربي للجبهة الإسلامية”، والتفجير الأخير في الضاحية الذي تواكب مع الخبر الذي نشرته وكالة يونايتد برس انترناشونال ونسبت فيه لقيادي في التيار السلفي الجهادي في الأردن أنه قال مساء الخميس 2/1/2014 (إن زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني المكنى بـ”الفاتح” وأمير دولة العراق والشام الإسلامية أبو بكر البغدادي الملقب بـ”الكرار” اتخذا اليوم قرارًا شاملًا بالدخول عسكريًّا إلى لبنان رسميًّا وعلنًا حتى خروج حزب الله من جميع الأراضي السورية وتحرير الأسرى الموجودين لديه).. إذا ربطنا ذلك بعضه ببعض وأعدنا القراء في ضوء الوضع الراهن في سوريا ولبنان معًا وغير بعيد عما يجري في العراق، وفي ضوء الاحتقان والتوتر القائمين، وتوعد مسلحين كانوا في القصير وأخرجوا منها بالعمل ضد حزب الله في لبنان مع حلفاء لهم هناك.. أدركنا بعض ما يرتب للمنطقة من جديد أو ما يرتَّب لها، وأنه سيكون فظيعًا لدرجة تضاعف الرعب وتنشره أوسع فأوسع في المنطقة، وما ينتظرنا من تشرد وموت وجوع وذل، وأدركنا أيضًا أن دولًا عربية وإسلامية أخرى لن تكون بمنأى عن نار الفتنة وكوارثها، لأن تلك الأحداث يتم ترتيبها والعمل عليها على أرضية فتنة مذهبية يُراد لها أن تكتسح ما تبقى من مواقع وعقول وضمائر لتحرق الجميع بعبثية وحمق لا مثيل لهما. وتريح أعداء الأمتين العربية والإسلامية، لا سيما الصهاينة والأميركيين، إلى سنوات وسنوات قادمات. ويمكننا أن نرى في ضوء ذلك ما يتجمع في سماء بلاد الشام والعراق على الأقل من سخط سيمطر دمًا تسقى أرض الرسالات التي تعاني من فيضان الدم منذ سنوات.
نحن لا ينقصنا مثل هذا النوع من الامتحانات والمحن، بل قل من الجنون المتتالي محنًا وفنون فتن، نحن نحتاج إلى وعي يحكمنا، وحكمة تجدِّي خطونا، وعقلاء نأمنهم على أمورنا ومصيرنا، وإلى ساسة ذوي رؤية ومسؤولية وإيمان وخلُق وقيم ومعرفة موضوعية على أرضية نقدية بتاريخ الأمة العربية والإسلام وبماضي المنطقة التي نحن ورثتها الحضاريين.. نحن بحاجة لسياسيين يعيشون واقع شعوبنا ويعملون على تخفيف معاناتها، ووضع حد لبؤسها وإذلالها وتبعيتها وتجويعها وإذلالها واستعبادها، ونحتاج إلى أن نعرف ويعرفوا من ديننا ما هو جوهره ولبابه ورسالته الخالدة للبشرية كافة، وبما كان من فعل السياسة وحوادث التاريخ التي عاشها أجدادنا وخالطها الظلم وخالطتها جاهلية وعصبية ضارة ودنيوية رخيصة، ونفجَ فيها الغلو والمرض، وعُلق ذلك وما هو أكثر منه بالدين وألحق بمذاهب أو أصبح أحزابًا ومذاهب، وهو في أحسن التفسيرات والأحوال والنوايا والأوضاع “رأي واجتهاد” ينبغي أن نترك حكمهما لله الحاكم، وللتاريخ وذوي البحث الجاد من ذوي العقل الراجح والإيمان الصادق، وألا يحكم ذلك الماضي حياتنا اليوم ونحن نغوص أو نغرق في المحنة والفتنة، يتكالب علينا أعداء العروبة وأعداء الإسلام، وأصحاب المصالح والتجار من كل لون، تجار السياسة وتجار الأزمات وتجار القيم..؟! نحن بحاجة اليوم للمقاومة لنحرر الأرض من الصهاينة وندفع بعض شرورهم هما، ونحتاج إليها وإلى سلاحها وقدراتها لندفع بعض القتل والذل عنا ونحمي بعض الأرض وبعض المقدسات، لا لكي يستقوي بها بعضنا على بعض أو يستقوي عليها بعضنا بالأجنبي وبالبعض منا.. فنضعف جميعًا ويقوى علينا عدونا.. ولسنا بحاجة إلى أن يفني بعضنا بعضًا من أجل بقاء حاكم أو تغيير حكم، أو حكم طائفة وحماية أقلية، لأننا نعيش بأمن في ظل المواطَنة فهمًا وتطبيقًا، وتغيير الحكم والحاكم حق من حقوق الشعب عبر وسائل مشروعة ومتفق عليها.. إن ذلك كله من حقنا على أن يتم بالأسلوب المنطقي الإنساني الشرعي التشريعي الدستوري القانوني الإنساني الحضاري.. وهو من أجلنا أولًا وأخيرًا ولسنا حطبًا لناره ولا في خدمة من يجور علينا وعليه بقراره.. بل ينبغي على الحاكم والحكم أن يجنبانا النار المحرقة، ويدفئا منا القلوب والأجساد بالحب، ونلقى منهما الرعاية والأمانة والإخلاص في العمل من أجل الشعب والوطن والخلق والدين.. نحن اليوم في معمعان الفوضى والقتل والتيه الذي يغيب العقول، ولن ينفعنا ذلك بل سيزيد من بلاوينا ومآسينا ومن رصيد الحقد ومرارة الكراهية، وسيفتح حسابات جديدة لا تنتهي لعقود وربما لقرون من الزمن.. فاتقوا الله فينا يا أولي الرأي والقرار والإرادة والجلالة والسيادة والشجاعة والشطارة والتجارة والإمارة والتجارة.. لأننا نموت كل يوم قبل الموت الذي لا يتكرر فينا فعله كل يوم إن جاءنا بغتة.. واتقوا الله في أنفسكم، وانظروا إلى ما تؤسسون له اليوم.. فإنه المقت والقهر والخوف والإرهاب والرعب وليس الحرية بسطوع نورها ولا التحرر ولا التحرير بنتائجهما الإيجابية على الشعب، ولا الديمقراطية التي يلهج بها كثيرون ولا يدري شأنها ولا يتمثلها قليلون.. واذكروا أن ليس ما تفعلون من الدين في شيء أو مما يخدم الدين بشيء، لأن الدين من أجل الحسنى في الحياتين في الدارين، ومن أجل الحياة في كل حال ووضع ووقت ومكان.

إلى الأعلى