الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / العمارة العربية المعاصرة و”عقدة الغرب”

العمارة العربية المعاصرة و”عقدة الغرب”

تعيش العمارة العربية المعاصرة، بمفهومها الواسع، اليوم أزمة متشابكة تتعدد فيها العوامل المؤثرة سلبا، أبرز ملامحها تغريبة ثقافية وفكرية، صاحبها ثورة عمرانية غير مسبوقة اجتاحت معظم مدنها الرئيسة على أعقاب مرحلة الإستقلال منتصف القرن الماضي. وعلى إثر هذه الظاهرة المتسارعة، والتداعيات المتراكمة المتدحرجة، برزت ثمة أزمة تمر بها ولا تزال، كرستها التبعية “الغربية”، وهذه يمكن تعريفها بـ”عقدة الغرب”.
ملامح هذه الأزمة تبلورت بعيد استقلال معظم الدول العربية مع ستينيات القرن الماضي وما حولها، إذ كان على الدول المستقلة حديثا أن تتخذ واحدا من موقفين حادين متناقضين، يحدد كل منهما وجهتها ومستقبلها، من قضية شائكة متشعبة ومرتبطة ارتباطا مباشرا ووثيقا بالهوية والحضارة والتراث: الأول، يعني نبذ مظاهر التراث واحتضان الحداثة. والثاني، على نقيضه، يقضي بالعودة للأصول ونبذ مظاهر التبعية للمستعمر.
فيما تلا هذه الفترة التي يمكن تسميتها بفترة “التوجه الهوياتي”، وخلال فترة السبعينيات، تراوحت سرعة انطلاق كل دولة من الدول العربية نحو الوجهة الجديدة التي خلفت وراء ظهرها تبعيتها للإستعمار المباشر، وانعكس ذلك بشكل مباشر على التوجه العمراني، فالعمارة هي مرآة الحضارة وانعكاسها الصادق على البيئة المحيطة. بيد أنه من صواب القول ملاحظة أن “شوائب” وأخلاط من مزيج من العمارة التراثية والغربية باتت تطفو على السطح في أكثر من قطر عربي، ومردّ ذلك صراع فكري ثقافي في أروقة الفكر الثقافي والمعماري بين دعاة الأصالة والحداثة. فالفصام والفصل لم يكن بالحدة التي ذكرت أعلاه من الموقف من الإستعمار والتخلص من إرثه وتبعيته، بل تراكمت عبر السنوات، ملامح نزاع وسجال بين قطبين متنافرين، عكس حالة الإستقطاب من جهة، كما بلور وجسّد على الواقع حالة ثالثة مشوهة بين القطبين تتمثل في “مسخ” هوياتي أدخل المستعمر من النافذة بعد أن أخرج من الباب. وهذا تجسد في “تغريبة ثقافية” احتفت بالمستعمر “الجديد” ذي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء. هذا القادم الجديد امتلك صفتين أساسيتين: الأولى قدرته على التوغل دون حسيب أو رقيب، في أي مكان أو زمان، إذ كان مرحّبا به ومطلوبا أصلا. والثانية، أنه اكتسب صفة شرعية لارتباطه بالتقدم العلمي والتكنولوجي الغربي، على عكس جده المستعمر القديم الذي ربط نفسه بالتقدم العكسري والذي ولغ في الإقتصاد والثقافة تشويها مباشرا، فضلا عن سياسته الأبدية “بالتفرقة” كي يسود – وأمثلة الإستعمار البريطاني للهند والفرنسي للجزائر وغيرها أمثلة حاضرة في هذا الصدد.
ومع احتدام النزاع بين الفريقين، ومع بداية تشكل “المسخ الهوياتي الجديد” في غفلة من قطبي التراث والحداثة، بدأت ملامح أزمة ثقافية وفكرية جديدة تتبلور داخليا عبر الأقطار العربية تكرست وسمّيت في دوائر ومنتديات الفكر الثقافي العربي بأزمة وإشكالية الأصالة والمعاصرة. ففي منتصف السبعينيات، وقف مفكرو العرب وأبرز رواد “نهضته الحديثة” إزاء هذه الإشكالية التي تلت فترة التخلص من الإستعمار المباشر، من أجل الوقوف بوجه المستعمر الثقافي الجديد، وسالت أحبار الأقلام، وسادت منتديات فكرهم أطروحات ومساجلات عبّرت عن اشتداد وتزايد قلقهم من تداعيات هذه التجاذبات من هذين الموقفين المتناقضين. فمن جهة وقف رواد التراث مدافعين ومنافحين عن إرثهم الهوياتي الحضاري الثمين، فيما وقف متصلبا، من جهة أخرى، دعاة الحداثة والمدنية، وتمترسوا خلف فكرتهم الأساسية بضرورة اللحاق بالعصر الحديث، علما وثقافة وتكنولوجيا وحضارة بمفهومها الواسع للكلمة بما يشمل العمران. وبين هؤلاء لاحت فرصة لثلة من أنصار موقف الحداثة بفتح النافذة واستجلاب المستعمر الثقافي الجديد تحت مسمى خطير اسمه “الخبراء”!
فترة منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات كانت فترة متناقضة من حيث الناتج. فمن جهة يمكن رصد مجموعة من المفكرين الذين قادوا وبشكل واعٍ ملامح عصر “أشبه ما يكون بعصر النهضة” الأوروبية، مع الفارق أن الأول نجح في الإقلاع والتحرك بأمم أوروبا من موروثها القديم وتبعية الكنيسة وتقديس الدين ومعتقداته حتى في الفن القروسطي، بينما، وعلى النقيض تماما كان “عصر النهضة العربية” يدعو إلى التمسك بالموروث القديم والمحافظة عليه. واللافت أن الثاني، أي “عصر النهضة العربية” لم يفلح في الإقلاع والسير بالأمم العربية قدما، في الفترة التالية المباشرة على الأقل، لأنه لم يتحول لثورة اجتماعية جماعية أو حتى سياسية، بل كان عبارة عن دعوات فردية، وكان على هذا العصر أن ينطلق بعد عقد واحد لاحقا كما سنبين تاليا، بالرغم من ملازمته لشوائب “عقدة الغرب” و”خبرائه”.
فمع نهاية الثمانينيات، وبعد صراع مضنٍ ودامٍ استنزف قوى التراثيين، اجتاحت العالم برمته موجة جديدة قوامها تقديس التراث والمحافظة عليه، حتى بين أكثر الدول الغربية مدنية وتقدما، وتبلور مفهوم جديد في العمارة هو “المحافظة على التراث العمراني”، وأعيدت قراءة واستخدام مجموعة من ميثاقيات الحفاظ (فيسنيا وغيرها) وغدا واحدا من أهم فروع العمارة المعاصرة – ولكن بشكل مرتبط بالغرب و”خبرائهم” في ذات الوقت. وغدا الحفاظ على التراث فرعا مهما من فروع الممارسة والتطبيق، ومساقا مهما يدرّس في الجامعات العريقة. لكن الحفاظ التراثي ارتبط بالهوية، وكان لزاما العمل على إدراجه ضمن الوعي الجمعي للمكان والمجتمع. بيد أن المفارقة أن هذا الحفاظ التراثي، تسلل إليه “فيروس التغريب الثقافي” في بعض الأحيان من خلال بعض الشركات العالمية التي تسللت إلى الثقافة والعمارة العربية خلسة، واستعملت “التراث” كأنه “موضة” واستعارت مجموعات من الرموز والأشكال لتعبر من خلالها “شكليا” عن مرجعيات تراثية. كل هذه الممارسات “اللاشرعية” صبّت وتصب فيما نعرّفه ب”عقدة الغرب”، بل كانت هذه العقدة هي المنفذ الذي تسللت من خلاله الأطماع التجارية والإنتهازية الغربية لرقعة جغرافية ممتدة غنية بالموارد والمصادر الطبيعية، وأدت بالتالي لتشويه الناتج في البيئة المبنية والعمرانية، لغياب الأسس الثقافية السليمة والفهم الصحيح للبيئة والعمارة العربية وأسسها ومرجعياتها الفكرية الثقافية الاجتماعية وسواها.
