الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / دوافع كتابة السيرة الذاتية في الأدب العماني (2 ـ 2)

دوافع كتابة السيرة الذاتية في الأدب العماني (2 ـ 2)

قراءة في السير الذاتية لـ :
1- سيف الرحبي “منازل الخطوة الأولى”.
2- محمد عيد العريمي “مذاق الصبر” و “بين الصحراء والماء”.
3- محمد سيف الرحبي “بوح سلمى” و”بوح الأربعين”.

إن في إحياء الذكريات بتسجيلها احتماء بالماضي وهروبا من الحاضر التعيس، يستعيد سيف الرحبي في ” منازل الخطوة الأولى” اللحظة التي كان يستعد فيها للرحيل إلى أماكن كانت بالنسبة إليه في تلك الفترة المبكرة مغمورة بإشراق فريد، بل كانت جنة الحلم الأول من فرط حضورها في مخيلة طفل، وستظل تلك اللحظة تلاحقه في حله وترحاله ” ما زلت أتذكر ألق تلك اللحظة التي أهم بالرحيل فيها.. كانت سيارة جيب تقف أمام بيتنا القديم الذي ظلت نجومه وأحلامه تلاحقني وتجلس القرفصاء كل ليلة أمام سريري المحمول على كتف ريح عمياء وتغرز نظراتها كسمّار المجالس تحت السماء الأولى”22.
يغدو فعل التذكر لدى سيف الرحبي أبعد من التلذذ باستعادة الذكريات، إذ يتحول إلى سؤال وجودي عن سر هذا الشغف والتعلق بمنازل الخطوة الأولى لدى الإنسان، نلمح ذلك في الاستهلال الذي قدّم به سيرته وهي أبيات لمحمود درويش:
ما سر انبثاق هذا الماضي ؟
أهو البحث عن طفولة المكان
أهو الشبق لملاقاة مكان الطفولة
أم هو الاقتراب من سؤال سابق:
ما البداية .. ما النهاية؟
فالحنين إلى الماضي مقترن بزمن البراءة والطفولة، وذكريات المكان الأول حيث خطت الذات أولى خطواتها في الحياة فيه، وقد يكون هذا الحنين ترميزا للمكان الأول للإنسان بعدما أنزل من الجنة إلى هذه الأرض.
وفي ” بوح سلمى” يتحول الدافع الخارجي المتمثل في سؤال الشخص المجهول حول تجميعه لمقالاته إلى هاجس داخلي يسيطر على ذهن الكاتب يلح عليه بالكتابة إنه الخشية من النسيان وتذكير الأجيال بماضي آبائهم وحياتهم قبل أن تعجز الذاكرة عن تذكر ما بقي من وميض الماضي المنصرم “قبل أن نفقد ذاكرتنا للأبد، لزاما علينا أن نقول لمن يأتي في الطريق خلفنا إننا هكذا وجدنا الدرب أمامكم، وهذا وجدوه أجدادكم قبلنا وقبلكم “23 . فالكتابة محاولة لرصد ما علق في الذاكرة قبل أن يطالها النسيان، إنه السباق مع الزمن، ومحاولة إيقافه ليؤرخ لذاكرة مجتمع ينهض وسط ثورات من الحركة والتغير والعلم والتكنولوجيا.
وفي ” بوح الأربعين” يدفع الحنين محمد الرحبي إلى البوح عن نفسه ” حدثتني نفسي بالبوح عن نفسي “24 بعد أن كان وجه جدته سلمى يلح عليه بأن يبوح عن المكان في ” بوح سلمى” ، إلا أن هذا البوح ظل هاجسا لدى الكاتب، فما زال في مكنون القلب ودهاليز الذاكرة ما يحتاج إلى استعادة وتدوين، وفي هذه الحالة يكون البوح دون وسيط غير النفس لذا “أيقنت أن الكلمة الصادقة هي التي نقولها بعفوية الإنسان، الكلمة ذات لون الأرض هي سر الكتابة، كتابتنا جميعا، لذا حدثتني نفسي بأمر آخر، لا مناص حين تلح الرغبة بالكتابة، سأكتب نفسي ولا أملك كل شيء، ولا أجرؤ على كل شيء”25.
وفي ” بين الصحراء والماء” تلهب يوميات “راكساند” ذاكرة العريمي التي تعلم منها ما لم يتعلمه من الجامعة، حتى إن يومياتها كانت دافعا لتذكر ماضي حياته ومثيرا لاسترجاع صور علقت في الذاكرة فحان الوقت لرصد ما تبقى قبل أن يوغل الزمن في الذاكرة فتتلاشى هذه الصور “ولو لم أطلع على تلك المفكرة لما استطعت استرجاع كثير من الصور التي شاهدتها أو عشتها في حياتي، وقررت أن أكتب كل ما أتذكره وأحفظه من تجارب ومشاهد وحياة سابقة قبل فوات الأوان : عني وعن الأماكن التي عشت فيها أو زرتها وعن المواقف والأحداث الذي تعرضت لها أو سمعت عنها وعن الأشخاص الذين عرفتهم، عن كثب أو مجرد معرفة عابرة”26.
