السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / أمنيات ضبابية تبحث عن مرفأ في “أمشي على حروف ميتة”

أمنيات ضبابية تبحث عن مرفأ في “أمشي على حروف ميتة”

للشاعرة الإيرانية ساناز داودزاده فر

في مهارة لافتة تنسج الشاعرة الإيرانية ساناز داودزاده فر مجموعتها الشعرية خيطاً خيطاً، فتبدع لنا لوحات متناسقة الألفاظ، يصغي القارئ فيها إلى جرس الموسيقى الرقيقة وهي تتفشى في خلاياها محدثة، في تناقض غريب، الشعور بالمتعة والألم. ولم يكن اهتمام الشاعرة باللفظ على حساب المعنى، بل إنها حققت ما ذهب إليه الجاحظ حول الكلام البليغ، قال: “معناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك، بأسرع من معناه إلى قلبك”.(1) إن اللغة الشعرية المتدفقة في قصائد المجموعة، تشبه الحمم المنطلقة من فوهة بركان، والمختلطة بجدول ماء صاف ونقي يسير مختالاً وسط غابة من الأشجار الوارفة. فالشاعر كما يقول الدكتور عدنان الواعدي مهمته “أن يرتفع باللغة من عموميتها ويتحول إلى صوت شخصي، أن ينظمها من خلال رؤيته وموهبته في أغنى الأشكال تأثيراً، مستثمراً دلالاتها وأصواتها وعلاقات بنائها وإيقاعها على نحو فريد، وعليه فبقدر ما يتميز الشاعر في خلق لغته الخاصة يتجلى إبداعه”.(2) فاللغة تكاد تكون جوهر الشعر. تكتب الشاعرة بلغتها المميزة، وتستخدمها بحرفية في خلق سياقات لغوية خاصة بها، فهي بمهارة عالية تتلاعب بالكلمات مبدعة مفردات جديدة، فالحياة السريعة والمليئة بالمتناقضات والجنون والحب والكره، والألم الممتد في ثناياها يستلزم التعبير عنها بلغة جديدة. ولا شك أن للمترجم محمد حلمي الريشة، الذي له باع طويل في ترجمة الكثير من الأشعار، إضافة إلى كونه شاعراً وباحثاً عن التجديد الدائم، دوراً في ولادة هذه المقطوعات العذبة بأبهى صورة، والتعبير عما يجول في خاطر الشاعرة، وما يعتمل في نفسها من قلق وأمل بأجمل المفردات اللغوية، فاللغة “عرضه للزمن ولا بد أن تجدد باستمرار”.(3) تعبر المجموعة المكتوبة بضمير الأنا، عن حياة أثّر فيها الزمن، وعلى الرغم من أنها تعبر عن تجربة ذاتية إلا أنها تسقط الضوء على مساحات معتمة في داخل الإنسان، وعن سعيه من أجل الخروج من ضائقته، وتحقيق ما يصبو إليه. تقول الشاعرة: النَّافذةُ- ابتسامةُ الجدارِ بالنِّسبةِ إِليَّ لأَنَّني كنتُ أَختبرُ الطَّيرانَ بقلمِ رصَاصٍ. النَّافذةُ- بدايةُ الطَّيرانِ. في هذه القصيدة البرقية، تضيء لنا الشاعرة الطريق الذي تنوي السير فيها، فإذا كانت النافذة ابتسامة الجدار، فالقلم هو طريقي إلى ممارسة حريتي بلا حدود، والنافذة هي الكوة التي تطل على نور الشمس، ومن خلالها يغمر البيت بالضوء، وهكذا هي الكتابة تنقل الإنسان من سجن الحياة المشدد إلى عوالم غير معروفة، هي مغامرة من أجل الولوج إلى المجهول لأن المعروف لم يعد يمنح القلب ما يريده. تكثر الشاعرة من استخدام ألفاظ التبغ لما له دلالة لا تخطئها العين القارئة عن ضبابية الحياة، والضياع وسطها، وصعوبة معرفة السبيل. تقول: أَدورُ داخلَ دُخانِ سيجارتِكَ الَّتي أَشعلتَها، ومعَ آخرِ رشفةٍ مِنها يَبقى عَقبُها، ولا شيءَ يَبقى منِّي. فمن هو هذا الذي ينفث الدخان؛ أهو الحبيب أم الوطن الذي يقسو على أبنائه؟ إن الشاعرة تعيش في دوامة، فهي تحب ذاك الإنسان الذي يمثل الوطن، ولكنه لا يقدم لها يد العون لتستمر في طريقها التي خطته لنفسها، بل هو يمتص أحلامها، ويعمل على فنائها. تقول: معَ دُخانِ سيجارتِكَ وبآخرِ جُرعةٍ أَزولُ أَنا. معَ سيجارةٍ أُخرى أَنتَ تَحرقُني. لقدْ تعوَّدتَ عليَّ إِذا تَركْتَني، فإِنَّ صوتَ سُعالِكَ سيَصدرُ منْ فمِي. رغم هذه العلاقة الإشكالية، والمتضادة، إلا أنها تبقى وإياه كذات واحدة، فغيابها لن يمنع التأثر والتفاعل الجاري بين الاثنين، فصوت السعال الصادر منه، والذي يدل على اعتلال الصحة والمرض والضعف، يصدر من فمها، دلالة التوحد بالحبيب أو الوطن، فالإنسان لا يعرف قيمة الماء إلا عندما يجف البئر، ولا قيمة للضوء إلا حين تهاجمنا الظلمة، تماماً كمثل انقطاع صلاتنا بالآخرين، “نشعر بعدها بالمعاني العميقة للعلاقات الاجتماعية، الدفء والصداقة، وبالمعاني السلبية سواء بسواء”.(4) فالحضور قد يمنعنا من الشعور بحاجتنا للحبيب، فهو حاضر أبداً، ولكن عند الغياب نشعر كم هي الحياة مريرة ولا تحتمل! تقول الشاعرة: حِينَ ذابتِ السَّاعةُ الَّتي لمْ تأْتِ فِيها كانَ الوقتُ عِندي مفقوداً، وضجَّةٌ تبخِّرُ عقاربَ عدمِ رؤيتِكَ مجدَّداً كابوسٌ معتادٌ هذا. مَجيؤكَ مَوقوتُ الخيالِ، وأَنتَ مجرَّدُ حُلمٍ، ومؤقِّتةٌ لغيابِكِ الَّتي لاَ تَفهمُ الوقوفَ. فغياب الحبيب أحدث شرخاً في قلب الشاعرة التي لم تعد تحس بالوقت، وكانت عقارب الوقت تلسع هدوء حياتها، كأن عاصفة كابوسية ضربتها لتعيد الشاعرة إلى الواقع المؤلم بالغياب، وكأن الحبيب ليس إلا حلماً، غير أن الساعة التي تحسب الدقائق لغياب الحبيب لا تكف عن التحرك، فالشاعرة في القصيدة لا تقفل نوافذ الأمل بعودته رغم جحيم الانتظار. تلجأ الشاعرة إلى الصور الموحية، لذا هي تلجأ إلى “وسائل تعنى بها اللغة الوجدانية، كي تقوى على التعبير عما يستعصي التعبير عنه”.(5) ويرى الرمزيون أن التصوير الناجح هو الذي يصور خفايا النفس وما تحويه من المعاني المستترة، فالشعر عندهم لا يكون إلا “بعناصره الخالصة ودلالته الإيحائية المستترة المبهمة التي تشف عن أجواء نفسية غريبة لا سبيل إلى التعبير عنها باللغة وحدها”.