الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حالةٌ خطأ

حالةٌ خطأ

حالة خطأ، والصواب مهزومٌ في قلبٍ جبان، كيف لي أن أُغمضَ على شهقةِ وردةٍ تتفتح على مقبرةٍ والصرخةُ ما زالت تتمدد صرختها في الروح البائسة! حالةٌ خطأ والرأس بين يدين مثقلتين بالأسئلة.
لماذا لم أفعلها وأعود طريق البيت وارمي وردة الصبح التي اعتادت أن تلّمها بعينها كلّ نهار، النهار يعني روح اليوم ورواح العاشق إلى المساء، المساء بين يديه ضمّة حبّ يجمعها في سلال الضّحى، يلّمها كلّما تنهدت له خلسة عن أمها، ورمت شارة من عينيها، والغمزة يراها في قلبه إن كانت الشمس تحجب نظراته من خلف ليمونة البئر، ومن بين شقوق سنسلة تزّنر ساحة الدار.
حالةٌ خطأ، وليس من السهل أيضًا أن يكون الصواب في جيبي، الجيب المثقوبة سهوًا من عادةِ المَشي على الإسفلتِ الجديد، كانت البلدية قد رصفته قبل الشتاء، وفرح الأطفال والناس بهذا المعجون الأسود الذي أراح تشقق أقدامهم، ولكنه كان صعبًا على حمير جارنا التي كانت تشيل على ظهرها حصاد وَعْرته البعيدة. حوافر الحمير تغرس عادة بالتراب وتتزحلق على غير ذلك، تشممته وجَفَلَتْ منه إلى أن اِعْتادَت عليه، بعد أن تدحرجت عربات ” الرّونبيل” على الأسفلت وصار معرِفةً للمشي.
أعلم تمامًا أنه ليس من السهل عليك أن تسمعيني أتحدث عن هذا، وظنك بي أني من يسقي الأمل في حديقتك التي تشبه الحدائق، أو هو الشوق لباحةِ بيتكم الوسيعة التي تؤلف وردًا للصباح، وتزرع قرنفلاً وتسمى مجازًا حَديقة؟!
حدائقنا في القرية غير اسم كانت، أقل من الحاكورة وأكبر من حوض النعناع، النعناع عطر الحارات في الصيف كما النرجس البريّ الذي تُحبينه شتاءً، عندما كان يُعفّر عِطره باب بيتكم، وكانت الياسمينة أكثر جدلاً، بين عطر الأشياء التي نجهلها، لعلّه الأمل الذي كان يتعربش ويسابق الياسمينة التي زرعتها أمي في منتصف النهار، وصارت تتكاثر في كل بيتٍ جوار بيتكم، وأصبحت حديث نسوة السهل اللاتي يملأن فراغهن من العمل بالعمل.
حالة خطأ، تكرر ذاتها في نفوسنا، وإن اختلفت الأخطاء فيما بيننا، الحوض الكبير مثلاً واسمه المجازيّ حديقة، ونساء الحارة في التباس مَهَمّاتهن بين الحقل والمطبخ، وغرف النوم، أو ما يشاع أنها غرف نوم فيها البيت غرفة، أو غرفة تدعى منزلا، وأنا في ادعائي بالفرح، الفرح الذي نسيته يوم خروجي من بيتكم، يوم انهارت كل أحلامنا، أحلامنا التي رسمناها على صفحات كراريس الرسم، وكان معلّمي ومعلمتك يندهشان من التركيز على رسم بيت بلا أعمدة، بيت سقفه السماء، وحديقته التلال، التلال التي نعرف اسمها ونعرفها أكثر من أصحابها، وعرّ منتشر في قلوبنا لكنّه أجمل من مروج زرعتها الصدفة الخائرة التي مزّقت كل ورق الكراريس، الظلم يا لوسيان، هو الإستكبار الملعون الذي مارسته عقلّية لا تعرف معنى الحبّ، ومزّقت روحَه بقبضات أيديهم، أيديهم التي ترتفع لنداء الله، وتهبط على قلبينا سكّينا لم يتوقف نزيفهما بعد.
في وقت قديم كان ناظم حكمت يطفئ خوفي من المستقبل ويشعل جمرة الحبّ في بردِ الوحدة، وكنت أجالسه كلما يئِستُ من لقائِك ويطمئنني أننا سنلتقي، لعل أحلام الشاعر المناضل تختلف عنّا، فهو لم يكتب ترفًا فصفع اليأس بنظرات “مَنْور” حبيبته فكانت كلّها؛ كلّها “المرأة، السجن، الحياة”.
حاولت أن أكمم النصّ الذي يطاردني في عتمة الشتاء، وحاولت أن ألجم جموحه القويّ حاولت ولم أفلح أبدًا، فكُنتِ أقوى من كلّ احتمال فعدت أحاول.
حاولت أن أكون كما أراد النصّ لي، ولكن لم يكن أبي باشا، ولا حزب ينقذني من زردِ سلاسل الطُّغاةِ أو يقايض حريتي بثمن يُرضي جيب سماسرة الكلام.
ذات مرة كان اللّيل جافلاً من الشتاء، رأيت السماء تقدح ومضتها لتضيء الليل وكلما حاولت كان المطر يطفِئُها، الشتاء لا يدقّ المنازل المُعتمة ولا يرى سبلات عيون أطفالٍ صغارٍ تَكّوروا في غطاءِ الصوف، وناموا على أملِ أن توحل طريق المدرسة.
في تلك الليلة رأيتك تجدلين شعرَك، وتعقدينه، كان الضوء الهابط من سقف الغرفة ينعكس على لون شعرك كأنها تضيء من بعيد ولونها البرتقالي الداكن، ينثر عطر برتقال شتاء بائع الخضار الذي طالما كان يجيء في الليل ويملأ دكانه بعطرهِ النافذ، البرتقال في الشتاء له طعم الأرض.
ذات الليلة، وبعد أن إنصرف نظري، وبقي قلبي على نافذة بيتنا، سألت أُمي في يقظة حُلمي عن الحبّ عن جدائل الليمون التي تعصر حامضها في قلب أولئك الذين لا يدركون معناه، عن الخطأ المرّ الذي يقبضونه زجاجا مكسورا ويحزونه في عيوننا كي لا تبصر طريق المدرسة التي رصفتها خطواتي حبّا وعطر سماء الرسائل التي كُتبت. لم تجب أمي وإنما رأيت في عينيها وجهك يلّح عليّ بسؤال من أخطأ الطريق، من هرّب الحبّ من رسائلنا، وصار طيرًا معقود الجناح لا يقوى على التحليق، وبات حبيسا في عيون الحسرّة التي ارتكبتها حالة الخطأ علّقنا عليها مصائرنا إذ بقيت وهم رحلوا ولا ندري هل يلّح عليهم ذات السؤال الذي حلمت به في وجه أُمي؟!
بعدها، لم أرَ وجهك ولا عادت لي أمي، والنافذة أُثقلت بستائر حجبت عن عينيّ أن أبصر تلك النافذة التي كانت جمرة حبّ أراك من خلفها، ولكن ما زلت أراك في دفق كل نبضة إذ ما زال القلب يحمل خفقة اللقاء الأول، والنظرة الأولى، وارتباك الكلام، كلّها ما زالت تطاردني وتسأل ذات السؤال من أخطأ الطريق؟.

عبدالسلام عطاري
كاتب وشاعر فلسطيني

إلى الأعلى