الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / غرفة.. خلقت له عالما جميلا فأهداها حريتها
غرفة.. خلقت له عالما جميلا فأهداها حريتها

غرفة.. خلقت له عالما جميلا فأهداها حريتها

درس في الحب والعطاء والأمل

علمتنا الحياة أن الأم “نهر خالد أوله فيض من الحب ووسطه تضحية وعطاء”.
الحديث عن الأمومة يطول ومهما طـال واستمر لن يصل للحدود التي تصفه.
مشاعر فياضة من الحب، الخوف، الدفء والحنان اذا امتزجت جميعها في احد منا، يصبح مضطربا، لكنها تصبح طبيعية بفضل من الله سبحانه وتعالى عند الأم، وهو ماجعل المجتمعات القديمة تربط فكرة الأمومة بـ “الألوهية”، حين كان الاعتقاد السائد بأن المرأة هي التي تنجب بذاتها.
التوقيت مناسب للحديث عن الأمومة، خاصة وأننا في شهر يضم مناسبتين تخص المرأة، فبعد غد الثلاثاء سنحتفل بـ “اليوم العالمي للمرأة ” وهي مناسبة دولية تحتفي بالإنجازات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للنساء، فيما عيد الأم الذي يصادف يوم 21 مارس من كل عام، وهو مناسبة تشغل حيزا كبيرا في الشاشات الفضية.
الشاشات الذهبية أيضا تساهم بالاحتفاء بالأم، من خلال أعمال تعالج قضايا الأبوين وأبنائهم، وبرغم قلتها الا أن هوليوود تفاجئنا بين الفينة والأخرى بأحد تلك الأعمال الدرامية التي تحظى باهتمام كبير من أوساط المشاهدين.
واليوم تقدم لنا عاصمة السينما في العالم أحدث أعمالها المندرج في تصنيف الدراما الانسانية العميقة، “الحب والتضحية” هما سيدا الموقف فيه، وغرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها تسعة أمتار مربعة هي العالم.
غرفة (Room): فيلم دراما انسانية من إنتاج كندي، للمخرج الإيرلندي ليني ابراهامسون صاحب الفيلم الكوميدي “Frank” الذي حاز على استحسان النقاد العام المنصرم. سيناريو الفيلم مقتبس من رواية بنفس الاسم للكاتبة ايما دونوف التي استوحتها من قصص واقعية، ورشحت للفوز بجائزة “مان بوكر برايز” الأدبية، كما حققت مبيعات كبيرة عند صدورها في 2011.
ربما لم اشاهد اي عمل سابق لابراهامسون، لكني ارفع له القبعة بعد أن حالفني الحظ وشاهدت هذه التحفة السينمائية الانسانية التي اخُرجت بطريقة متقنة ومضبوطة حفر خلالها الايرلندي المعروف بتقديمه اعمالا مميزة ذات ميزانية ضعيفة (حوالي 13 مليون دولار)، اسمه ضمن قوائم كبار صناع السينما العالمية، حين ترشح العمل لـ4 جوائز أوسكار، أفضل ممثلة في دور رئيسي وأفضل إخراج وأفضل فيلم، وأفضل نص مقتبس، حصل منها على جائزة افضل ممثلة في الحفل الذي أقيم على مسرح دولبي بلوس انجلوس ليل الاحد الماضي.