(6) تقول الشاعرة: جميعُ الخياراتِ مَطروحةٌ علَى الطَّاولةِ؛ أَن ترسُمَ الصَّباحَ على كلماتِكَ. أَن أَركُضَ بجانبِ غيابِكَ. أَن نصلَ إِلى الحبِّ بيدَيْنِ أَو شفتَيْنِ. أَنتَ لمْ تَزلْ تَصبُّ الصَّمتَ فِي الكأْسِ وأَنا أَشربُ خيالَكَ. وتقول أيضاً: بخارُ حديثِكَ، أَحاطَ كلَّ مُخيلتِي بالضَّبابِ، فلاَ تَرى اقترابَ أَحلامِنا المُشتركةِ بينَنا فِي الحدِّ الأَدنى للمَسافةِ. يداكَ منذُ سنواتٍ بَعيدتانِ عنِّي. فالشاعرة هنا أبدعت مجموعة من الصور لتعبر عن مكنونات نفسها، لأن اللغة وحدها لا تكفي للتعبير عن الخيارات المطروحة وهي: إما أن يولد الصباح بكلماتك العسلية، أو أن أبقى ألهث وأنا أطارد خيالك، أو نصل إلى تحقيق المراد. الحبيب الذي لا يكف عن سكب الصمت في كأسه، وعدم الإجابة عما يرغب، جعل حياة الشاعرة تغلي من الوجع، فهي تشرب ألم الغياب، وكلامه المبهم يثير البخار الكثيف الذي يغشى حياتها، ويجعلها غير قادرة على التفكير المنطقي، لأنه شخصية مترددة لا يعرف إلى أن يريد أن يصل، لذا كلاهما رغم قرب المسافة بينهما، وأحلامهما المشتركة يشعران بقطع حبل الوصل، وعدم جدوى المحاولة. الحبيبة التي تتمسك بهذا الحب، تحاول الوصول إلى المبتغى، رغم علمها أن الوصول شبه مستحيل، فهي تسير نحوه على طريق معبدة بالحروف الميتة، طريق مليئة بالأشواك والفقدان، وستكتفي بالذكريات لأن لا حياة لها خارج هذا الحب. تقول: للوصُولِ إِليكَ أَمشي عَلى حُروفِ مَيتةٍ؛ ربَّما كلمةٌ تقولُ: آهٍ معَ الكلمةِ المُصابةِ، أَيضاً. سأَمشي بجانبِ مَسافاتِكَ. إن الشاعرة التي تعاني الخوف والقلق، وانهيار الأماني، تتناول في مجموعتها حياة “أناس تدفعهم قوى داخلية لا واعية لا يملكون زمامها، أناس تتحكم فيهم الذكريات”.(7) وإذا كان الحبيب والوطن شخص واحد، فالعلاقة المتشابكة والمتنافرة معه، والعلاقة التي لا تصل إلى منتهاها تدفعان الشاعرة للبحث عن الخلاص من حالة القلق واليأس بالحلم بالسفر إلى أماكن بعيدة، قد تساعدها في إيجاد ذاتها الممزقة. تقول الشاعرة: عندَما نِمتُ فِي السَّريرِ جاءَتِ المُمرِّضاتُ، والسُّحبُ أَيضاً، وصوتُ شلالٍ فِي كلِّ مكانٍ. ذهبتِ المُمرِّضاتُ، وبَقيتُ فِي مكانٍ شمالاً؛ كلُّ شيءٍ طازجٌ وجديدٌ، ولهُ رائحةٌ رطبةٌ. تحلم بعالم أفضل وأجمل، فها هي تبتعد عن الألم، والممرضات يسكبن حنانهن على مواضع الوجع مع قطرات المطر وشلال ماء. إن جوع الشاعرة للولادة من جديد، يجعلها لا تكتفي بمصدر واحد للماء، فهي تريد أن تتطهر بماء السحب، وتغتسل بماء الشلال في بلاد الشمال الجميلة حيث الحرية والفضاء اللذان لا تحدهما حدود. تجد الشاعرة في العيش في بلاد الغربة حلاً، وولادة جديدة لمشاكل حياتها التي ليس لها حل. وكما قال الشاعر صلاح عبد الصبور: “أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملء الفم حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معا”.(8) إن الشاعرة ستبقى في حالة من القلق رغم البداية الجديدة، لأن الحنين الذي يشدها إلى الوطن لن يتوقف، والساعة لا تفهم الوقوف كما تقول، والشاعرة تنهي مجموعتها بالقول: كلُّ مَا أَكتبُهُ؛ يَصيرُ سِجناً أَو مَوتاً بالأَبجديَّةِ المريضةِ. لاَ بدَّ أَن نعيشَ الحريَّةَ بلُغةِ الإِشارةِ. فكل شيء يسير مضادا لما تشتهي، فها هو شعرها عاد ليكون مريضاً، أو مسجوناً، أو ميتا، لأن الحرية ما زالت تعاني، فلا فكاك من حالة اليأس إلا بمواجهتها. أما عن الوطن، فإنها تقول: قدْ أَسقطُ فِي مكانٍ ما لمْ تُولَدِ الحروفُ فيهِ بعدُ، ولا يوجدُ تدقيقٌ بأَيِّ تفكيرٍ. هناكَ بثيابٍ منَ الزُّهورِ سأَرقصُ وأَنا أَتذكَّرُكَ، وسأَنقش رَقصتي فِي حَجرٍ، وحتَّى بعدَ بليونِ سنةٍ سيكونُ الحبُّ معنَى هذهِ الرَّقصةِ. إنه يعيش في داخلها، وتتنفسه، فحتى بعد تحقيق كل ما ترغب فيه من الحياة في بلادها الجديدة، فإنها تخفق في نسيانه، لذا هي، وفي قمة سعادتها ورقصها الحر بملابس من زهور، سيبقى الوطن يظهر بعناد يجبرها على نقش اسمه في قلبها، فتعرف أنه لا أمل مرجو من النسيان، وأن حبها اللاهب له سيبقى وقود سعادتها لتستمر بالرقص. إن الشعر ليس مجرد مواد كيماوية مختلفة إذا مزجتها مع بعضها تنتج قصيدة، فكما يقول الشاعر أمل دنقل: “الشعر يأتي عن طريق الوجدان أولاً وليس عن طريق العقل. الشعر فن وصناعة في الوقت نفسه، واكتمال الصناعة لا يعني أن الإنسان صار شاعراً، وكذلك الشاعر الموهوب، فدون أن تستقيم له أدواته، أدوات الصناعة، يصبح شاعراً غير مبين، لا يملك الإفصاح الكامل عن نفسه”.(9) فالقصيدة هي التي تظهر نفسها للشاعر المجرب أو المتلقي غير الخبير بالشعر. تستحق المجموعة الشعرية أن تقرأ، فهي تحقق اللذة والمتعة المرجوة من القراءة، وبمزيد من الدربة والممارسة ستصل الشاعرة إلى مبتغاها ببناء عالمها الشعري الخاص.

الهوامش:
(1) نادي الديك: رائحة التراب- دراسات في الأدب والنقد. القدس، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين. ط1. 2005م. ص62. (2) المرجع السابق. ص62-63. (3) (عبد الستار إبراهيم: الحكمة الضائعة. الكويت، عالم المعرفة- سلسلة يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. العدد 280. أبريل 2002م. ص245. (4) عبد الستار إبراهيم. مرجع سابق. ص141. (5) محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث. بيروت، منشورات دار العودة للطباعة والنشر. ط1. 1982م. ص418. (6) المرجع السابق. ص420. (7) ماري م. كولم: “الطريقة الحديثة في الأدب- مجموعة محاضرات، بإشراف روي كاودن. ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا. بيروت، منشورات مكتبة منيمنة. ط1. 1962م. ص135. (8) عبد الستار إبراهيم. مرجع سابق. ص131. (9) جهاد فاضل: قضايا الشعر الحديث. بيروت، منشورات دار الشروق للطباعة والنشر. ط1. دون تاريخ. ص352-364 .

أمين دراوشة
كاتب من فلسطين

إلى الأعلى