هكذا تصبح الكتابة حياة ثانية حين يستعيد الكاتب حياته الأولى رغبة في التمتع بذكرياته، ورغم أن كاتب السيرة الذاتية يظهر في نصه حاجته الملحة في كتابة حياته لغاية اجتماعية أو تاريخية إلا أنها في الباطن محاولات يائسة للانتصار على الزمان والموت، ورغبة جامحة في إيقاف مرور الزمن وإخضاعه للرجوع إلى الوراء، فرارا من سطوة الحاضر وشبح الشيخوخة.
2- البحث عن الذات:
تكتسب السيرة الذاتية قيمتها من وعي الكاتب ذاته بأهميتها، فالحياة التي ترويها وعاشها مؤلفها يجب أن تكون جديرة بأن تروى، فهو لا يكتب سيرته إلا عندما يعتقد أن حياته قد حفلت بما يجعلها كفيلة بأن تظهر أمام الناس سواء جاهر بذلك أو تستر عليه، وحسب عبارة جورج ماي فإن السيرة الذاتية ” تنشأ من رغبة الكاتب في استعادة مسار حياته ليدركه وليهنأ باله بما ينتهي إليه من نتائج تطمئنه إلى أنه رغم الحوادث والتناقض والفشل والنكوص على الأعقاب والتردد والتنكر، لا يزال كما كان، وأن الهوية الأثيرة للأنا لم يمسسها سوء”27.
إن بوح الكاتب عن ذاته والتعبير عن ما لاقته في مسيرة الحياة كثيرا ما يستدعي صورة الآخر المتقبل لخطاب الذات ليعي حجم التحديات التي مرت بها الذات وكيف تجاوزت تلك المحن والشدائد، بل إن الصورة التي تحاول الذات ترسيخها في ذهن المتلقي تنطوي على صورة البطل الذي تحدى الصعاب وجاهد النفس على تجاوز الإحباط والضغوط، فكانت ثمرة ذلك الجهد الصورة التي أصبحت عليها الذات زمن الكتابة، ولأن الآخر لا يعرف عن هذه الصورة إلا كما استوت عليه؛ كان لابد من سرد مسار حياتها ليدرك عظم هذه الذات وبسالة هذه النفس، فيشارك الذات مشاعرها ويستعظم طموحاتها ، وتصبح الصورة الحاصلة للكاتب عن نفسه هي الصورة التي سيرسمها ويثبتها في قلوب المتلقين ليقرؤوها جيلا بعد جيل، ومن ثم سيكتب لهذه الذات البطولية الخلود، وهذا ما يجعل الذات تشعر بوجودها وترضى بما حققته.
في ” مذاق الصبر” يكرس العريمي لدى المتلقي صورة البطل الذي تجاوز محنة الإعاقة، وقاوم الآثار النفسية التي تخلفها في نفس المعوّق، وبعد أن تجرع الكاتب مذاق الصبر، واستوى على عوده كان لابد من رسم هذه الصورة وإطلاع الآخرين عليها ليروا حجم التحدي وقوة التحمل.
يرسم العريمي من خلال تجربته في الإعاقة نموذجا للشخص المعوّق الذي انتصر على آلام الإعاقة وتبعاتها، ليس الهدف من سردها ” الحديث عن استثنائية صاحب التجربة أو الإعلان عن بطولة، وإنما تقديم تجربة عادية يعيشها آلاف الأشخاص وإن تفاوتت شدتها من شخص لآخر ومن إعاقة إلى أخرى”28، يضطلع العريمي بدورين متكاملين دور الناصح المرشد للشخص المعوّق ودور المصحح لنظرة الآخرين اتجاهه، ولما كانت الذات تقوم بهذا الواجب كان لابد من تجنيبها كل ما قد يساء فهمه من قبل القراء، فبادر العريمي بتنبيه القارئ بأن كتابته عن تجربته ” ليست إشارة استجدي بها شفقة الآخرين وإنما هي رسالة لإثارة الانتباه “29، ويظل هذا الهاجس يطوف في مشروع الكتابة ويتردد عبر سطورها محاولا تثبيت الصورة التي أرادها أن تكون في قلب الخطاب مؤكدا أن كتابته ليست ” تعويضا عن قصور أصاب جسدي، فأنا لا أشعر بأي نقص ولست مسكونا بهاجس إثبات الذات للآخرين وبالتالي البحث عن بدائل تعوض ما افتقره “30 .
إن المعاناة التي قاستها الذات أثناء فترة العلاج كانت كافية لتحطيمها، فقد تبخرت الطموحات وتحطمت الأمنيات ” إن حياتي كانت طوال شهرين ونصف سلسلة متواصلة من القسوة، وإن الألم وهشاشة الإحساس بقيمة النفس كانت دوما حاضرة بكل تجلياتها “31. وبعد هذه المعاناة تحاول الذات المصالحة مع الإعاقة وتخطي التحديات بالتكيف مع الوضع الجديد متسلحة بالرضا بالقضاء والقدر ” كان علي تحمل معاناة الذات قبل آلام المرض، والتصالح مع النفس قبل الجسد ، والاعتراف بالواقع قبل التشبث بالأمل والرضا بالمكتوب والقدر”32 .
لقد وجد العريمي السبيل في تخطي آلام الإعاقة، فنظرة المعوّق إلى نفسه هي التي تستطيع قلب الموازين، ” فإما قبول الكارثة وامتصاص صدمتها المدوية، والإقبال على الحياة باستعداد على التكيف معها وتكييف بعض جوانبها ، وإما رفض الواقع محاولا البحث عن خلاص يفاقم نتائج الإصابة ويضاعف من الآلام والمعاناة فيسرع الخطى بالجسد نحو الحتف.. النهاية”33.
يؤكد العريمي من خلال تجربته كيف أن نظرة المعوّق إلى نفسه هي من أهم العوامل التي تغير التفكير والسلوك الإيجابي تجاهه وتصوغ طبيعة نظرات الآخرين إليه ومواقفهم منه، لذا قدم نفسه في سيرته واثقا بنفسه معتزا بها. وأظهر بكتابته الانتصار على الإعاقة بل أصبح بعد عودته إلى عمان “معلما” يجيد الشرح لأهله ويزيل طنين الأسئلة التي تقفز في أذهان الآخرين بعد أن كان ” تلميذا” يحسن الإصغاء أثناء فترة التأهيل في بريطانيا. لقد صارع الحياة وجاهد منغصاتها حتى أصبح لحياته معنى يبرز فيها وجوده ويفرض فيها ذاته.
إن كتابة السيرة الذاتية تستدعي لدى كاتبها الإحساس بجمال الذات والرضا عما أنجزته عبر مسيرة العمر، وبمقدار ما يشكل مرور الزمن هاجس قلق للنفس البشرية من دنو لحظة الفراق، فإنه يخلق أيضا حالة سكينة وتأمل تمكن الذات من الوصول إلى إدراك أعمق لظواهر مضت وأحداث مرت تركت نتائج وآثارا فهمت وقتها على نحو ما ، ويمكن فهمها الآن على نحو مختلف أكثر شمولية ودقة ذلك لأن ممارسة كتابة الذات تقوم على نوع من التعارض بين زمنين: زمن الأحداث وزمن الكتابة، وكثيرا ما يضفي زمن الكتابة على زمن الأحداث ما لم يكن حاضرا في ذهن الشخصية حينئذ، فهو قد يرفع من شأن أحداث وقعت له صدفة ويجعلها تمهيدا أو سببا للحياة التي استوى عليها ، بل إن المؤلف يعمد إلى انتقاء الأحداث التي لعبت دورا أساسيا في تكوين شخصيته، وهذا يجعله يتخطى أطوار حياته ولا يلتزم الترتيب الزمني لمسارها، ومن ثم فإن الصورة التي يرسمها المؤلف لنفسه في سيرته ” لن تكون في هذه الحال إلا صورة مخترعة، وليس مبدأ الانتقاء المتعمد الواعي بمقاصده هو وحده الذي يؤدي إلى الابتكار والاختراع، فدواعي التأليف وأسبابه تضطلع هي الأخرى بتلوين الصورة المبتكرة وتحدد البعض من ملامحها، لاسيما أن السيرة الذاتية لا تكتب اتفاقا وبختا ، بل تكتب حاملة في تلاوينها استراتيجية مؤلفها في علاقته بالمتلقي وغاياته ومقاصده”34.
ويعتمد الكاتب في استعادة زمن الأحداث على ذاكرته، والذاكرة مرشح تمر عبر ثقوبه الأحداث فتنقيها، ويتم اختيارها وربما اختراعاها ومعالجتها وفق ما يلائم صورة الشخص عن نفسه، كما أن انتقاء الموضوعات التي تسردها الأنا عن ذاتها الماضية تخضع لظروف الكتابة الراهنة ورؤية الذات إلى الحياة.
إضافة إلى ذلك فإن كاتب السيرة الذاتية عندما يعرض تجربة حياته أمام القارئ ويصف شخصيته ويحلل مواقفه فإنه في الوقت ذاته يدفع المتلقي إلى تأمل نفسه هو الآخر ومراجعة تجربته، وذلك بفعل تأثير الكاتب على متلقيه فهو يقف أمامه يستكشف ذاته ولكن بوعي متقدم على وعي لحظة الذات المسترجعة.
يتبين لنا من خلال استعراضنا لهذا الدوافع أن الكتابة تصير معادلا للنجاة، فهي فعل وجود تتأسس عليه أكثر المعاني فعالية في قهر الزمن وذلك عبر الديمومة التي تمنحها الكتابة لوجود الإنسان بعد فنائه ماديا. إن الكتابة تجعل الكائن البشري قادرا على قهر ضعفه أمام الموت والصمت والفراق والنسيان، فتلعب دورا تأثيريا في تقليل فاعلية الغياب النهائي للإنسان، فالكاتب يخلق لنفسه حيوات جديدة وذاكرة متجددة مع كل ميلاد قارئ لنصه، ومن ثم فإن الكتابة والموت يرتبطان ارتباطا ضديا فالمكتوب قادر على مقاومة الزمن بتوقيف حركته وفعله رمزيا ، فيضمن خلود ذكره، ومن ثم مقاومة الموت، وكما يقول تودروف لكي يمكن للشخصيات أن تحيا عليها أن تحكي.

المراجع:

1 – الموت والعبقرية، عبدالرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ، 1965، ص110.
2- عن : ترجمة النفس (السيرة الذاتية في الأدب العربي)، تحرير: دونيتراينولدز، ترجمة : سعيد الغانمي ، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث( كلمة)، أبو ظبي، 2009م ، ص 37.
3- نفسه ص 38.
4- إحسان عباس ،فن السيرة، دار الشروق، عمان، 1996م، ص12.
5 – الأدب والارتياب، عبد الفتاح كليطو، دار توبقال، الدار البيضاء، 2007،ص12.
6- محمد أركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي المعاصر: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط 1، 1997 ،ص 106.

7- حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، تونس، ط1، 1981م ، ص45.
8 – تربية سلامة موسى ، سلامة موسى للنشر والتوزيع ، 1958، ص10.
9 – معجب الزهراني ، موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث، مجلد 6، دار المفردات ، الرياض، 1422هـ، ص15.
10 – السيرة الذاتية ، جورج ماي ،تعريب : محمد القاضي وعبدالله صولة، بيت الحكمة، قرطاج ،1992، ص48.
11 – نفسه ص48.
12 – مذاق الصبر، ص32.
13 – نفسه ص157.
14 – نفسه ص158.
15 – نفسه ص158.
16 – نفسه ،ص162.
17 – نفسه ، ص162.
18 – نفسه ، ص124.
19 – السيرة الذاتية، ص50.
20 – بوح سلمى ص16.
21 – بوح الأربعين ،ص11.
22 – منازل الخطوة الأولى ،ص94.
23 – نفسه ص16.
24 – بوح الأربعين ، ص7.
25 – نفسه ص7.
26 – بين الصحراء والماء، ص32.
27 – السيرة الذاتية ،ص64.
28 – مذاق الصبر ص31.
29 – نفسه ص32.
30 – نفسه ص32.
31 – نفسه ص60.
32 – نفسه ص115.
33 – نفسه ص186.
34 – محمد لطفي اليوسفي: فتنة المتخيل، ج3، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،2002، ص16.

نصيب الصبحي

إلى الأعلى