ابراهامسون تمكن من تقديم روح الرواية الأصلية، وأضاف عليها بعض من توابل التشويق المثيرة، دون أن يمس خط الدراما الرئيسي فيها، وهو الجدل الذي نشاهده مع كل رواية تترجم الى عمل سينمائي.
الشريط مبهر جدا وشيق في قسمه الأول (مصور كاملا داخل غرفة)، حيث برزت فيه قدرة وقوة ابراهامسون على ابتكار طرق مختلفة لإشغال المشاهد وإرغامه على البقاء محصورا في تلك الغرفة الصغيرة دون ملل، وذلك عبر كاميرات موضوعة بزوايا مختلفة من الغرفة، ففي كل مرة نتابع مشهدا مختلفا عن الآخر. كما أنه جعلنا جزءا من هذا العالم نراه بعيون أبطاله ونتخيل خارجه تماما مثلهم.
وعن بطولة الفيلم، فإنها خلت تماما من نجوم الشباك والصف الأول، لكن بطلته الأميركية بري لارسون التي جسدت دور الأم “ما” باحترافية عالية، اضاءت نجمتها الخاصة في سماء هوليوود وذلك عقب انتزاعها أوسكار أفضل ممثلة في دور رئيسي، وجائزة الجولدن جلوب لأفضل ممثلة في فيلم درامي.
شاركها البطولة الطفل الكندي الموهوب صاحب الإمكانيات الرائعة برغم عدم تجاوزه الثمانية أعوام، جيكوب تريمبلي، ويجسد شخصية مركبة ومعقدة “جاك”، في اداء استثنائي مؤثر يعد البداية الحقيقة له. حيث سبق وأن شاهدناه في دور بسيط بشريط المغامرات الكوميدي ” The Smurfs 2″.
برغم وقوع سيناريو غرفة في فخ الرتابة والترهل والتكرار في النصف الثاني منه، الا ان ابراهامسون يستحق الإشادة مرة اخرى في عملية قيادة طاقم عمله وتوظيف ممثليه، خاصة الطفل الذي سيظل اداؤه عالقا في الذاكرة مدة طويلة وحصل خلاله على جائزة اختيار النقاد للأفلام لأفضل ممثل شاب هذا العام.
“غرفة” نال جائزة اختيار الجمهور في مهرجان تورنتو السينمائي، وحقق ايرادات تقدر بـ 19.7 مليون دولار أميركي.
……………………………..

أحداث

“صباح الخير أيها المصباح، صباح الخير أيتها النبتة، صباح الخير ياثعبان البيض،.. ياسجادة،.. يادولاب الملابس.. وياتلفاز.. ويا حوض الغسيل” بتلك الكلمات يتفقد الطفل جاك محيط عالمه الصغير ليبدأ صباحه، ونبدأ معه احداث الشريط.
جاك وأمه جوي التي يناديها بـ”ما”، يعيشان في غرفة ضيقة، هي العالم كله بالنسبة للأول، وسجن للأخيرة التي حُبست داخلها لمدة سبع سنوات، حيث تعرضت للخطف وعمرها 17 عاما من رجل لم يتم الكشف عن خلفية حياته، فيما يغتصبها ويحبسها في تلك الغرفة التي لاينفذ لها الضوء الا من فتحة صغيرة في السقف، موصدة بباب لا يفتح سوى برمز سري يعرفه وحده، وخلال احتجازها تنجب جوي طفلها جاك الذي يكون خير أنيس لها ويعطيها القوة على تحمل تلك السنين العجاف داخل الأسر. بالطبع عنصر الغموض يلعب دورا مهما في هذا الجزء من الشريط، فهو يدفع المشاهد الى كثير من التساؤلات والحيرة حول ماهية هؤلاء، ولماذا هم داخل الغرفة؟ وماسبب تلك المعضلة من الأساس؟.الى أن تتم عملية البناء تدريجيا بعد مرور نحو 15 دقيقة. وهو مالم يتقبله البعض، واعتبره مضيعة للوقت وتطويلا للأحداث.
……………………………..

عالم افتراضي

الأم منذ البداية، سعت الى خلق عالم جميل لابنها جاك، فجعلته يرى عالما افتراضيا، فخارج الغرفة هو الفضاء الخارجي، والأشخاص على التلفزيون الذي ينقطع ارساله بين الفينة والأخرى، هم عالم خيالي لا وجود لهم على أرض الواقع بـ “قاموس جاك”. وهكذا وخلال 5 سنوات هي عمر طفلها، تحاول جوي أن تحصنه من المعرفة غير محسوبة النتائج، وأسئلة حول كائنات وبشر لن توفرها الغرفة “عالمه” له. هي ايضا تجعله يفرح ويلعب بألعاب تصنعها له “ثعبان البيض”، وكأن لا شيء ينقصه، كما أنها تحميه من شرور خاطفها ومغتصبها الذي يجلب لهما الطعام والدواء في مقابل اشباع رغباته، فتخفيه في خزانة الملابس كلما زارها. وبرغم عالم جاك البائس، الا انه يتمتع بقدر جيد من السعادة. وفي مشهد يصف لنا الطفل عالمه فيقول “السناجب والكلاب هي فقط أمور من التلفاز، والأشخاص فيه مسطحون ولديهم ألوان” ويقول أيضا “أنا في الخامسة من عمري، لكني أعرف كل شيء”، “أنا وأمي حقيقيان، نك الكبير لا اعرف ان كان حقيقيا،..ربما”.
……………………………..

حقيقة.. هرب

جوي المثقلة بهمومها وأحزانها، تنفجر في صارخة في وجه طفلها، حين تقرر بعد بلوغه الخامسة، أن تواجهه بالحقيقة التى اخفتها عنه، هي تتمنى أن تتخلص من تلك المأساة وأن يتفهمها طفلها ليكون عونا لها، فطالما راودتها خطط للهرب لكنها لن تتمكن من تنفيذها وحدها. الأم تقول لطفلها ” لا يمكنك أن تستمر في العيش هكذا، عليك أن تساعدني”، الا أن عقل الصغير لايتحمل تفسير ماتخبره به والدته ويتمنى أن لايسمعه فيقول لها بكل براءة ” هل يمكنني أن اصبح في عمر الرابعة مجددا؟”.
وبعد اقناع، تتفق جوي مع طفلها على أن يدعي أمام خاطفها، أنه مصاب بالحمى، ولا سبيل سوى الذهاب الى الطبيب وهناك يجب أن يعطيه جاك ورقة تطلب خلالها الأم المساعدة. لكن الخطة تحول مع رفض نك ووعده بالعودة في اليوم التالي ومعه أدوية ذات مفعول أقوى.
تلجأ الأم لخدعة جديدة، فتدعي موت طفلها بعد أن تمكنت منه الحمى، وقبل تنفيذ الخطة، تمكنت جوي من تدريب جاك على حبس أنفاسه داخل سجادة، وتلقينه مايجب أن يفعل عند خروجه ومقابلته أول شخص. في مشهد مبهر أخر، حين يكتشف الطفل بنظرات حائرة مضطربة، عالما جديدا مخالفا تماما لعالمه، اللهم الا منظر السماء الذي اعتاد رؤيته من خلال فتحة سقف غرفته.
……………………………..

تأهيل

الخطة تؤتي ثمارها، والشرطة تتمكن من تحرير الأم بعد أن يصف صغيرها بذكاء محبس والدته. لتبدأ بعدها مرحلة تأهيله للتأقلم مع العالم الجديد. في اعتقادي أن كثيرا من المشاهدين، كانوا يفضلون انتهاء الشريط مع انجاز تخليص الأم وابنها من الأسر، فهو بالفعل الجزء الأقوى والأفضل. الا أن السيناريو اسُتكمل، من خلال جزء آخر اقل بريقا وأكثر تطويلا، فصناعه يجدون فيه اهمية من ناحية معالجته ومناقشته صعوبة التأقلم والتعايش مع العالم الخارجي بعد الاحتجاز سنين داخل الأسر. حيث نجد حالة من عدم التوازن تصيب جوي، اثر انفصال والديها بالإضافة إلى حالة انطواء ورهبة طفلها ومعاناته في التواصل مع البشر.
جاك يتجاوز محنته ويخرج من قوقعته، بعد مرور والدته بصدمة نفسية اعقبت احساسها بالذنب، تغيب على اثرها بضعة ايام للعلاج في المستشفى، وهو مايمكن الطفل من التواصل مع العالم وتكوين صداقات حقيقية ليست مع جمادات. وهي رسالة السيناريو التي نجح في توصيلها لنا بأن الأمل موجود دائما. قبل أن يختتم الشريط احداثه، تعود بنا الكاميرات مجددا الى الغرفة، في زيارة تأتي بناء على طلب من جاك، الذي يشعر انها اصبحت صغيرة بعد مشاهدته العالم الحقيقي، ويتركها مودعا اصدقاءه القدامى ” حوض الغسيل، السرير، دولاب الملابس” لأخر مرة.
غرفة.. تراجيديا استثنائية قوية، مليئة بالحب والدفء بقدر ماتحويه من بشاعة واقع ظالم بشع. من اجمل هدايا 2015 على مستوى الأعمال الدراميا فهو جدير بالمشاهدة، يبث الأمل في أرواحنا ويدعونا الى التفاؤل وحب الحياة مهما مررنا بظروف قاسية.

رؤية: طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى