السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي المغربي طارق بكاري لـ “أشرعة” : الأدب غير معنيّ بشكل كبير بالأمل وإنما بقول الحقيقة

الروائي المغربي طارق بكاري لـ “أشرعة” : الأدب غير معنيّ بشكل كبير بالأمل وإنما بقول الحقيقة

صاحب رواية “نوميديا” المختارة ضمن القائمة القصيرة لـ “البوكر 2016″

* وصولي اعترافٌ بالرواية الحقيقية التي ترضي طبقات التلقي بدءًا من القارئ العادي وانتهاءً بالناقد
* الصراع الهوياتي في المغرب يستدعي أكثر من عملٍ أدبي
* المرأة هي الوجه الحقيقي لكلّ مجتمع .. فكيف نقدّمُ نساءً سليمات في واقع مريض بعقد لا حصر لها!
دمشق ـ من وحيد تاجا
يقول الروائي المغربي طارق بكاري عن تناوله لإشكالية الهوية في رواية نوميديا :” المغرب تتنازعهُ أكثر من مرجعية هوياتية وثقافية، وأنا حاولتً أن أضعَ تحتَ المجهر الجانب العرقي ( العربي/الأمازيغي ). ويضيف في حواره مع ” اشرعة” : ” هناك أشياء أخرى عميقة، وأعمق من الهوية وهي الإنسانية، يفرقنا العرق، الثقافة، اللغة، وأشياء أخرى كثيرة لكن توحّدنا إنسانيتنا”. وعن سبب إحاطة بطل الرواية بعدد كبير من النساء اللواتي يحملن الكثير من العقد النفسية يوضح ان: ” المرأة هي الوجه الحقيقي لكلّ مجتمع، فكيف نقدّمُ نساءً سليمات في واقع مريض بعقد لا حصر لها”. واعتبر الروائي بكاري وصول الرواية، وهي النص الأول للكاتب، إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر اعترافا بالرواية الحقيقية، التي ترضي طبقات التلقي بدءًا من القارئ العادي وانتهاءً بالناقد.
والروائي طارق بكاري من مواليد 1988وهو حاصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب (ظهر المهراز) بمدينة فاس، كما أنه خريج المدرسة العليا للأساتذة بمدينة مكناس، وله عدة مقالات وأعمال إبداعية منشورة ورقيًا وإلكترونيا. أول رواية له بعنوان “نوميديا” اختيرت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية.

* كيف كانت البدايات .. ومن هم الكتاب الذين شكلوا مرجعيتك..؟
** البدايات كانت صعبة وعذبة في آن، ليسَ في الكتابة فقط بل في الحياة كلّها، لا أصعبَ من البداية ولا أعذبَ منها حينَ تستعيدُها وقد جرى بينكَ وبينَها الزمن. البدايات كانت مبكّرة، كانَ الأمر أشبهَ بحدس نبتَ في القلبِ منذُ وقتٍ مبكر، أنّ الكتابة أكثر ما أجيده، فانكفأتُ على القراءة، البداية كانت بداية قراءات، وكتابات شعرية ونثرية كانَ مصيرُها جميعاً التلف، لا تنضج الكتابة سريعاً ولابدَّ أن تدفعَ لها مئاتَ الأوراق والمحاولات قرابينَ تلتمسُ من خلالها أن تسلمكَ عقالها… البدايات كانت كثيراً من القراءة و قليلا من الكتابة، كانَ لا بدّ من أن أفنيَ كل الوقت في قراءات مختلفة لا تقتصر على ما هو أدبي، بل تتعداه لفروع معرفية أخرى على رأسها الفلسفة و التاريخ وعلم النفس. أما بالنسبة للكتاب الذين شكّلوا مرجعيّتي فلا أعتقد أنّ هناكَ كتّاباً مخصوصين، قرأتُ لجميع الكتاب المحترمين والمتألقين عرباً كانوا أم أجانب، و اغترفتُ من كتبهم الكثير وتعلّمتُ منهم أيضاً، أعتقد أنّ أهمّ ما يشكل جوهر الروائي إضافة للموهبة هو القراءة.
* تعرضت في ” نوميديا” الى إشكالية الهوية في المغرب، وضياع بطل الرواية مراد بين ثلاث هويات (العربية والامازيغية والفرنكوفونية)..وسؤالي كيف يفهم طارق بكاري هذه الإشكالية ..؟
** نحن نعيشُ هذه الإشكالية، المغرب تتنازعهُ أكثر من مرجعية هوياتية و ثقافية، وأنا حاولتً أن أضعَ تحتَ المجهر الجانب العرقي ( العربي/الأمازيغي ). الصراع الهوياتي في المغرب ـ وأعتقد أنّ الأمر قد يسحب على مجموع دول شمال إفريقيا – يدعو للقلق، لا سيما بعد تنامي موجة العداء والنعرات الشوفينية، موقفي الشخصي من القضية حاولتُ أن أمرّرهُ من خلال البطل مراد الوعل الذي ينشغلُ بمديح الفضاء الأمازيغي لكنهُ لا ينتصرُ للأمازيغية، وقد تعمّدتُ أن أحفَّ البطل بعشيقات من مشارب مختلفة، على رأسهنّ خولة (العربية) وجوليا (الفرنسية) ونوميديا (الأمازيغية) لكن ذلك لم يجتذب البطل، ولم يدفعه للميل لهذه أو تلك من الهويات رغمَ أنه ” لا منتمٍ “، لا يكتفي بالحياد، بل يسفّه هذا الصراع ويدفعُ لنا بالأسباب التي تؤكد بهتان منطلقاته ويتبنى نهجاً قوامه الحرية واحترام حقوق الإنسان وإنسانية الإنسان خارج أيّ حسابات أخرى. إن الصراع الهوياتي في المغرب وباقي دول شمال إفريقيا يستدعي أكثر من عملٍ أدبي، ولا بدّ على الأدب أن يقتحمَ هذا الحقل الملغوم أكثر.

* .. ولكن لاحظنا، رغم انك تعمدت ان يكون البطل ” لقيطا”، عودته الى قريته الامازيغية .. وحلمه الدائم، ولاسيما بعد تعبه وإرهاقه، بـ نوميديا الملكة الامازيغية، ” الخرساء “. ألا يشكل هذا انزياحا ما في مفهومك للهوية..؟
** أن يولد الإنسان لقيطاً هو على أيةِ حال أمرٌ بالغ الإيلام، لأنّهُ يستهلُ حياتهُ بهزيمة، هو بدون هويّة حقيقية، وما أردتُ أن أقوله من خلالِ هذا الأمر، أنّ هناك أشياء أخرى عميقة، وأعمق من الهوية وهي الإنسانية، يفرقنا العرق، الثقافة، اللغة، وأشياء أخرى كثيرة لكن توحّدنا إنسانيتنا، أما بالنسبة للقرية الأمازيغية فما تعنيه للبطل يتجاوز الهوية بل ولا يقف عندها في كثير من الأحيان، البطل منشغل عن كل ذلك بجماليات المكان، وبمديح “أول منزلٍ”، الإنسان أي إنسان لا بدّ وأن يكونَ له مكان أثيرٌ على القلب، ربّما هو نفسه مكان البدايات، ومراد بطل الرواية إذ يتغزّل بالمكان الأمازيغي فهو لا ينتصر للهوية الأمازيغية، أما عن نوميديا الخرساء، الملكة الأمازيغية التي تتخفّى وراءها مملكة “نوميديا” التاريخية فلا يفوتني أن أذكّر بالسياقات السردية التي استدرجتنا إليها؛ هي حضرت عموماً بعدَ أن بلغَ بالبطل الاعتلال النفسي مبلغاً كبيرا، وبعد أن أصيبت دواخله بهشاشة مفرطة، تظهرُ بينَ الواقع والخيال بحيث لا يدري البطل إن كانت من لحم ودم أم مجرد هلوسة من هلوسات البطل، تحضرُ في الأخير باعتبارها الجمال الكامل والمنشود، حتى خرسها الذي قد يبدو مظهرا من مظاهر النقص إن هو إلا إحدى صفات الكمال بالنسبة لبطل أحوج ما يكون لمن يسيخ السمع لوجعه العتيد بدل أن يرهق سمعهُ بثرثرة دونَ جدوى، “نوميديا” ليستْ أكثر من الوجه الآخر للقرية التي طالما أحبّها أو لكأنّ القرية اختزلت في امرأة واحدة فكانت “نوميديا” وهنا الانتصار الدائم للمكان وليسَ للهوية.

* بصراحة كان المكان هو البطل الأساسي في الرواية.. ؟
** يمكنُ أن أقول أنهُ تقاسمَ هو ومراد البطولة، هذه القرية المجنونة حيثُ وُجدَ البطلُ ورّطتهُ في حبّها، سكنتهُ، لكنّ سكّانها نبذوه وأساؤوا إليه قبل أن يدفعوه بعيداً عنها، هربتْ به المدينة وهربَ بهِ عمرٌ من الخيبات والحزن دونَ أن تسقطَ تلك القريةُ من الذاكرة أو يتزحزح مكانها في القلب، تلك القرية استدرجتهُ للعودة في صيفه الأخير، لم تستعده إلا لتمعنَ في خرابهِ، هو الذي جاءها مضرجاً بعمرٍ من الخيبة والحزن ينشدُ سلوى من نوعٍ ما سيكتشفُ في الأخير أنها تشتهيهِ ميتاً، لكنها قبل أن تزجّبه في مهاويها ستتركُ له متّسعاً من الوقتِ لينزفَ وجعهُ كاملاً وينثرَ ذاكرتهُ على صفحات الرواية قبل أن تتكالبَ عليهِ القرية والخيانات ويكملَ مغامرة الانتحار التي فشل فيها صبياً وعادَ ليتبرّأ بها كبيراً من حياةٍ لا دورَ له فيها خارجَ مفهوم “الضحيّة”.
لكن إغرم، هذه القرية التي أدمنها البطل، بقدر ما استنطقت وجعهُ اسنتطقَ جمالها وتاريخها، وذاكرة أهلها وحكاياتهم العجائبية، وهنا تميطُ رواية نوميديا اللثام عن بعض الأشياء النادرة والعميقة في الثقافة الأمازيغية والموروث الشعبي الأمازيغي.

* استوقفني أن جميع الأشخاص التي حامت حول مراد هم من النساء اللواتي يحملن من العقد الكثير: ليلى ..حياة ..نضال .. خولة .. جوليا .. وحتى نوميديا (الخرساء)..لماذا قدمتهن بهذا الشكل ..؟
** أولا لأن المرأة هي الوجه الحقيقي لكلّ مجتمع، كيف نقدّمُ نساءً سليمات في واقع مريض بعقد لا حصر لها؟ إن هنّ إلا انعكاسٌ لواقعهن، ثمَّ إن لكل واحدة منهنَّ مقومات نفسية وأبعادا معينة في شخصية البطل. خولة العربية، تخلّى عنها دون أن يدري أنها حبلى منهُ، تركها نهباً لأيامٍ سوداء وخلّفَ سيرتها نهباً للألسنة تلوكها قبل أن تدفعها إلى الانتحار، نضال المناضلة اليسارية التي طلّقت اليسار وتزوجت أحد رموز الرأسمالية المقربين من النظام، أما جوليا هذه الفرنسية (القاتلة) التي قدمت للشرق محاولة أن تجلوَ أسرارهُ من خلالِ رجلٍ شرقي معتل نفسياً هو البطل مراد فإذا بها تقتادهُ إلى الجنون ثم الموت بعد ذلك دونَ أن تنجحَ في فضِّ شيفرة حياته، أما نوميديا، هذه الحسناء الأمازيغية فقد جاءت في وقتٍ بلغتْ فيه الهشاشة بالبطل مبلغاً لا يحتمل، جاءت لتتوجَ كل العذابات والآلام التي عاشها البطل بضربة عشقيّة حاسمة، وتساهم بنصيب في الاندحار المأساوي للبطل… نوميديا لا ينقصُ كمال حسنها سوى صوتُها الغائب، أن تكونَ خرساء فللأمر أكثر من رسالة يجدر أن تفهم على رأسها ما يتعلّقُ بالثقافة الأمازيغية، بجماليات الثقافة الأمازيغية، التي غالباً ما تكون صامتة أو تدفعُ إلى الصمت.

* في ذات الاتجاه السوداوي نرى الحب يقتل في كل لحظة في الرواية ولا يكاد يكتمل في أي علاقة .. لماذا كل هذه السوداوية .. وهل انت سوداوي في الحياة الى الحد الذي تشي به الرواية ..؟
** للسواد غواياته وجمالياتهُ كذلك، الواقع الذي نعيش فيه لا يقل سواداً على أيّةِ حالٍ، لستُ من هواة وضع المساحيق على هذا الواقع المسخ ولا معنيّا ببثِّ الأمل بينَ الناس، وأعتقد أنّ الأدب عموما غير معنيّ بشكل كبير بالأمل، أكثر مما هو معنيّ بقول الحقيقة، حقيقة الواقع ووجع الإنسان حينَ تنحرهُ أكثر من تراجيديا.
لماذا هذه المأساوية؟ لأنّ الإنسان من حين لآخر يجبُ أن يتأمل مأساةَ غيره ليتخفّفَ من أحزانه، ويرى أنّ هناكَ من يفوقهُ حزنا وألما، وفي الأمر تطهير لدواخله، وأعتقد أنّ الرواية الحزينة والمحبوكة على نحو متقن تغيّر الإنسان نحو الأفضل أكثر من الرواية التي تدعو للأمل على نحو مباشر وفج… أمّا عن علاقة الرواية بي، فلا أعتقد أنها انعكاس لي، و لا أظن أن جميع ما ورد فيها يمكن أن يسحبَ عليّ، نوميديا تقدمُ نظرةً مأساوية للحياة، لكن أضمنُ لكَ أنني توخيتُ الحذرَ الشديد وحاولتُ أن أمكن شخصياتي من الحرية والاستقلالية، طبعاً لستُ سعيداً، لستُ سعيداً بما يكفي، لكنّ حياتي إلى جانب ذلك ليسَ مأساوية كما الرواية، بل ولعلّ أحد أبهى متعها الكتابة، الكتابة السوداوية على وجه الدقة.

* كان ملفتا اللجوء للجنس للتعبير عن الخلاص والانعتاق من التأزم والمعاناة النفسية للبطل.. فكان انتصارا رمزيا في حالة جوليا الفرنسية..وانهزاما ذليلا أمام نوميديا الامازيغية ..ولا ادري ان كنت توافقني الرأي بان استخدام الجنس بطريقة او بأخرى أصبح اقرب ” للظاهرة” في معظم الروايات العربية الجديدة..؟
** إذا كانَ استخدام الجنس في الروايات أقربَ إلى الظاهرة فأغلبُ الظن أن المشكل هنا ليسَ في عموم الروائيين، بل الأزمة أزمة مجتمع بالدرجة الأولى، علينا أولا أن نعترف بأنّ المجتمع يعيشُ متخبّطاً في عقد لا حصرَ لها، وأن الجسد العربي لم يتحرّر، لكن إلى جانب ذلك أنا ضدّ مجانية استخدام الجانب الإيروتيكي في الأدب، أو استعمال الجنس من أجل الإثارة، والمتأمل لرواية “نوميديا” يجدُ أن الجنس جاءَ في إطار سياقات سردية محبوكة، جسد البطل كانَ مسرحاً لتناقضات جمّة، على رأسها الصراع بين الحياة والموت، بينَ نزف حادٍ وتصدعٍ جسدي يستوديان البطل صوبَ موته وبينَ فحولةٍ تستبقيهِ في الحياة، ومن هنا أعتقد أنّ الجانب الجنسي في الرواية كانَ يخدمُ هدفاً وليسَ مجرّدَ حشوٍ زائد.

* اثرت، مجددا، من خلال جوليا الفرنسية مسألة العلاقة مع الأخر( الغرب) سواء على الصعيد الثقافي أو السياسي، من خلال كتابة جوليا لرواية عن الشرق او من خلال التلميح الى دور الغرب في خلق ظاهرة العنف والتطرف، ..كيف تنظر إلى العلاقة مع الغرب اليوم ..؟
** أمّا عن علاقة الغرب بالعرب، فأعتقد أنّ الامبريالية الغربية لم تغادر بعد أوطاننا، ما حدثَ أنه تمَّ استبدال الامبريالية العسكرية بأخرى ثقافية، على أنّ المثقف يتحمّل جزءًا من المسؤولية التاريخية.
الرواية تتناول جانباً من الرؤية الاستشراقية، البطلة الفرنسية جوليا، تقرّرُ أن تكتبَ رواية عن الشرق، رواية تسائلُ بها هذا الشرق الذي قرأتهُ نصوصاً لا غير، تزور المغرب بهدف البحث عن رجل يصلح أن يكونَ مادّةً أدبيّةً تمتحنُ بهِ مدى آدميّة هذا الشرق، لترتطمَ بالبطل مراد، هذا الرجل الجريح، المعدُّ للموتِ سلفاً، تشتري ملفه النفسي و تحاول أن تحرّضَ عليهِ مخاوفهُ، وبحكم أنّ كتابات البطل كانت تهاجم الإسلام السياسي فقد كانَ البطلُ دائمَ الخوف من أن يكونَ مستهدفاً إرهابياً، هذا الخوفُ الذي أنعشتهُ جوليا حينَ كانت تدفعُ له بأدلة تجعلهُ يعتقدُ أنّ نهايتهُ قد آنت، وهنا إشارةٌ ضمنيّةٌ إلى أنّ جزءا من مخاوفنا المتنامية من الإرهاب ربّما تستحثُّه الدعاية الغربية، وأنّ الإرهاب يحتملُ أن يكونَ خديعةً حضاريّة كبرى بطلها الغرب.

* ضمن هذه الرؤية كيف نفسر تقبل مراد لجرعات “السم” رغم معرفته بها واستسلامه للموت على يد جوليا .. الا يمثل هذا موقف إذعانا واستسلاما أمام الغرب (الاستعمار الثقافي والسياسي) ..؟
** لا ينبغي أن يفوتنا في هذا السياق أنّ التداعي النفسي والجسدي الذي انتهى إليه بطلنا، جعله لا يرجو من الدنيا سوى أمرٍ وحيد، اختزلهُ هو نفسه في كلمة واحدة: الخلاص، لم تكن تعنيهِ الحياة في شيء، لم تكن يكن يعني له الاستمرار سوى إمعان في الألم وخراب الذات، حينَ شرعت جوليا في حقنهِ بما يحرضُ عليه الجنون لم يثر، بل استلذّ الأمر واعتبرهُ طريقاً للخلاص، بكرم الكبار غضّ عن الوجع الطرفَ، وبثقةِ عدميّ تركَ لها أن تنهشَ لحمهُ، مادامَ على يقين من أنّ ذلك يقربه نحو نهايته.. إن استسلام مراد وإذعانه لجوليا يخفي في طيّاته فكرةً أعمق، تتعلّق بإذعان الشرق عموماً للتحديدات والمرويات الكبرى التي يشيدُها الغربُ.
ثمّ إنّ إذعان مراد الوعل لجوليا ولخبلها الروائي كانَ الغرض منهُ أن يعاقبها البطل على طريقته، هو بعد عودتهِ إلى القرية آنسَ إلى ظنٍ راسخ؛ أن القرية لم تستدرجهُ إليها سوى لتمعنَ في خرابهِ، لذلكَ أرادَ أن يكافئ جوليا الخائنة بغفرانٍ ستحملهُ ندبةً في القلبِ وذكرى لا تبرأ منها.

* يسجل لك الأسلوب الجميل في استخدام اللغة، والتي كانت اقرب إلى الشعر منها إلى السرد الكلاسيكي. وسؤالي بداية عن اللغة في أعمالك .. ورأيك في تلاشي الحدود بين الأجناس الأدبية..؟
** اللغة في نوميديا كانت رهاناً مهماً حاولتُ أن ألتزمَ بهِ، أنا من المولعينَ بالشعر قراءةً وكتابةً، وكنتُ دائمَ الاعتقاد بأنّ مزيجاً من الشعر والحكاية قد يخلقُ أثراً جمالياً مهماً. أعتقد أنّ أي روائي مطالب بأن يعتنيَ بلغته تهذيباً و تشذيباً لأنّها أحد مفاتيح القلوب، تجذبُ القارئ و تشدّه للنص شداً وإلى جانب متع السرد، تتحقّقُ له متعةٌ أخرى، هي متعةُ الشعر.. وأنا أعتقد أنّه لا يجدرُ أن تكونَ هناك حدود صارمةٌ بينَ الأجناس الأدبية، لاحظ معي كيفَ تغدو القصيدة كلّما توسّلت طرائق السرد و كيف يغدو النثر حينَ يتبرقعُ في حلّة الشعر.. المزج مستحب، لكن في الحدود التي لا تؤثر على النسق الأسلوبي لكل جنس أدبي. القارئ لـ “نوميديا” يلمس في اللغة شاعرية، وأعتقد أنّ ذلك منحَ الرواية سلاسة وانسيابية دونَ أن يؤثر الأمر على حبكة الرواية ولا على مقومات فنّ الرواية فيها.

* اعتمدت في روايتك كثيراً على علم النفس والحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق.. بحيث كنا امام رواية نفسية بامتياز..؟
** أتفق معكَ تمام الاتفاق، رواية “نوميديا” رواية نفسية بامتياز، وقد سبقت كتابتها قراءات مكثّفة في علم النفس، الحوارات الداخلية المطوّلة كانت تتوغل بعيداً في نفسية مراد وتجلو عذاباته كاملة، هي نفسية إنسان مقهور، استهلّ حياتهُ بوجعٍ فوقَ ما يطيقُ الكائن البشري وتدحرجَ في دروبٍ مسننّةٍ أدمت روحهُ، فكانَ صيفُهُ الأخير في إغرم فرصةً مناسبةً لإماطة اللثام عن انكساراته النفسية ومحاكمة الحياة كذلك، كيفَ أنها قد تبالغُ في تخريب الذات دونَ أن يعنيَ ذلك انهزامها، ذلكَ أنّ المرء لا يهزمُ إلا حينَ يقرّرُ هو ذلك.. صيف المنتهى في قرية البدايات كانَ هرساً نفسيًا الضراوة لولاه ما كنا لنتعرّفَ على “نوميديا” هذه الجميلة التي أنجبها خيالهُ المريض والتي لم تكن أكثر من هلوسةٍ منحته تشبّثاً بأملٍ اكتشفَ وهو على حافة المهاوي القاتلةُ أنه زائف.

* لماذا لجأت إلى تتعدد الأصوات السردية على مدار الرواية والتي توزعت بين الراوي مراد الوعل وبعض النساء اللواتي أحبهن مثل خولة ونضال وجوليا ونوميديا..؟
** طبعاً الأمر يدخل في باب التجديد الإبداعي، اعتماد تداخل الأصوات في الرواية كانَ لغرض فنّي، يتيح لكلّ شخصيّة أن تعبّرَ عن نفسها بكل حريّة وخارجَ ما يرويهِ عنها البطل.. بالطبع الرواية حول البطل و نسائه، لذلك كان لا بدّ من منح الكلمة لكلّ واحدة على حدة، لأن كل واحدة منهنّ تساهمُ بنصيبٍ في تشكيلِ خيبة البطل.

* أيضا كان هناك اتكاء كبير على المتخيل وتداخله مع الواقع.. واللجوء الى الخرافة والأسطورة..؟
** المزج بينَ الواقع والخيال أساس العمل الروائي، في الأخير كل رواية هي تفكيك للعالم وأشيائه وإعادة تركيبة من جديدة وفقَ رؤى إبداعية، وعلى نحو بالغ الترميز، لنكونَ في كل رواية بصدد واقع موازٍ للواقع الحقيقي، يمتحُ منه ويسائلهُ لكنّهُ أبداً لا يكون هو، الرواية هي خيالٌ محض، لكن لا بدّ من المراوحة بينَ الخيال وبين الواقع، لأنّ كسبَ ثقةِ القارئ بما يقرأ يستدعي ذلك، العمل الروائي هو محاولاتٌ دائمةُ للإيقاعِ بالقارئ في شرك الواقعية وإيهامه بأنّ ما تقدمه الرواية هو الحقيقة التي ما بعدها حقيقة، ولا يفوتني التنبيه إلى أنّ المكان في رواية “نوميديا” كانَ واقعياً، وكانَ له تاريخٌ في نفسي. و إلى جانب المزج بين الخيال والأسطورة يلحظُ قارئ “نوميديا” الحضور القوي للأسطورة والخرافة في هذه الرواية، ذلك أنني وجدتُ نفسي إزاءَ قريةٍ تحفلُ بالأساطير وحاولتُ ما أمكنَ أن أنتقيَ منها ما ينسجمُ و طبيعة الموضوع في الرواية، مثلا اللعنة (شجرة التين الملعونة / مراد الطفل الملعون) الإمبريالية (بين إمبريالية الرومي الحربية / وإمبريالية جوليا الثقافية).. وهناكَ العديد من الأمثلة التي يضيقُ المقام بحصرها كاملة.

* كم لعبت السيرة الذاتية لـ “طارق بكاري” دورا في الرواية..؟
** حاولت أن أكونَ محايداً ما أمكن، لكن أعتقد أنّهُ لا يمكنُ للكاتب أن يكونَ كذلك مهما حاولَ، كلّ رواية لا بدّ وأن يحضرَ فيها كاتبها ولو على نحوٍ بالغ التشفير، المكان في الرواية كانَ له سندٌ في الذاكرة، منهُ أخذتُ تلك الأساطير التي ضمنتُها الرواية وكنتُ دائم الاعتقاد بأنني أدين له بعمل إبداعي، ما على هذا أعتقد أنّ الرواية برمّتها خيالٌ لا يتصلُ بتاريخي الشخصي لا من قريب ولا من بعيد. حاولتُ أن أكون محايداً وأن أمكّنَ شخصياتي من حيواتها وفرصها كاملة.

* ولكن الى أي مدى يستطيع فيه الكاتب ان يكون حيادي في تسيير شخصيات روايته.. وأين يكون عندما يترك الشخصيات تسير بذاتها..؟
** أحرص على خلق مسافة بيني وبينَ الشخصيات، وأحاول ألا أثّر فيها، بناء شخصية متماسكة وقويّة يتطلّب درجة كبيرة من الصرامة مع الذات لا سيما في بداية كل عمل، لا بد وأن يفسحَ لها الكاتب مساحةً لتكون لا كما يشاء هو وتشاء قناعاته، بل كما تشاء هي، في ضوء السياقات السردية للمشروع الأدبي، أعتقد أنّ من لا يمنحُ لشخصياتهِ كامل حريّتها يكون كمن يكتبُ عملا واحداً رغمَ أنه بدد عمراً بين أكثر من رواية.أما عن تسيير الشخصيات، فأعتقد أنّ المرحلة المضنية من كلّ عمل هو بدايتهُ، بعد أن يصقل الكاتبُ شخصياته ويمنحها الحرية و يضعَها في عالمها، أعتقد أنّ مساحات حريّة الكاتب في التصرّف تتضاءلُ على حساب حرية العوالم التي شيّدها.

* هل تعتبر وصول ” نوميديا” للقائمة القصيرة لجائزة البوكر اعترافا بالرواية الجديدة ..؟
** أعتقد أنّ وصول “نوميديا” للقائمة القصيرة لجائزة البوكر اعترافٌ بالرواية الحقيقية، التي ترضي طبقات التلقي بدءًا من القارئ العادي وانتهاءً بالناقد، وصول نوميديا للقائمة يعكس انتصاراً من اللجنة الموقرة للنص الجميل، بعيداً عن أيّة حسابات خارج النص، وهذه قيمة تضاف للجائزة وتاريخها وعموماً هذا ليسَ بغريب عن جائزة أكدت في أكثر من دورة انتصارها للأدب الحقيقي. وصولُ نص هو الأول لصاحبه؛ نص لكاتب شاب إلى نهائيات البوكر اعتراف بجودة النص، وأعتقد أنني أدخلُ سباق البوكر بنص قوي ومجدد مبنى ومعنى.

* سؤال أخير، ماهو جديدك على صعيد الرواية ..؟
** أشتغلُ حالياً على نص روائي آخر يعود بالقارئ إلى مرحلة السبعينات من التاريخ السياسي للمغرب، ويعرض ما يعرف في المغرب بسنوات الجمر والرصاص، في ذروة الصدام بينَ اليسار المغربي المتشبّع بقيم الشيوعية والثورة والنظام المغربي الذي كان وقتها يطبق على الوطن بقبضة من حديد، كما تسلط الضوء على موضوعة الأقليات في المغرب، وأقصد اليهود المغاربة على وجه التحديد.

إلى الأعلى