وقد يكون منطقيا ومقبولا أن تكون هناك درجة معينة من التداخلات الثقافية بين الأمم وعبر الأمم، فهذه حركة طبيعية للتاريخ والسيرورة الإجتماعية، وإلا لما كانت هناك تجارة، بمفهومها الواسع بما يشمل الصناعة. فالمقايضة والتجارة وتبادل الصناعة أمر مقبول جدا وشائع عبر العصور. كما أن استيراد السيارات في بلد غير صناعي أمر مفهوم، وتظل السيارة،على أية حال، بعد الإستيراد بضاعة لا تدل على هوية محلية ولا متعلق حضاري. أما الحال في العمارة والتخطيط فمختلف تماما، إذ هي لا ترتبط فقط بمتعلقات الهوية والحضارة أثناء مرحلة تخليقها في رحم عملية التصميم المعقدة والمتشابكة مع العديد من الإختصاصات الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، إنما تمتد لتشمل سلوكيات وترسيخ قيم وعادات وتقاليد وأنماط حياة بعد تنفيذ هذه المشاريع. وقد يفهم المرء أيضا أن تطلب العرب تصاميم غربية، تزيد في التغريب والإستغراب الثفافي والحضاري، وهنا قد يكون مفهوما أن تتم الإستعانة بخبراء وشركات أوروبية لتصميم هذه العمائر الدخيلة. أما ما لا يمكن فهمه فهو أن تطلب العرب وشركاتها تصاميم تتماشى مع التراث العربي الإسلامي! فالتراث بات نمطا فنيا لدى بعض المستشرقين من المخططين والمعماريين أكثر من كونه الوعاء الناقل للقيم الحضارية والفكرية للأمة. وبهذا فإن القادم الجديد الذي أفلت من ظاهرة الإستقطاب الحادة التي وسمت مرحلة الثمانينيات يصطف جنبا إلى جنب مع دعاة التغريب، وإن كان ينتج إفرازات عمرانية مختلفة. فدعاة التغريب يميزهم النزعة لاستقطاب حركات معمارية عالمية تم تطبيقها في مجتمعات أخرى، لكن هؤلاء “الخبراء المتسللين” تحت غطاء وبصر “عقدة الغرب” حولوا ساحة العمارة العربية إلى متحف، أو مختبر للتجارب، زاده سوءا دخول عصر العولمة ما بعد التسعينيات.
لكن من اللافت أن “عقدة الغرب” مرتبطة بالبيروقراطية المؤسساتية ودوائر صناعة القرار، قبل أن تكون صنيعة فردية أو مجتمعية – رغم عدم نفي تهمتها عن الأخيرة، لكن المسؤول عن تسويقها بالدرجة الأولى والأساسية هي الدائرة الصغيرة المغلقة. فحيث تكون التبعية السياسية تلحقها التبعيات الأخرى الاقتصادية والصناعية وسواها وتنزل من قمة الهرم إلى قاعدته. هذه “العقدة” تعني فيما تعنيه، انبهارا يكاد يكون تاما بكافة مناحي ما تقدمه المجتمعات المتقدمة في مناحي “المدنية” من قبل مجتمعات نامية تعاني ركودا في هذه المناحي وغيرها. وخطرها واضح في إغماض نصف العين عن العيوب، وتسلل الغث والسمين، ودس السم في الدسم، فضلا عن استنزاف الموارد، وهي مربط الفرس، وتشويه وتدمير الهوية والبيئة الفكرية والثقافية وإنتاج أخلاط من الفكر المستورد الذي يؤدي للتخبط على كافة مستوياته. ولنا شواهد من البيئة المبنية والعمارة العربية المعاصرة!

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى