السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / رُؤيةٌ في الشعر المقاوم

رُؤيةٌ في الشعر المقاوم

لا تزال فلسطين جرحاً ينزف في أعماقنا، وما جرى ولا يزال يجري في مختلف مدنها وقراها وضِياعها من العدوان الإسرائيلي الغاشم ألهب قرائح الشعراء في كل مكان، مما يدرجهم ضمن شعراء المقاومة والدفاع عن الأرضِ والعِرض والمظلومين، وللشاعر الراحل محمد حسن فقي المعروف بـ– شاعر مكة – العديد من القصائد في فلسطين، ومنها قوله عن معاناة المشردين من الفلسطينيين، وعن الذين لا زالوا يقاتلون للدفاع عن أرضهم وعرضهم:

فبعض يعيش اليوم في دار ذلة
ولكنه يأبى ويقتحم الصعبا
يقاتل وهو الأعزل الخصم مالئا
جوانبه مما يصاب به رعبا

فلا يوجد شعب تم تشريده إلى جميع أصقاع الدنيا مثل الشعب الفلسطيني منذ أوّل يوم احتلال لأرضه، وبذلك يعيش المشرّدون عيشة الذل، ومع كل هذا الذل يأب هذا الشعب أن يستسلم، ولا يزال يقاوم ويقتحم الصعاب، حتى أنه يقاتل الصهاينة بدون سلاح، وما سلاحه إلا المقلاع أو السكاكين كما يحدث الآن في الإنتفاضة الشعبية في مختلف مناطق فلسطين، فينشر الرعب في الجيوش المدججة بكافة أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة.
وبذلك تبقى فلسطين معزوفة الشعراء كما قال الشاعر العماني هلال الشيادي:

معزوفةُ العزِّ في سمعي وفي روحي
نصرٌ يلوحُ مع النيرانِ والريحِ
في العصفِ رائحةُ البُشرى لأمتنا
وثغر ” غزة ” يتلوها لتفريحي

ولهذا اللون من الشعر شروط تميزه عن غيره، وخير من يعلّمنا هذه الشروط هو القرآن الكريم في قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}.
أول هذه الشروط الإيمان الحقيقي بالله وبكتابه المنزل وما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والشرط الثاني العمل الصالح فـ”الإيمان كله عمل”، ومن مصاديقه الدفاع عن الدين وجميع المبادئ والقيم التي نحيا بها ولأجلها، والمحافظة على الكرامة والعزة ورفض أيّ نوع من الظلم والإعتداء على الأرض والمقدسات، والشرط الثالث ذكر الله كثيراً لاطمئنان القلب، ومن مصاديق الإيمان ترطيب اللسان بقراءة القرآن والتوجه لخالق الوجود بألوانٍ من الدعاء، وذكر الأحاديث الشريفة والقدسية المروية عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنها تشكل امتدادا لما جاء به القرآن الكريم وما أراده الله عزّ وجل للمسلمين من عزة وكرامةٍ وأنفةٍ وسؤدد.. والشرط الرابع الانتصار للحق وعدم مهادنة الأعداء أو الانضواء تحت مظلتهم ضدّ الشعوب المستضعفة، والانتصار لقضايانا المصيرية وأهمها فلسطين المغتصبة، والرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) تطرق إلى لفظة الإنتصار باللسان عندما قال للأنصار: ” ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم” فقال حسان: أنا لها.. حيث أستفيد من هذه الشروط الأربعة أن تتحول إلى مضامين رئيسة للنص الشعري المقاوم للظلم والمدافع عن الحق وأهله، وبذلك يكون الشعر المقاوم مؤثراً تأثيراً صادقاً وحقيقياً.

وفي مضمار الخصوصيات التي يتحلى بها شعر المقاومة، ومن خلال المنظور القرآني المستفاد من الآيات السابقة الذكر تتضح الفروقات بينه وبين أيّ شعر آخر، وأهم الفروقات هو بروز مختلف القضايا الإنسانية الصادقة والمنتزعة من مسرح الواقع، وخير مصداق من واقعنا هو مأساة الإنسان في فلسطين وافتقاده كلّ مُسلّمات الحياة الآمنة والمستقرة منذ ما يزيد على ستة عقود.

أما غيره من الشعر فلا نسلبه كينونة الشعر ولكنه قد ينحى إلى الخيال المُختلق والذاتيات المتشعبة مصداقاً للآية (في كل وادٍ يهيمون)، وفي أغلبه – وليس كله – يكون بعيداً عن الواقع المباشر ولا علاقة له بقضايانا المصيرية، وإن توفرت فيه شروط فن القول، وفنّية النص، ومن التعريفات التي وقفت عندها وتتفق مع المنظور القرآني الآنف الذكر ما ذكره الأديب المصري أحمد فضل شبلول حيث يميل إلى اتساع مفهوم شعر المقاومة إلى روح المقاومة العربية التي تفيد أنه أشمل من شعر الحرب، لأنه يعبّر عن روح الإنسان العربي الذي تتآمر عليه قوى الشرّ الكبرى فتنعته بالإرهابي أو المتخلف، ومَازَجَ شبلول رأيه برأي الدكتور الراحل عبدالقادر القط الذي يستند فيه شعر المقاومة إلى التزام الشاعر بقضايا وطنه وأرضه وشعبه وقضيته المصيرية، ويتطلب ذلك حرارة في القول وحماسة في التعبير ونبرة عالية في الإيقاع، ‏وشعر المقاومة هو الأقوى والأبلغ من الناحية الإنسانية وصدق المشاعر والأحاسيس، وكان المسلمون الأوائل يهتمون بأولادهم لتعلّم الفروسية منذ نعومة أظفارهم، كما يتعلمون الفصحى وما عذُبَ من شعر العرب، وبذلك تقوى أبدانهم في الطبيعة الفطرية، وتنصقل ألسنتهم بمخالطة الفصحاء وحفاظ الشعر وأخبار العرب وأيامها، ويلاحظ في ذلك أهمية التربية العسكرية للحفاظ على بيضة المسلمين من جهة، وتعليم الشعر العذب لاكتساب قوة المنطق والتعبير كناية عن الجانب الثقافي والفكر والإبداع من جهة أخرى، مما ينمّ عن روح الحماسة في الفعل والقول لديهم، ونُقل عن جعفر بن محمد قوله: ” علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله”، ولا يوجد شعر أصدق من شعر المقاومة والدفاع عن الأرض والعرض لأن ذلك من دين الله، ومما وجدته في شعري في هذا المعنى قولي – من ديواني المخطوط – ” فوضاكِ قافيتي “:

قاوم بشعركَ يا لسانُ فإنّهُ
مِصداقُ قلبٍ بالحقيقةِ يهتدي
وانصُرْ – رعاكَ اللهُ – مَنْ سُلِبتْ حقو
قُ حياتهِ ، وامنحهُ مِنْ أملٍ ندِي
فالشعرُ إعلامُ الضمائرِ يرتقي
ببيانِ حقٍّ ، رغمَ أنفِ المعتدي

وفي الشعر العماني الكثير الكثير من الشعر الفصيح الذي يتطرق للقضية الفلسطينية منذ بدايات الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين حتى يومنا هذا، وهذا دليل صادق على المشاركة الوجدانية للقضايا المصيرية للأمة جمعاء من قبل الشعراء العمانيين، ومنهم أمير البيان الشاعر عبدالله بن علي الخليلي وهو يُعد شيخ القصيدة العمانية في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد كان شعره ينم عن تمكن في سبك الألفاظ وتصوير المعاني، حيث لا يشكّ اثنان على أن الإنتماء الوطني لدى الخليلي تعدى حدود وطنه الصغير عُمان، فتعداها لقوميته العربية وللدائرتين الإسلامية والإنسانية، فقد تناول قضايا تحمل الهم العربي ومنها قضية فلسطين ومنها الثورات المصرية والجزائرية واليمنية والعراقية، واستقلال المغرب، ونضال تونس وليبيا، العدوان الثلاثي على مصر… الخ،
- كما جاء في الموسوعة العالمية-، ومما قال في ذلك، ويشمل شعره فلسطين أيضاً متحدثاً عن التقاعس العربي الذي استمر عدة عقود:

مالي أرى العرب العرباء في هرج
خلف الشقاق شتاتًا في الإراداتِ
كأنها تحت أحقاد علقن بها
عقم عفا تحت هبّات عقيماتِ
يا قومُ حتام يهوى في الحضيض بكم
رأي شتات لأعدا غير أشتاتِ

الشاعر عبد الله الخليلي في الشطر الأول من هذه القطعة الشعرية ينظر إلى حقيقة ما يجري منذ أكثر من ستة عقود، وتستمر هذه النظرة حتى يومنا هذا، فالعُرب لا يزالون في هرجٍ ومرجٍ، وهم لا يزالون في شقاق واختلاف، وإراداتهم متشتتة لا تثبت على رأي ثاقب يخافه الأعداء ويهابه المستكبرون في الأرض، كأن هذه الأمة تحت أحقاد علقن بها عقمٌ عفا تحت هبّات عقيماتِ..ويسألهم: يا قومُ حتى متى يهوى في الحضيض بكم رأي شتاتٍ ؟.. بينما الأعداء الذين يواجهوننا ويحتلون فلسطين ويساعدون اليهود في سيطرتهم هذه من الأميركان والأوروبيين لا يزالون متحدين ضد الأمة العربية بأكملها.

وهذا ما يدعو استمرار النص الأدبي المقاوم انتصاراً لصوت الضمير الحيّ..إلى أن يأذن الله عزّ وجل بارتفاع الغمة عن هذه الأمة وتحرير فلسطين على يدي الصادقين من طُلاّب الحق ومحاربي الباطل والمنتصرين للحقيقة ومُحاربي الزيف.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى